لماذا انسحب بايدن من أفغانستان؟

لماذا انسحب بايدن من أفغانستان؟

الجمعة - 12 محرم 1443 هـ - 20 أغسطس 2021 مـ رقم العدد [15606]
ممدوح المهيني
المدير العام لقناتي «العربية» و«الحدث»

اختلف المبعوث الأميركي لأفغانستان ريتشارد هولبروك، مع الرئيس أوباما بعد اعتزامه زيادة عدد كبير من الجنود، كما طلب العسكريون منه. حجته أن الزيادة السريعة ستعني بعد ذلك وبشكل حاسم تخفيضهم، وهذا سيبعث بالرسالة الخطأ للأفغان بأنها زيادة وقتية وسيرحل الأميركيون قريباً. اقتراح هولبروك كان مختلفاً: لا تزد القوات ولكن أبقِ عدداً معقولاً، لأن هذا سيرسل الرسالة الصحيحة للشعب الأفغاني و«طالبان»، وهي: نحن باقون وعليكم التفاوض معنا. هولبروك كان يبحث عن ذخيرة دبلوماسية، وما جعل الأمر أسوأ أن موافقة أوباما على زيادة الجنود كانت مشروطة بفترة مؤقتة، وبعد ذلك تخفيض كبير، ثم الخروج النهائي.
الرئيس ترمب ذهب في ذات الاتجاه وكان يريد الخروج من أفغانستان بشكل نهائي وسريع، وقرر تخفيض عدد كبير من الجنود لإصلاح سمعته المتضررة من طريقة تعامل إدارته المتخبطة مع (كوفيد - 19). ويقال إنه تراجع عن الخروج النهائي بعد أن استمع لنصائح القيادات العسكرية بأن تداعيات الانسحاب قد تكون محفوفة بالمخاطر. فكرة الانسحاب لدى ترمب والتراجع موجودة في طريقة تفكيره ودعايته السياسية، وقال في أكثر من مناسبة إنه غير مقتنع بحرب أفغانستان التي عدّها حرباً مكلفة وسخيفة. وبعد مكالمة مع الرئيس التركي إردوغان قرر بشكل مفاجئ سحب الجنود من سوريا، قبل أن يتراجع بعد معارضة من كبار الجمهوريين والبنتاغون.
الرئيس بايدن لا يختلف عن سلفيه ومضى في نفس الطريق. «طالبان» في الواقع انتصرت واحتلت كابل نظرياً، ليس الآن ولكن عندما أعلن الرئيس الأميركي أن الانسحاب الكامل في أبريل (نيسان) الماضي. الضربة الثانية عندما انسحبت القوات الأميركية خلسة من قاعدة «باغرام» من دون معرفة القيادة العسكرية الأفغانية التي شعرت بأنه تم التخلي عنها. لقد كانت الرسالة واضحة؛ الأميركيون ذاهبون و«طالبان» باقية وعلى الأفغان الاختيار. ورغم فوضى الخروج التي حذرت منها الاستخبارات الأميركية فإن الرئيس بايدن يعرف تماماً ماذا يفعل. والسؤال واضح: هل الانسحاب من أفغانستان مفيد له انتخابياً في الداخل أم لا؟ الجواب واضح، إنه مفيد لأن الغالبية العظمى من الأميركيين ضد هذه الحرب الطويلة والتي يسميها بعض السياسيين الممتعضين «الحرب للأبد». وهذا نفس الدافع الذي كان لدى أوباما وترمب ولكن بايدن فعلها وقرر المضي في قراره رغم التحذيرات.
والواقع أن هذا رأي الرئيس بايدن منذ أن كان نائباً، حيث طالب مراراً بالخروج وعدم الانزلاق في ألاعيب العسكريين ومماطلاتهم. الهدف، كما كرر حينها، هو هزيمة «القاعدة» والجماعات الإرهابية وليس بناء الأمة الأفغانية.
الخروج كان عشوائياً ومحرجاً، ولكن هل يهم فعلاً على المدى الطويل؟ الأكيد أن تأثيرات صور فوضى الحشود في المطار والمتشبثين في الطائرة المقلعة، مؤقتة، ولكن الأهم هو إنهاء حرب استمرت لـ20 عاماً، ويمكن أن تستمر أكثر كما قال في خطابه الأخير. العوامل الداخلية قوية وتلعب دوراً كبيراً في اتخاذ حتى القرارات الكبيرة. سيرى الأميركيون أن بايدن هو الذي أنهى الحرب المنهكة لهم ولأموالهم التي عجز عنها غيره. سيكافئه الناخبون على هذا القرار حتى لو رأى من هم في الخارج أنه قرار خاطئ وطعنة غادرة.
ورغم التحليلات الاستراتيجية المهمة خلف قرار الانسحاب، فيجب ألا نغفل أهمية العوامل الداخلية لاتخاذ القرارات الحاسمة، وربما تكون العامل الأقوى خلف القرار. ويمكن أن نرى ذلك تاريخياً عندما اتخذ رؤساء أميركيون قرارات خارجية كبيرة بسبب عوامل داخلية انتخابية، مثلما خرج الرئيس أيزنهاور من الحرب الكورية، وعارض أقرب الحلفاء (إسرائيل وفرنسا وبريطانيا) في حرب 56 لأن الانتخابات كانت على الأبواب، إضافةً إلى أسباب أخرى.
هل ستتحول أفغانستان مرتعاً للجماعات الإرهابية؟ هل ستتعرض المرأة الأفغانية للاضطهاد؟ هل ستتحول أفغانستان لفوضى عارمة؟ لا أحد يعرف حتى الآن الإجابات عن هذه الأسئلة، ولكن مهما كانت، إدارة بايدن حسبتها بدقة وتعرف أن قلة غير مؤثرة من الأميركيين ستذهب إلى صناديق الاقتراع وهي تفكر في هذه الأسئلة الملحة الآن على الأقل.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو