كلارا فيريرا ماركيز
TT

آلام كوبا ليست في مصلحة واشنطن

فرض الواقع على أبناء كوبا موهبة اجتياز الصعاب، لكن لقدراتهم حدود لا يمكنهم تجاوزها. وخلال عطلة نهاية الأسبوع الماضي، خرج المواطنون الذين فاض بهم الكيل إلى الشوارع في أضخم مظاهرة تشهدها الجزيرة، اعتراضاً على نقص الغذاء والدواء والوقود. وأثبتت الأيام أن ألم الجائحة التي تسببت في وقف نشاط السياحة، بجانب تأثير ارتفاع أسعار الغذاء العالمية وضعف الاقتصاد الذي تهيمن عليه الدولة والحظر الأميركي الخانق وحالة التأزم السياسي التي تعيشها البلاد، شكلت جميعها ضغوطاً هائلة على كاهل المواطنين. وفي الوقت ذاته، عملت شبكات التواصل الاجتماعي على إسراع وتيرة اشتعال مظاهرات الغضب.
والواضح أن الرئيس ميغيل دياز كانيل لا يملك حلولاً سريعة للتخفيف من حدة مشاعر الغضب المشتعلة أو الفرار من أعمق حالة ركود تعانيها البلاد منذ بداية «الفترة الخاصة» التي أعقبت انهيار الاتحاد السوفياتي. وتعوّل الحكومة من جانبها على نجاح اللقاح المحلي الصنع ضد فيروس «كوفيد - 19» في استعادة جزء من الحياة الطبيعية.
ومع ذلك، شهدت معدلات الإصابة في كوبا ارتفاعاً شديداً، بينما تسببت الإصلاحات المرتبطة بالعملة التي جرى تنفيذها وكانت البلاد بحاجة ماسة إليها، في دفع أسعار الغذاء نحو مزيد من الارتفاع، في وقت تتراجع فيه الاحتياطيات وكذلك مشاعر الصبر في صدور المواطنين.
ويتزامن ذلك مع تراجع المساعدات التي كانت تأتي من فنزويلا، بينما تفتقر الحكومة إلى قدر كافٍ من الكاريزما الثورية يمكنها الاستناد إليه، خاصة مع انتهاء حكم آل كاسترو في أبريل (نيسان). علاوة على أن غالبية أبناء كوبا صغار في السن للغاية ويحظون بقدر كبير من المعرفة.
وعليه، تبدو النتيجة المحتملة أن هافانا ستظل تتعثر في هذه الأزمة لبعض الوقت، وستعتمد في خضم ذلك على خبرة مسؤوليها الطويلة في التعامل مع الأزمات، في ظل غياب المؤسسات الدولية، وانتظار الانفراجة التي سيتبع في نهاية الأمر بلوغ الأزمة الراهنة ذروتها.
ومع ذلك، تبقى ثمة مخاطرة كبيرة هنا لكوبا ودول الجوار، ذلك أن هافانا بحاجة إلى السرعة في المضي قدماً في إجراءات التحرير الاقتصادي وبناء قطاع خاص كامل إذا ما كانت لديها رغبة حقيقية في إحياء اقتصادها الذي انكمش بنسبة 11 في المائة العام الماضي ـ وهي ذات النسبة تقريباً التي انكمش بها خلال عام 1991.
الواضح أن هناك عوامل داخلية تؤثر بشكل كبير على الأزمة، وسيتطلب الأمر مجهوداً كبيراً لإقناع الكوبيين أن جهود الإصلاح الحالية حقيقية. ومثلما قال رئيس الوزراء مانويل ماريرو كروز في حديث له مع عدد من المسؤولين، فإن المواطنين لن يأكلوا خططاً.
إلا أن واشنطن باستطاعتها الاضطلاع بدور هي الأخرى. من جانبهم، يدعو أصحاب المواقف المتشددة إلى إبقاء الضغوط على كوبا باعتبار أن هذا هو السبيل لإرساء الديمقراطية بالبلاد. الحقيقة أنه في منطقة غالباً ما تشكل الفوضى الوضع القائم بها، فإن العكس تماماً هو الصحيح.
أيضاً زادت جائحة «كوفيد - 19» المشكلات التي تعانيها كوبا، وتسببت في أسوأ انكماش اقتصادي منذ تسعينات القرن الماضي. وحتى الآن، أصاب الرئيس الأميركي جو بايدن آمال الكوبيين في التصالح بخيبة الأمل. أما القيود السياسية التي تعترض الطريق، فتبدو واضحة؛ فالناخبون أصحاب الجذور اللاتينية في فلوريدا، يضمون أعداداً كبيرة من المنفيين من كوبا وفنزويلا ونيكاراغوا، وقد سبق لهم تأييد المرشح الجمهوري دونالد ترمب في الانتخابات الرئاسية عام 2020. ويُبدون رضاهم عن الموقف الصارم الراهن إزاء كوبا. في الوقت ذاته، تقترب انتخابات التجديد النصفي سريعاً، ويبدو الديمقراطيون حريصين على تقليل الخسائر قدر الإمكان.
ورغم ذلك، ستظل أمام بايدن مساحة للتخلص من بعض الإجراءات غير المبررة التي اتخذها سلفه الرئيس دونالد ترمب، وربما يبدأ بتخفيف القيود المفروضة على الحوالات، التي تقصر الحوالات على 1000 دولار، وعلى المؤسسات المستخدمة في إرسال أموال نقدية، بجانب السماح بسفر الأقارب والسياح الذين يحملون معهم دولارات وسلعاً أميركية، الأمر الذي يسهم في تخفيف معاناة الكوبيين، ويعزز جاذبية الحلم الأميركي في أوساط الأسر الكوبية العادية على نحو مباشر، تماماً مثلما فعل الزائرون إلى الغرب مع مواطنين سوفيات منذ عقود.
كما أنه بمقدور اارئيس بايدن المعاونة في جهود كوبا لمكافحة فيروس «كوفيد - 19» عبر دعم قدرتهم على الوصول إلى معدات مثل المحاقن، التي تسبب نقصها في إعاقة جهود توزيع اللقاحات التي أنتجتها البلاد. يذكر أن كوبا نجحت في توزيع اللقاح على نسبة جيدة، لكنها غير كافية لمواطنيها، فقد بلغت 27 في المائة من إجمالي السكان، وذلك بإمدادهم بالجرعة الأولى من اللقاح على الأقل. وبمرور الوقت ربما يؤدي ذلك إلى خطوات ضرورية، لكنها أصعب مثل رفع البلاد من القائمة الأميركية للدول الراعية للإرهاب.
المؤكد أن الكوبيين سيشعرون بنتائج هذه الإجراءات. وتجدر الإشارة في هذا الصدد إلى أن نحو مليون سائح فقط زاروا كوبا خلال عام 2020، أي ما يعادل نحو ربع إجمالي زائري البلاد العام السابق، وجزء ضئيل من مجمل الملايين الخمسة التي كانت متوقعة. وشهد ديسمبر (كانون الأول) تراجعاً في أعداد زائري البلاد بنسبة تجاوزت 80 في المائة، الأمر الذي أضر كثيراً بأصحاب الأعمال الصغيرة.
وفي تلك الأثناء، أضرت حالة التضخم في أسواق الغذاء بالاقتصاديات المعتمدة على الواردات من المواد الغذائية الأساسية، في وقت عجز القطاع الزراعي الكوبي الذي أثقلت كاهله البيروقراطية وتدني اللوجستيات وعدم توافر مدخلات كافية لإثراء التربة ورداءة القرارات، عن سد العجز.
ولحسن الحظ، نجحت كوبا في إدارة الجائحة على نحو أفضل، ذلك أنها تحركت سريعاً، مع توافر معدل مبهر من الأطباء، لكل 1000 نسمة 9 أطباء، الأمر الذي مكنها من إبطاء وتيرة معدلات الوفيات جراء الجائحة إلى 0.6 في المائة، مقارنة بمعدل عالمي بلغ 2.2 في المائة.
جدير بالذكر أن ولاية فلوريدا الأميركية، التي يبلغ عدد سكانها ضعف سكان كوبا، يزيد فيها عدد الإصابات بمقدار نحو 9 أضعاف، بينما تزيد معدلات الوفيات بنحو 24 ضعفاً عن كوبا. ومع ذلك، تناضل كوبا اليوم في مواجهة موجة تفشي جديدة للوباء، تشهد ظهور سلالات جديدة، ما خلق أزمة أسوأ عن أي شيء واجهته البلاد حتى اليوم.
والواضح أن المسؤولية الأساسية عن الاضطرابات التي تعصف بكوبا تقع على عاتق الإخفاق الحكومي على امتداد فترة طويلة في تلبية الاحتياجات الأساسية لمواطنيها. واتخذت الحكومة الكوبية الحالية خطوات مهمة، منها إجراء ضروري، لكنه مؤلم، يتمثل في التوحيد النقدي، الذي قضى على منظومة عملة مزدوجة. ويتعين على الحكومة السعي نحو تقليص مشاركة الدولة في الاقتصاد وعلاج نتائج سنوات من التخصيص الرديء لرؤوس الأموال وتعزيز جهود بناء قطاع خاص بالمعنى الحقيقي.
وتكمن المشكلة في أن الإجراءات الأميركية الحالية تخنق الاقتصاد الكوبي، الأمر الذي يمكن أن يتدخل الرئيس بايدن لتخفيفه. وينبغي الانتباه هنا إلى أن سيناريو أن تتسبب المصاعب الاقتصادية في خروج الكوبيين، يناشدون الإقرار الفوري للديمقراطية، يبدو غير محتمل. وقد عجزت السياسات الأميركية عن إنجاز هذا السيناريو لعقود، ولن يكون من الحكمة التقليل من قدرة الحكومة الكوبية على التشبث بالسلطة، حتى في ظل الظروف العصيبة الحالية.
لذا، فإنه من الأفضل بكثير لواشنطن المراهنة على تحول تدريجي ومستمر نحو الانفتاح السياسي والاقتصادي وبناء صلات مباشرة مع الكوبيين.

- بالاتفاق مع «بلومبرغ»