الأخطاء تكنس النجاح

الأخطاء تكنس النجاح

الجمعة - 23 ذو القعدة 1442 هـ - 02 يوليو 2021 مـ رقم العدد [15557]
د. آمال موسى
شاعرة وكاتبة وأستاذة علم الاجتماع في الجامعة التونسية

لعلكم تتذكرون، والعهد ليس ببعيد، كيف أن تونس في هذا التوقيت من العام الماضي كانت تنشر تجربتها الناجحة في كيفية مكافحة فيروس «كورونا»، حيث كانت من بين البلدان القلائل جداً التي سجلت «صفر حالة»، وهو أمر عُدّ نجاحاً مهماً للحكومة التي اختارت، رغم الأزمة الاقتصادية، خيار الحجْر الصحي الشامل لأكثر من ثلاثة أسابيع.
ولكن بعد الموجة الأولى وعلى أثر تحمّل الدولة التونسية خوض غمار الحرب ضد الجائحة، فإن الأمر قد تم التفويت فيه لوعي المواطن مع إجراءات نصف أو شبه صارمة. ومنذ تاريخ عودة الإصابات كان موقف الحكومة المتكرر واضحاً وجلياً: لا للحجْر الصحي الشامل؛ لأن اقتصاد البلاد لا يتحمل والفئات الضعيفة لا تستطيع الحجْر والامتناع عن العمل.
وها هو «الصفر حالة» ينقلب إلى ما يقارب 4000 إصابة ومائة وفاة بسبب الموجة الرابعة الحالية التي يتزعمها بقوة وقسوة الفيروس الهندي. وتعد هذه الأرقام مرتفعة جداً مقارنة بعدد سكان تونس الذي لا يتجاوز 11 مليون نسمة، وأيضاً مقارنة بدول العالم؛ الأمر الذي جعل تونس تصنّف منطقة حمراء.
السؤال هو، لماذا تضخم وضع الوباء في تونس وانتقل التونسيون من مرحلة الانتصار على «كورونا» إلى الوضع الغامض المخيف وحديث الأطباء عن إمكانية موت 4000 تونسي خلال هذه الصائفة بسبب الموجة الرابعة؟
أول دروس الوضع الوبائي الرّاهن في تونس، أن الانتصار في الجولة الأولى من أي حرب أو معركة كانت، لا يعني الانتصار النهائي مطلقاً. كما أن النجاح الذي لا يحافظ عليه والذي لا يحظى بإجراءات وتحصينات معرّض للضياع بالضرورة.
لقد أخطأت الحكومة التونسية عندما لم تتفان بالشكل المطلوب في موضوع تقديم طلبات التطعيم للشعب التونسي. ففي الوقت الذي كانت فيه غالبية الدول تُحارب الوباء وفي الوقت نفسه تسعى لتسجيل حاجياتها من اللقاح كانت تونس مبتهجة بانتصارها على «كورونا» في موجتها الأولى وغارقة في أزمتها السياسية؛ فتأخرت في تقديم المراسلات الخاصة بالتطعيمات. زد على ذلك، أن أغلب عمليات سبر الآراء التي أُجريت آنذاك أظهرت أن غالبية التونسيين غير متحمسين للتطعيم.
ولمّا كشرت الموجة الثالثة عن بعض أنيابها، والرابعة عن كل أنيابها وسرت العدوى سريان النّار في الهشيم وبلغ عدد الإصابات رقماً غير مسبوق بالمرة، ناهيك عن ارتفاع عدد الموتى، وتمكن الفيروس من الأطفال والشباب بعد أن كان في الموجات الثلاث الأولى تقريباً حكراً على كبار السن، وبدافع الخوف أصبح التونسيون ينادون بالتطعيم ويطالبون به، خصوصاً أن نسبة التطعيم في تونس هي أقل من عشرة في المائة.
ويبدو الآن الموقف في غاية الصعوبة، حيث إن السوق الدولية للقاح ليست متاحة وحتى في صورة توفر المال، فإن الحصول عليه وبالعدد الذي يضمن المناعة الأدنى للشعب التونسي ليس بالأمر اليسير.
لقد انشغل التونسيون بالعراك السياسي والتجاذبات الآيديولوجية في اللحظة التي كان لا بد فيها من التركيز الجماعي العام حول معضلة قطع الطريق أمام تفشي «كورونا» وإيجاد الحلول الممكنة لذلك، وأيضاً تنشيط الاقتصاد بما يمتص الاحتقان الاجتماعي للفئات المهمشة والضعيفة. بل إنّ الرغبة في إفشال الحكومة كانت الأهم من كل شيء، والحال أن تفشي الوباء ضار للجميع وتواصل الأزمة الاقتصادية سيمس جميع الطبقات. فلا تدهور الدينار التونسي ولا التضخم المالي ولا ارتفاع الأسعار ولا تفشي الوباء، استطاع توحيد الصف التونسي ودفعه للتجند مرحلياً على الأقل لحل الأزمات المستعصية إلى إشعار آخر.
لقد كان بالإمكان تجاوز الوضعية الوبائية السيئة لو تم تأجيل المعارك السياسية والتعطيل المتبادل إلى ما بعد «كورونا». وهنا يكمن سبب يُضعف التعاطف الخارجي مع تونس؛ لأن الأخطاء المرتكبة في كيفية معالجة أزمة «كورونا» لا تعود للوباء فحسب، بل إلى بعض التقصير والتهاون، وهي عناصر تضعف التعاطف مع تونس في الوقت الراهن في موضوع التطعيمات.
كما أن الواضح أن انتعاش السياحة خلال هذه الصائفة وتوقع تقديرات للعملة الصعبة ولتنشيط الاقتصاد قد باتت كلها محل شك، إلا إذا تراجع عدد الإصابات والوفيات بسبب «كورونا»، وهو ما لا نستطيع افتراضه لغياب مؤشرات تسمح برفع منسوب الأمل. ولعل الخيبة المتوقعة في الموسم السياحي الحالي ستزيد من صعوبة الإعلان عن حجْر صحي شامل لمدة أسابيع كحل لمحاولة السيطرة على تفشي الفيروس، باعتبار أن الوضع الاقتصادي لا يسمح ومقبل على مشاكل جديدة بسبب تعثر الموسم الفلاحي.
السؤال: هل تعرف تونس في الأيام المقبلة نوعاً من الوحدة وتتجاوز الخلافات الضيقة وينكبّ الجميع حول هدف واحد يتمثل في التصدي للموجة الشرسة من فيروس «كورونا»؟
أظن أن لا حل غير القبول بذلك من أجل النجاة.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو