سعد المهدي
TT

بين كرة غاليانو وما صارت عليه

كثيرون يؤمنون بمفهوم كرة القدم بمنطق إدواردو غاليانو (حين يتحول الرجل لبرهة إلى طفل يلعب بالكرة مثلما يلعب الطفل بالبالون، ومثلما تلعب القطة بكُرة صوف: يرقص بكرة خفيفة مثل البالون الذي يظهر في الهواء أو مثل كرة الصوف التي تتدحرج لاعبا، دون أن يدري أنه يلعب، ودون أن يكون هناك سبب أو توقيت أو حكم) حرية اللعب دون قيود، والاستمتاع بممارسة الأداء غير المشروط أو المقيد هكذا.
قبل 5 عقود كان ذلك هو السائد حتى مع الالتزام بقوانين اللعبة وأنظمة ولوائح المسابقات، وكانت تُروى قصص وحكايات لهوس وتضحيات الكثير من عشاق كرة القدم من أجلها في كل العالم، وظلت أسماء مواهب البواكير الأولى للعبة عالقة في الأذهان حتى يومنا هذا، وما من بلد إلا ترن في أسماع أهله بعض الأسماء من الذين انساقوا خلف كرة القدم ومارسوها بدافع المتعة واللعب من أجل اللعب، أو من على شاكلة غاليانو الذي لم يفلح في أن يكون لاعب كرة قدم فقرر أن يكون كما وصف ذلك (مجرد متسول أطلب كرة قدم جيدة، أمضي عبر العالم حاملا قبعتي، وأتوسل في الاستادات «لعبة جميلة.. يا رب»، وعندما أرى كرة قدم جيدة أشكر هذه المعجزة دون أن يهمني ما النادي أو البلد الذي قدم ذلك اللعب الجيد).
تغيرت الدنيا، وأصبحت كرة القدم كما يقولون علما وصناعة، وهو مفهوم يضرب البوهيمي الكروي (إن جاز الوصف) في مقتل، ويتيح لأهل الصناعة والمال مجالا رحبا لتحويلها إلى سلعة، أوجدت ما يسمى اقتصاديات الرياضة التي تتحكم في الرياضي، بحيث تعيد تخليقه بالشكل الذي يناسب خطط وأفكار الاستثمار، على حساب الممارسة الفطرية، عجينة الموهبة التي كان يخبز منها الابتكار والإبداع الذي يأكل منه المجانين والمهووسون بالكرة المستديرة.
يقول غاليانو عن ذلك في كتابه «كرة القدم بين الشمس والظل»، الذي أعادنا له معرض الرياض الدولي للكتاب والذي فتح أبوابه نهاية الأسبوع الماضي: «في السابق، كان المدرب ولم يكن أحد يوليه كبير اهتمام، ومات المدرب وهو مطبق الفم عندما لم يعد اللعب لعبا وصارت كرة القدم بحاجة إلى تكنوقراطية النظام. عندئذ ولد المدير الفني ومهمته منع الارتجال ومراقبة الحرية ورفع مردودية اللاعبين إلى حدودها القصوى، بإجبارهم على التحول إلى رياضيين منضبطين. كان المدرب يقول: (سنلعب)، أما المدير الفني فيقول: (سنشتغل)، واللعب الذي كان يشتهيه الجائعون لكرة قدم بطعم الأساطير، وما صارت عليه في العالم، بتنا نحن دول العالم الثالث كرويا؛ لا نحن هنا ولا هناك، فلا لعبنا، كما يقول المدرب الذي مات، ولا اشتغلنا كما يريد المدير الفني».