مفكرة القرية: راح مع البحر

مفكرة القرية: راح مع البحر

الأربعاء - 12 ذو الحجة 1442 هـ - 21 يوليو 2021 مـ رقم العدد [15576]
سمير عطا الله
كاتب وصحافيّ لبناني، عمل في كل من صحيفة النهار ومجلتي الاسبوع العربي والصياد اللبنانية وصحيفة الأنباء الكويتية.

بعد كل تلك السنين من ملازمة عالمه الضيق والصغير والممتلئ عزلة، تقرر أن يخرج يوسف صابر من دنياه. قرر أهل القرية بالإجماع القيام برحلة سياحية، وشعر يوسف صابر بحرج في الاعتذار. وكانت تكلفة الرحلة ليرتين، إيجار البوسطة، والباقي كل واحد ومشترياته من مكسرات ومشروبات وخلافها.
لم تكن الرحلة بعيدة. المكان مساحة خالية من الأشجار، بعد صيدا بقليل، وقبل بيروت بقليل. وكان معظم المشاركين يعرفون أن حلاق الساحة يخرج من القرية للمرة الأولى في ستين عاماً، «فتطوع» شاب بالجلوس قربه ليشرح له مشاهدات الطريق. لكن لم يكن ليخطر للشاب إطلاقاً أن العم يوسف لم يرَ البحر من قبل. طبعاً سمع به كثيراً، خصوصاً من المهاجرين الذين كانوا يعودون ومعهم الحكايات المثيرة عن الخارج. ليس فقط خارج القرية، بل خارج لبنان، في العالم الوسيع، في البرازيل وأميركا والمكسيك. أما البحر نفسه، في حد ذاته كبحر، فإن يوسف لم يره. إنه على بعد 40 كيلومتراً، وهذه مسافة لم يقطعها.
لذلك، دب الخوف في الشاب - الدليل عندما لكمه يوسف في خاصرته ملهوفاً: هل هذا هو البحر؟ شعر الشاب بالحزن، وقال لمواطنه: نعم، إنه البحر. وبقيت عينا يوسف على زجاج النافذة وكأن فرحاً عارماً يطل منها. لقد رأى في البحر سفينة يتصاعد منها دخان كثيف أسود. فعاد يسأل في قلق: ولماذا يتصاعد من الباخرة دخان. واكتفى الدليل بشرح مقتضب. وأهمل الحديث عن الثورة الصناعية واكتشاف البحار. وسُئل يوسف إن كان مشهد البحر يسره. وتلعثم في الإجابة لشدة ما كانت مسرته عظيمة.
وعندما وصلت المجموعة إلى التلة، موقع الرحلة، ابتعد يوسف صابر عن الجميع، واتخذ لنفسه مكاناً مشرفاً على مدى البحر، وجلس متربعاً، يحاول، عبثاً، أن يحيط بنظره، البحر كله. وتحرك أهل الرحلة من حلقة إلى حلقة، يتنادمون، ويتضاحكون، ويتساخرون من بعضهم بعضاً. وما من معفى أو ناج من «تركيب المقلاة» في القرى. فهي صغيرة لدرجة أن كل فرد يعرف ما لدى الآخر. لكن يوسف صابر كان أحجية مكشوفة. فلا يذكر أحد أنه دخل منزله. وعدا الجنازات وبعض الأعراس، لم يدخل بيت أحد. ولم تكن دراما كبيرة. فحياة الناس كانت متشابهة تلك الأيام. ما من دَخلٍ مادي إلا للذين يهاجرون، إلى المدينة، أو إلى مدن الآخرين. أما هنا، فشيء من هنا، أو شيء من هناك. شجرة صنوبر، أو شجرة زيتون، أو بضع عرائش من العنب. والدخل الأكبر هو الصبر والقناعة. وقد سماها الفقراء كنزاً لا يفنى.
في طريق العودة، جلس كل في مكانه. سأل الشاب يوسف صابر إن كان قد تمتع بالرحلة. قال يوسف صابر إنه كان ينتظر هذا اليوم من زمان. فقد هاجر والده وهو في الشهر الأول من عمره، ولم يكتب ولم يعد. وكلما سأل أمه أين أبي؟ تقول له، راح مع البحر. وها هو يرى البحر الذي راح معه والده، من دون أن يراه.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو