سجناء «أبي غريب» أطاحوا رامسفيلد من زنازينهم

سجناء «أبي غريب» أطاحوا رامسفيلد من زنازينهم

الثلاثاء - 27 ذو القعدة 1442 هـ - 06 يوليو 2021 مـ رقم العدد [15561]
داود الفرحان
كاتب عراقي

كان وزير الدفاع الأميركي الأسبق دونالد رامسفيلد معجباً جداً بشخصية رئيس الوزراء البريطاني الأسبق في الحرب العالمية الثانية ونستون تشرشل، وهو يحفظ له حكمة تقول: «استفدتُ كثيراً من الانتقادات، ولم أفوت فرصة أي منها في أي وقت». لكن الفرق بين الاثنين أن تشرشل كان متواضعاً وواقعياً وسياسياً داهية، بينما رامسفيلد متغطرس وخيالي التفكير ولا علاقة له بالسياسة.

توفي رامسفيلد قبل أيام، وهو شغل منصب وزير الدفاع الأميركي من 1975 إلى 1977 في عهد الرئيس جيرالد فورد، ثم عاد وزيراً للدفاع مرة ثانية في الفترة من 2001 إلى 2006 في عهد الرئيس جورج بوش الابن. توفي الرجل الثري وفي رقبته خطيئة مقتل آلاف العراقيين الأبرياء في الحرب العدوانية التي شنها على العراق في أبريل (نيسان) 2003؛ ليس هذا فقط، فرامسفيلد الذي يوصف بأنه مهندس حربي أفغانستان والعراق، كان المسؤول الأول عن الانتهاكات اللاإنسانية التي لم يسبق لها مثيل في سجن «أبي غريب»، ولا حتى في سجن الباستيل الفرنسي والكاتراز الأميركي وبانغ كوانغ التايلندي ولاسابانيتا الفنزويلي وجيتاراما الرواندي ولاسانت الفرنسي والمزّة في سوريا والحوت في العراق. لقد تم هدم كثير من هذه السجون أو تحويلها إلى فنادق سياحية. وانفردت الولايات المتحدة بتأجير قاعدة غوانتانامو في كوبا مقابل 2000 دولار سنوياً، كما أقامت فيه سجناً (دولياً) لمعتقلين أجانب في عام 2002 خلال حكم بوش الابن، أغلبهم من حركتي «طالبان» و«القاعدة».

في العام الأول للاحتلال الأميركي كان سجن أبي غريب، في ضواحي بغداد الغربية عنواناً ثابتاً في الصفحات الأولى للصحف العربية والأجنبية، من هول ما حدث فيه من قتل وتعذيب لا يصلح للنشر على أيدي المجندين والمجندات من القوات الأميركية التي يقودها وزير الدفاع دونالد رامسفيلد. واضطر الوزير بسبب إدانة منظمة العفو الدولية لما يحدث في ذلك السجن الشنيع إلى تقديم استقالته إلى الرئيس بوش الذي رفضها في المرة الأولى، لكنه عاد وقبلها في المرة الثانية بعد استمرار الإدانات الدولية من قبل المنظمات الإنسانية داخل الولايات المتحدة نفسها وفي الخارج.

ومثل بول بريمر وكولن باول وريان كروكر الذين اعترفوا متأخرين بخطاياهم في العراق، اعترف مهندس الحرب نفسه دونالد رامسفيلد بخطأ «بعض قراراته» المتعلقة بالعراق، ووجه انتقادات في الوقت نفسه إلى كونداليزا رايس رئيسة مجلس الأمن القومي التي وصفها بـ«عديمة الخبرة»، وكولن باول وزير الخارجية «لافتقاره إلى القرارات الإدارية السليمة»، إلا أنه نفى فكرة أن يكون مهندس الحرب على العراق، ورماها على مساعده بول وولفويتز، وقال إنه عرضها في منتجع كامب ديفيد الرئاسي بعد تدمير برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك بوقت قصير.

كان رامسفيلد واحداً من أهم صقور الإدارة الأميركية ويرفع شعار «القوة لتحقيق الغايات». وهو لا ينفي أنه كان وراء مجازر سجن أبي غريب، حيث وصلت إلى ضباط السجن الأميركيين مذكرة موقعة من رامسفيلد حول استخدام وسائل الاستجواب القاسية ضد المعتقلين العراقيين، ومن بينها الوقوف لفترات طويلة ومنعهم من النوم واستخدام جميع أساليب التعذيب والكلاب والضرب والصعق بالكهرباء، وحتى القتل المتعمد خلال الاستجواب. ولم تتردد صحيفة «نيويورك تايمز» بنشر عدد كبير من صور التعذيب البشعة داخل سجن أبي غريب، ولم يجرؤ رامسفيلد على نفي صحة الصور. تذكرت ذلك وأنا أشاهد دونالد رامسفيلد وزير الدفاع الأميركي وهو يضع الأوسمة في مدينة الموصل شمال العراق على صدور عدد من الضباط والجنود الأميركيين الذين «أبلوا بلاءً مشهوداً» في قتل العراقيين وتدمير منازلهم وممتلكاتهم واحتلال بلدهم.

لقد نشر رامسفيلد وزير الدفاع روايته الخاصة للأحداث في كتاب بعنوان «المعلوم والمجهول» «Known and Unknown» وهي مذكرات شبه عسكرية تبدأ بنشأته في شيكاغو وبدايته في بيع الصحف ماشياً على قدميه، إلى أن وصل إلى وظائف عليا في فترات حكم أربعة رؤساء مختلفين من نيكسون وفورد وريغان إلى بوش الابن.

ما يهمنا في الكتاب قوله: «إن الكثير من المسؤولين الأميركيين روّعتهم حرب العراق، وهم يقولون إن رامسفيلد مذنب لأنه أشرف على «حرب الخيار الوحيد» التي أدت إلى مئات الآلاف من القتلى. لكن رامسفيلد يبدو دائماً غير نادم بعكس روبرت مكانمارا وزير الدفاع خلال حرب فيتنام الذي كان صريحاً للغاية في إبداء الأسف والندم على تلك الحرب الشرسة.

إلا أن الوزير الراحل يقول: «إن تبرير الحرب على العراق بمزاعم عن امتلاكه أسلحة دمار شامل مزعومة، ثبت أنها غير موجودة على الإطلاق، هو تبرير خاطئ»، ثم يتساءل: «هل كانت حرب العراق تستحق فعلياً كل هذا الألم والمعاناة»؟

وفي إطار النقد الذاتي قال رامسفيلد إن أخطاء أميركا أسهمت في خراب الشرق الأوسط، وإن فكرة إنشاء ديمقراطية في العراق غير واقعية، وإن بوش مخطئ بشأن حرب العراق. وانضم بذلك إلى كولن باول وريان كروكر.

ويبدو أن رامسفيلد أراد تقليد بعض رجال الدين الشيعة الذين كانوا يحيطون به خلال زياراته الدورية إلى العراق مرددين شعارات طائفية مغلفة بالدين، عمد إلى استخدام مقاطع من الإنجيل والتوراة في وثائق مخابراتية في البيت الأبيض لإرضاء الرئيس جورج بوش الذي كان «متديناً». وقالت مجلة «ج كيو» الأميركية الإلكترونية إن رامسفيلد بعث إلى الرئيس بصورة دبابة أميركية في الصحراء العراقية التقطت في 31 مارس (آذار) 2003 بعد عشرة أيام من الاحتلال، ومع الصورة نصوص من كتابي «العهد القديم والجديد».

بغزو العراق أصبح رامسفيلد، كما ذكرت صحيفة «الاقتصادية» السعودية «وجه صراع وحشياً ومضللاً». فهو من قال تعليقاً على نهب مؤسسات الدولة العراقية، ومن ضمنها البنك المركزي وبنك الرافدين: «هذه الأمور تحدث» كما لو أن نشالاً سرق محفظة موظف من جيبه! لكن ذلك انعكس على رامسفيلد الذي حمل لقب «الرجل قاسي الفؤاد لعواقب الغزو»، الأمر الذي جعله كبش الفداء لكل أخطاء الحرب، ومن ضمنها عدم الاهتمام بإعادة بناء الدولة في العراق.

تبقى ضرورة الإشارة إلى أن رامسفيلد زار بغداد في ديسمبر (كانون الأول) 1983 والتقى الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، ما ساعد في تطبيع العلاقات الأميركية – العراقية التي لم تكن متوترة إطلاقاً خلال الحرب العراقية – الإيرانية. وحتى قبل هذه الحرب كانت العلاقات طبيعية، وأتذكر أنني قدمت طلباً للحصول على تأشيرة سفر إلى الولايات المتحدة في عام 1978 بعد حصولي على موافقة جامعة ميشيغان لنيل شهادة عليا في الإعلام، وحصلت على التأشيرة وأنا جالس في صالة الانتظار، ولم أحصل حتى اليوم على موافقة جهاز المخابرات العراقي على سفري!

ذهب ذلك الزمان، وجاء زمان سجن «أبي غريب» والاحتلالين الأميركي ثم الإيراني. قل للزمان: ارجع يا زمان.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو