مصادر لا تُذكر في الأخبار

مصادر لا تُذكر في الأخبار

الأحد - 14 محرم 1443 هـ - 22 أغسطس 2021 مـ رقم العدد [15608]

التسريب الإعلامي للأخبار والمعلومات، من قِبل مختلف الحكومات، ليس جديداً، وعالمياً. وهو فنٌّ يكاد يكون في أغلبه حكراً على الجهات الأمنية السرية. وكما أثبتت التجارب عبر السنين، يعد أداة مفيدة، أحياناً، لتحقيق أهداف السياسة بطرق ملتوية، عبر خلق بيئات مناسبة لوضع ضغوط على دولة معينة. كما يهدف، أحياناً أخرى، إلى لفت الأنظار، في تلك الدولة، إلى فضيحة سياسية أو أخلاقية، أو قضايا ذات علاقة بالفساد. لكنه، في بعض الأحايين، لا يحقق المرجو منه، بل يأتي بنتائج معكوسة وسلبية، تحيق بمصدر التسريب، وقد تسبب إرباكاً للجهات الإعلامية ذات الصلة بالنشر، خاصة في حالة تفنيده بالأدلة.
والتسريب الإعلامي أنواع عديدة. وعادة ما تلجأ إليه الحكومات في فترات الحروب والأزمات فيما بينها. لكنه، في أحايين كثيرة، قد يحمل في ثناياه أخباراً صحيحة. وعادة ما تترك الحكومات مهمة التسريب لجهات أمنية واستخباراتية، ابتغاء السرية، ونأياً بنفسها عما قد يترتب عليه من مشاكل، أو لتحقيق الأهداف المرجوة منه بسرعة وكفاءة.
ما دعاني للحديث عن هذا الموضوع، تقرير نشرته مؤخراً، صحيفة بريطانية، معدوم المصادر، تفوح من بين ثناياه رائحة تسريب قوية، ويتحدث عن بروز توتر ملحوظ في العلاقة التي تربط بريطانيا بجارتها فرنسا. ونسب التوتر إلى تعنت ساكن قصر الإليزيه، الرئيس إيمانويل ماكرون، والزعم بكونه السبب في تأجيل لقاء القمة الذي يعقد دورياً بين البلدين، مرة كل عامين، بغرض تبديد ما قد يعتري دفء العلاقة بينهما من برود أو ما قد يغيم صحو سمائها من غيوم.
لقاء القمة الدوري، كما تؤكد الوثائق، تم الاتفاق حوله بين كلتا الدولتين في عام 2010، فيما صار رسمياً يعرف باسم «اتفاق لانكستر هاوس». إلا أن القمة تلك توقفت منذ عام 2018. والسبب، وفقاً للتقرير، عدم رغبة الرئيس الفرنسي في انعقادها، لقناعته بانعدام الجدوى منها.
أولو العلم ببواطن وخفايا العلاقة الفرنسية - البريطانية تاريخياً، في خطها البياني صعوداً وهبوطاً، يقولون إن جسور التعاون بينهما لا تزداد قوة ومتانة إلا في فترات الأزمات، مثل أزمة ميونيخ 1938، أو أزمة السويس 1956، هذا يعني ضمنياً أن في غيرها من الأوقات تتعرض العلاقة للتوتر، أو تتسم بالعدائية، كما هو حالها خلال هذه الفترة. الأمر الذي يحرم سياسة الوفاق الودي - The Entente Cordiale - من مزايا الوفاق، ويحول بينها وبين الدفء المضمن في كلمة ود.
ضِف إلى ذلك، أن نشر التقرير الإعلامي البريطاني، في هذا الوقت تحديداً، يشي بضيق صدر في لندن من الضغوط التي يمارسها الرئيس ماكرون، وينبئ بأن الضرورة تحتم على حكومة لندن اللجوء إلى التسريب، على أمل نجاحها في وضع ضغوط تضطره إلى تغيير قراره برفض عقد القمة، أو تحميله مسؤولية تجميد العلاقة بين البلدين. لكن الأخبار القادمة من باريس تشير إلى أن المحاولة البريطانية، حتى الآن، لم يصادفها نجاح. وبالطبع، هذا سيقود لندن إلى تكرار المحاولة وبطرق أخرى.
العلاقة بين البلدين، خاصة بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، أضحت مصدر توتر للبلدين. وكادت تصل إلى مواجهة عسكرية، لدى قيام بريطانيا بمنع صيادي السمك الفرنسيين من الصيد في مياه جزر القنال، وتهديدها بإرسال قطع عسكرية بحرية. لكن لندن تراجعت. وخلال أزمة الوباء الفيروسي انزعجت لندن من تصريحات الرئيس الفرنسي المتعلقة بعدم جدوى لقاح «أسترازينيكا» لمن هم فوق سن الخامسة والستين. وحين بدأت بريطانيا عملية التلقيح ضد الوباء، قبل دول الاتحاد الأوروبي، ونجاحها في ضمان الحصول على كميات كبيرة من مختلف أنواع اللقاحات المضادة للوباء، وتبجح الحكومة بالإنجاز، تسبب ذلك في إثارة حنق الرئيس الفرنسي. لكن القشة التي قصمت ظهر الحكومة البريطانية مؤخراً تمثلت في زعمها بتساهل حكومة فرنسا إزاء عملية تسلل المهاجرين غير الشرعيين في قوارب عبر القنال، إلى الأراضي البريطانية، وبأعداد كبيرة، خلال مدة زمنية قصيرة.
ذلك التساهل، يعزوه البعض إلى غضب فرنسا من التهديد البريطاني المتكرر بإلغاء البروتوكول الموقع بينها وبين الاتحاد الأوروبي بخصوص وضعية إقليم شمال آيرلندا، ومطالبتها بعودة الطرفين إلى منضدة المفاوضات، بهدف صياغة اتفاق جديد، يفي بمطالب سكان الإقليم، بما يضمن عدم الإخلال بأمنه ويحقق توطيد استقراره. الرد البريطاني على التساهل الفرنسي إزاء تسلل المهاجرين تمثل في وضع فرنسا في قائمة الدول المحظور سفرها أمام المواطنين البريطانيين، سواء أكانوا من رجال الأعمال أو من السياح. الإجراء البريطاني زاد في حدة غضب حكومة باريس، لحرمان اقتصادها مما ينفقه مئات الآلاف من السياح البريطانيين من أموال، خلال عطلة الصيف. وإجبار العائدين من فرنسا على دخول الحجر الصحي لمدة 10 أيام، وتحمل دفع رسومه المالية المفروضة.
كل العوامل المذكورة مجتمعة، وما تضمنته من أفعال وردود أفعال من قبل الطرفين، أسهمت في ترسيخ قناعة لدى الرئيس الفرنسي ماكرون، بأنه لا ضرورة، في الوقت الحالي، تستدعي عقد مؤتمر قمة مع الجار البريطاني.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو