القاهرة والخرطوم على موعد مع موسكو وبروكسل!

القاهرة والخرطوم على موعد مع موسكو وبروكسل!

الخميس - 5 ذو الحجة 1442 هـ - 15 يوليو 2021 مـ رقم العدد [15570]
سليمان جودة
صحافي وكاتب مصري

في مرحلة ما بعد جلسة مجلس الأمن حول سد النهضة، توجه سامح شكري وزير الخارجية المصري إلى بروكسل حيث مقر الاتحاد الأوروبي، وتوجهت مريم المهدي وزيرة الخارجية السودانية إلى موسكو، حيث سيكون عليها أن تحمل معها موضوع السد ضمن ما تحمل إلى الكرملين.
وفي الحالتين سوف يكون على شكري والمهدي أن يستكشفا العاصمتين من جديد، على المستوى الأوروبي كله مرة، وعلى المستوى الروسي مرة ثانية.
ومن مكانك كمتابع لما يجري في الملف من أوله إلى آخره، تستطيع أن تخمن ماذا سوف يقال من جانب الوزير المصري للاتحاد، أو بمعنى أدق ماذا قيل من جانبه لأن الرجل في الحقيقة أنهى زيارته، وتستطيع أن تخمن بماذا يمكن أن ترد القيادة في العاصمة الروسية على الوزيرة السودانية، إذا ما راحت المهدي تسألهم هناك عن الأسباب التي دعت مندوبهم في المجلس إلى أن يتخذ موقفاً أبعد ما يكون عن الموضوعية، وأبعد ما يكون عن تحري الإنصاف بين أطراف السد الثلاثة!
يستطيع المراقب للأحداث التي لا ينفصل بعضها عن البعض، أن يخمن أن القاهرة سوف تخاطب بروكسل، وهي تمسك في يدها ملف السد، بينما تمسك في يدها الأخرى ملف الهجرة غير الشرعية، التي لا تزال كابوساً تراه أوروبا في يقظتها بمثل ما تراه في المنام!
وليس سراً أن الرئيس السيسي أعلن أكثر من مرة في مناسبات مختلفة، أن مصر ضبطت شواطئها على البحر المتوسط كما يجب، وأن أوروبا قد جنت ثماراً من وراء هذه العملية، وأن من بين ثمارها أنه لم يحدث من 2016 أن وصل إلى القارة الأوروبية مهاجر واحد غير شرعي عبر الشواطئ المصرية.
حدث هذا تماماً بحيث صار حقيقة ساطعة، وهي حقيقة لم تنكرها بروكسل ولكن اعترفت بها على لسان مسؤول أوروبي، كان في العاصمة المصرية قبل أسابيع فرصدها في حديث منشور له، ثم أضاف أن على قارته من موقعها على الشاطئ الآخر من البحر الأبيض، أن تبذل الدعم للقاهرة نظير هذا الموقف المصري القوي في قضية من نوع الهجرة غير الشرعية كانت ولا تزال تؤرق الأوروبيين.
وكان الأمل أن تصادف هذه الدعوة إلى الدعم من جانب المسؤول الأوروبي، ترجمة عملية من جانب الاتحاد بالتوازي مع انعقاد جلسة مجلس الأمن.
كان هذا هو الأمل، لولا أن ما قيل عن أن ليس كل ما يتمناه المرء يدركه، إنما يجري على الدول مجراه على الأفراد في تصاريف الحياة اليومية، فقرأنا عن بيان صادر عن الاتحاد قبل انعقاد الجلسة في نيويورك، يقول فيه ما معناه إن الملء الثاني الذي استبقت به إثيوبيا انعقاد الجلسة الصاخبة في الأمم المتحدة، من شأنه أن يزيد التوتر في منطقة الشرق الأفريقي.
هذا كلام جميل بالطبع من حيث الشكل، وربما كذلك من حيث المضمون، ولكن المشكلة فيه أن قضية السد شبعت كلاماً منذ كان لها وجود بيننا، ولم تعد في حاجة إلى مزيد منه، ولكنها بالقطع في أشد الحاجة إلى فعل ممن يتكلمون عنها وفيها، وممن يجدون أنفسهم أطرافاً مباشرة في مسيرتها كإثيوبيا بالذات، أو يجدون أنفسهم أطرافاً غير مباشرة كالاتحاد في العاصمة البلجيكية.
أما لماذا هو طرف غير مباشر، فلأن الهجرة غير الشرعية التي يخشاها في الليل والنهار، يمكن أن تدق أبوابه بعنف وقوة إذا ما لم تصل مسألة السد إلى حلها العادل، وأظن أن هذا أو أن شيئا منه على الأقل كان يحمله وزير الخارجية المصري في حقيبته إلى بروكسل، لعل عواصم الدول الأعضاء في الاتحاد تنتبه إلى أن القضية متشابكة وممتدة ومركبة إلى هذا الحد!
كان في مقدور القاهرة من 2016 إلى اليوم، أن ترسل إلى بروكسل ما معناه أن هؤلاء المهاجرين غير الشرعيين الذين تمنعهم هي من عبور المتوسط إلى أوروبا، إنما يكلفونها الكثير من خزانتها العامة، وأنها في حاجة إلى عون في هذا الموضوع، وأن على الاتحاد أن ينظر ماذا يرى؟!
كان في إمكانها أن تفعل هذا وأن تمارسه، وأن تنجح في مسعاها في هذا الطريق، لأن غيرها سعت فيه هو نفسه ونجحت، ولكن القاهرة لم تفعل ولم تفكر في هذه الطريقة.
إن بديل هذا الطريق هو المصالح المتبادلة، وهو المواقف الناضجة في أوقات الأزمات، وهو المواقف المسؤولة في مواجهة المشكلات الكبرى من نوعية سد النهضة، وهو التقدير السياسي الجيد لعواقب التعامل الشفوي لا العملي مع مشكلات بهذا الحجم، مشكلات يمكن في حقيقة الأمر أن تظل تتدحرج وتتضخم في تدحرجها حتى تدق أبواب أوروبا ذاتها!
هذا ما أتوقع أن يكون الوزير شكري قد وضعه بوضوح أمام صانع القرار في القارة العجوز، وهذا ما أتمنى أن تكون القارة الأوروبية قادرة على رؤيته من دون حاجة إلى أن يوضع أمامها من جانب إحدى دول جنوب البحر، وإلا، فما الذي سيراه الأوروبيون في علاقتهم مع دول جنوب البحر، إذا لم تكن زاوية كهذه في السد واضحة أمامهم منذ البداية؟!
وحين تفتح الوزيرة المهدي الموضوع مع الروس، فمن المتوقع أن يفتحوا هُم في المقابل موضوع القاعدة البحرية التي كانوا قد حصلوا عليها في أيام البشير في بورتسودان على البحر الأحمر، ثم بدا للجيش السوداني في مرحلة ما بعد البشير أن يراجع الأمر وأن يخضعه لدراسة متأنية. هذا متوقع حتى ولو كان المؤتمر الصحافي المشترك للوزيرة مع وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف قد خلا من أي إشارة في هذا الشأن، فليس كل ما يجري في الغرفات تعلنه أطرافه أمام الميكروفونات!
أما لماذا هذا وارد ومتوقع فلأن الروس ربما يفكرون بهذه الطريقة المصلحية المباشرة، ولأنهم لن يبذلوا موقفاً متوازناً في قضية كقضية السد بالمجان، ولأن وجودهم في هذا الموقع البحري على شاطئ البحر الأحمر مهم للغاية ضمن معركة النفوذ في القارة السمراء!
ومن بين علامات الأهمية في وجودهم في هذا الموقع، أنهم أظهروا استعداداً فورياً لتقديم التنازلات التي تراها المؤسسة العسكرية السودانية، في مقابل أن يبقى الامتياز الروسي في القاعدة على البحر كما هو، وفي الحدود التي يرضى بها ويقرها السودان.
إنها لعبة أقرب إلى المقايضة التي عرفها هذا العالم في مرحلة ما قبل اختراع النقود، عندما كان على طرف فيه أن يعطي القمح في مقابل أن يمنحه الطرف الآخر الشعير، وهكذا الحال في باقي السلع التي لم تعرف وسيلة أخرى وقتها في التبادلات بين مختلف الأطراف.
ولا نزال نذكر أن الخرطوم عندما سعت إلى رفع اسمها من قائمة الإرهاب، وجدت نفسها مدعوة أميركياً إلى تقديم شيء في المقابل هو إطلاق علاقات دبلوماسية مع تل أبيب، وقد جرى هذا كله في وضح النهار ولم يكن من بين الأسرار، وهو في مجمله أمر مفهوم في علاقات الدول في هذا العصر وفي كل عصر.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة