في العجلة الندامة

في العجلة الندامة

الأحد - 23 ذو الحجة 1442 هـ - 01 أغسطس 2021 مـ رقم العدد [15587]

في صيف عام 1971، شهد المغرب محاولة انقلاب ضد المغفور له بإذن الله الملك الحسن الثاني. الانقلاب فشل وتمّ القبض على قادته، ونجا المغرب، بلطف من الله، من محنة الوقوع تحت حكم العسكر. لدى الإعلان عن الانقلاب، كان نظام العقيد معمر القذافي أول نظام في العالم يعلن تأييده واعترافه بالانقلابيين. وسارعت الإذاعة الليبية ببث المارشات العسكرية والأناشيد الحماسية. لكن الانقلاب فشل، بعد تمكن القوات المغربية الموالية للملك من السيطرة على الأمور. حكاية الانقلاب ذاك، صارت جزءاً من التاريخ. وعنّ لي ذكرها الآن، لألفت الاهتمام، من خلالها، إلى حقيقة أن أغلب أهل السياسة عموماً، وفي دول العالم الثالث خصوصاً، لا يتعلمون من دروس التاريخ وتجاربه، ولا يتعظون بعبره.
لدى حدوث الانقلاب العسكري الفاشل، لم يكن قد مر عامان، آنذاك، على وصول العقيد القذافي إلى السلطة، على رأس انقلاب عسكري، أطاح بالنظام الملكي في سبتمبر (أيلول) 1969. كان القذافي، وقتذاك، شاباً، لم يتجاوز الثلاثين من العمر، قليل التجارب السياسية، ومتهوراً، لا يفكر في أمر مرتين. لذلك السبب؛ بعد فشل الانقلاب، لم يبق للدولة الليبية، ولمعمر القذافي شخصياً، جسر يمكنهما من التراجع والانسحاب، بما يحفظ ماء الوجه محلياً وإقليمياً ودولياً. التعجل، وقلة التريث، في تأييد الانقلاب دفعت بالعلاقة بين الدولتين الليبية والمغربية إلى هاوية بلا قرار. أضف إلى ذلك، أن الراحل الملك الحسن الثاني لم ينسَ للقذافي ذلك الموقف العدائي. وكان أولى بالعقيد القذافي التأني، مثل بقية قادة العالم، حتى تنقشع الغيوم، وتتضح الأمور، قبل التسرع باتخاذه قراره. وللعلم، لم يصدر عن أي دولة أخرى بيان بتأييد الانقلابيين.
خلال الأيام القليلة الماضية، التي شهدت قيام الرئيس التونسي قيس بن سعيّد، بإقالة رئيس الحكومة وتجميد عمل البرلمان، حدث في ليبيا شيء مشابه لما قام به القذافي عام 1971. فبعد وقت قليل من إعلان الرئيس التونسي عن القرارات التي اتخذها، وتحرك الشارع التونسي بمظاهرات التأييد، وتعقد الموقف سياسياً بين الرئيس وخصومه المعارضين لما اتخذه من قرارات، واعتبارهم عمله هذا انقلاباً ضد الدستور، وما نجم عن ذلك من جدل بين الطرفين، استدعى تدخل رجال القانون، والمثقفين والإعلاميين، ومنظمات العمل المدني.. في تلك الأثناء، والغيوم لم تنقشع بعد، ولم تتضح الرؤية، برز علينا فجأة السيد خالد المشري، باعتباره رئيساً للمجلس الأعلى للدولة في ليبيا، عبر مواقع التواصل الاجتماعي على الإنترنت، بتغريدة يدين فيها ما حدث بتونس، ويعتبره عملاً انقلابياً. وبمجرد قراءتي له، تذكرت ما فعله القذافي عام 1971.
ولمن لا يعرف من القرّاء العرب، فإن المشري، عضو قيادي في جماعة الإخوان المسلمين في ليبيا، وعضو مؤسس لحزب العدالة والبناء الإخواني، الذي تأسس بعد انتفاضة فبراير (شباط) 2011، ثم أعلن استقالته منه فيما بعد. وبالطبع، يظل من حقه أن يعلن تأييده أو رفضه لما حدث في تونس، كما فعل أشخاص مستقلون آخرون، في مختلف بقاع الأرض، لو لم يكن يحظى بصفة اعتبارية رسمية، بكونه رئيساً للمجلس الأعلى للدولة. ولو تريث قليلاً، وفكّر أكثر من مرة، قبل مسارعته بالتنديد بما حدث في بلد شقيق مجاور، لكان أنصف نفسه، وفي الوقت نفسه، كفى الدولة الليبية عناء رتق الشرَك الذي أحدثه بتعجله، في علاقتها بالدولة التونسية. فما قام به من عمل يعد مخالفة صريحة لنظم البروتوكول السياسي المتعارف عليه. ذلك أن التأييد لما حدث في تونس أو إدانته، من صلب مهام المجلس الرئاسي ورئيس الحكومة ووزير الخارجية، ولا يقع ضمن دائرة اختصاص مهام رئيس مجلس استشاري، أو رئيس مجلس نواب. لدى سؤاله في مؤتمر صحافي عن رأيه فيما حدث في تونس، رد رئيس الحكومة السيد عبد الحميد الدبيبة، بجواب مدعاة للإعجاب والاحترام، يدل على حرص واتزان ودبلوماسية ومسؤولية. ولم يشر، من بعيد ولا من قريب، لما من شأنه أن يعود عليه شخصياً بالندم، أو على ليبيا بالخسران. فما حدث في تونس شأن داخلي أولاً وأخيراً. والتونسيون، على اختلافهم، قادرون على تسوية أمورهم سلمياً، كما عودونا وعرفناهم. لكن السيد المشري، في حمّى غضبه، لما حدث لرفاقه من الإخوانيين من حزب النهضة، نسي، في لحظة، لقبه الرسمي، وتجاهل صفته الاعتبارية الرسمية واختصاصاته، وما تفرضه عليه من التزامات، وما ترسّمه من حدود، وخاض مسرعاً في أوحال كان من الأجدى له شخصياً تجنّبها، وتجنيب ليبيا تبعاتها مستقبلاً. ولكان أحسن التصرف لو تذكر أن في العجلة الندامة، وفي التأني السلامة، حتى تتضح له الرؤية، ويتبين الخيط الأبيض من الأسود. وربما من المفيد تذكيره، أن الشرخ الذي أحدثه القذافي، عام 1971 نتيجة لتسرعه، في علاقة ليبيا بالمغرب، كان مكلفاً جداً. وأنه من الحكمة التعلم من أخطاء الآخرين، وتجنب تكرارها، خاصة حين يتعلق الأمر بعلاقة تاريخية ومهمة، كالتي تجمع بين ليبيا وتونس.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو