قبل الحرب يجب إدراك موت آلاف الأبرياء

قبل الحرب يجب إدراك موت آلاف الأبرياء

الثلاثاء - 20 ذو القعدة 1442 هـ - 29 يونيو 2021 مـ رقم العدد [15554]
داود الفرحان
كاتب عراقي

تحملت وزارتا الدفاع والخارجية الأميركيتان مسؤولية الإدارة المشتركة للعراق من قصور رئاسة الجمهورية إلى مراكز الحدود البرية مع إيران وتركيا وسوريا والأردن والسعودية والكويت، ابتداءً من 9 أبريل (نيسان) 2003 إلى أن جاءت حكومة إياد علاوي في 28 يونيو (حزيران) 2004.
ويخطئ من يقول إن مجلس الحكم الذي تشكل في بداية الاحتلال من أقطاب المعارضة العراقية السابقة في الخارج كان يمثل رئاسة الجمهورية، فقد كان تركيبة «مسرحية» لإضفاء صفة «الدولة» على العراق المحتل في محاولة فضائحية لستر حقيقة الحرب العدوانية الأميركية على العراق. يكفي أن أقول إنني غادرت بغداد إلى القاهرة بعد أسابيع من الاحتلال لتوضيح حقيقة ما حدث من احتلال ودمار وقتل ونهب أمام اتحاد الصحافيين العرب الذي كنت أحد أمنائه المساعدين. ولم يكن أمامي إلا منفذ طريبيل البري مع الأردن، ومعي موافقة أمنية مسبقة من وزير الداخلية الأردني، وكانت الدبابات الأميركية تشرف على ذلك المنفذ وسط الصحراء وتتأكد من هويات المسافرين. وفي مرحلة لاحقة في العام نفسه، أصدرت السفارة عبر مكتب بول بريمر الحاكم المدني الأميركي الأعلى في العراق وثيقة سفر دولية للعراقيين الذين يريدون السفر إلى الخارج تحمل صورهم وأختام سلطة الاحتلال.
تعودت أكثرية الدول على إرسال دبلوماسييها الجدد إلى دول هادئة في آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية وجمهوريات الاتحاد السوفياتي السابق لتعلم لغاتها والتدرب العملي على العلاقات الدبلوماسية. وقد اخترتُ مثالاً السفير الأميركي ريان كروكر الذي تولى شؤون السفارة من مارس (آذار) 2007 إلى مارس 2009 خلفاً للسفير الأفغاني الأصل زلماي خليل زاد. وكان قد شغل في عام 2005 منصب المدير الأول للحكم في سلطة التحالف الدولي المؤقت عقب الاحتلال. يعد كروكر رجلاً محظوظاً لأنه خدم في 11 دولة متتالية بداية من قنصلية بلاده في كرمنشاه عام 1972 في إيران خلال الحكم الشاهنشاهي، ثم عمل ممثلاً للإدارة الأميركية في قطر عام 1974، وعاد إلى واشنطن عام 1976 لتلقي دروس مكثفة في اللغة العربية، وكان قد درس قبل إيفاده إلى إيران اللغة الفارسية. تأمل هنا كيف يؤهلون دبلوماسييهم، خصوصاً تعليمهم لغات الدول التي يُنقلون إليها لتسهيل مهماتهم وعلاقاتهم العامة. وقد استفاد كروكر من عمله في تونس عام 1978 للتعمق في اللغة العربية. وعين بعد ذلك رئيساً للبرنامج الاقتصادي والتجاري في بغداد. وتوجه لاحقاً إلى بيروت رئيساً للشعبة السياسية الأميركية من عام 1981 إلى 1984، ثم أصبح نائباً لمدير مكتب الشؤون العربية - الإسرائيلية في وزارة الخارجية في عام 1985، وبعدها مستشاراً في السفارة الأميركية في القاهرة في عام 1990 ثم رُفع لدرجة سفير لدى لبنان. وفي عام 1994 تسلم السفارة الأميركية في الكويت وظل فيها إلى عام 1998 حين نُقل إلى دمشق سفيراً حتى عام 2001، وتسلم بعد ذلك منصب نائب مساعد وزير الخارجية لشؤون الشرق الأدنى حتى عام 2003. وخدم بعد ذلك في أفغانستان ثم باكستان إلى أن أعيد إلى بغداد سفيراً في عام 2007.
قلتُ عن هذا الرجل إنه كان محظوظاً في الوصول إلى أعلى المناصب الدبلوماسية الأميركية في 11 دولة أجنبية بينها 7 دول عربية. وأكثر من ذلك أن ريان كروكر كان محظوظاً بشكل يرشحه لدخول موسوعة «غينيس» للأرقام القياسية، لأنه كان أحد الناجين القلائل في تفجير السفارة الأميركية في بيروت عام 1983 ثم في تفجير برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك في 11 سبتمبر (أيلول) 2001، وفي حرب أفغانستان 2002 وفي حرب العراق 2003. كان دائماً في الكواليس رغم أنه خرج مع زوجته من تحت أنقاض السفارة الأميركية في بيروت في عام 1983، ثم نجا من قصف منزله بالمنطقة الخضراء في بغداد بقذائف الهاون في عام 2008. إنه جيمس بوند حقيقي!
كانت المهمة الأخيرة لكروكر التي كلفته بها وزارة الخارجية في عام 2007 هي الذهاب إلى بغداد. كانت المقاومة التي بدأت عملياتها في الأسبوع الأول للاحتلال قد أصبحت «هائلة»، على حد تعبير كروكر. وأصبحت لدى المقاومة قناعة بأنها على وشك طرد أميركا من العراق. ويقر كروكر بأن القوات الأميركية كانت تفتقر إلى الصبر الاستراتيجي وإلى وحدة القيادة، وهو يقول إن أعداء أميركا في العراق استغلوا «غطرستنا» لإلحاق مزيد من الخسائر في القوات الأميركية ودول التحالف الدولي.
ومثلما اعترف السفير الأميركي الأسبق في بغداد بريمر بفشل السياسة الأميركية في العراق وتضارب المواقف بين العسكريين والسياسيين الأميركيين وصراع السياسيين العراقيين الجدد على السلطة والنفوذ والمال، اعترف ريان كروكر، وهو السفير الأميركي الرابع في بغداد في ظل الاحتلال بعد كل من بول بريمر ونغروبونتي وزلماي خليل زاد، بأن العيب الأساسي لدى الأميركيين في العراق هو أن نَفَس كل منهم قصير وليس مثلما يفعل أبطال السينما الأميركية حين ينجحون خلال ساعات في قتل جميع الأعداء وإنقاذ أميركا من هجوم نووي أو كيماوي أو فضائي!
وقال كروكر، حين كان سفيراً، في مقال طويل نشرته مجلة «نيوزويك» إن قلة من القادة العسكريين الأميركيين كانوا يملكون بعد سقوط النظام العراقي السابق في أبريل (نيسان) 2003 صورة واضحة عن المشهد السياسي العراقي. وضرب مثلاً على ذلك أنه التقى أحد هؤلاء القادة العسكريين ولم يكن يبالي بأي شيء على الإطلاق، ما عدا استخدام «عِلم الحركة العسكرية» بالطريقة الصحيحة: الانتشار والدفاع والتصويب وإطلاق النار. حاولتُ أن أشرح له كيف ستبدو أميركا للعراقيين إذا لم نجد سبيلاً لمعالجة مختلف المسائل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، فكان جوابه مثل كثير من القادة العسكريين: «ليست هذه مهمتنا. ما تقوله لي مثير للاهتمام، لكن لا علاقة لي به».
ويشير كروكر إلى عمليات النهب والسلب والحرق التي شهدها العراق في أسبوع الاحتلال الأميركي الأول والتي تمت تحت أنظار القوات الأميركية الغازية فيقول: «إن نهاية النظام السابق تمت ترجمتها على أنها نهاية النظام العام وسيادة الفوضى، كأن باباً انفتح أمام المجرمين كي يمروا عبره. لقد سيطر اللصوص على الشوارع، فنهبوا المتاجر والمباني الحكومية، وخربوا المتحف الوطني، وأحرقوا المكتبة الوطنية، حتى إنهم حطموا الشبكة الكهربائية للبلاد وباعوا معادن الأسلاك. رأى العراقيون في الفوضى دليلاً على أن الأميركيين لا يهتمون إطلاقاً بأمورهم، وأنهم غير قادرين على التحكم في مجرى الأحداث، ولا يملكون خطة ولا الموارد الضرورية لضبط البلاد».
ويعترف كروكر بأنه لم تكن لدى الأميركيين خطة لحكم العراق أو على وجه الدقة خطة لليوم التالي. واليوم التالي هو اليوم ما بعد صدام حسين. ويتساءل: هل كانت لدينا خطة لتشكيل مجرد حكومة عراقية بلا سلطة؟ ويجيب بالنفي لأن قوات الاحتلال لم تستطع تشكيل مجلس الحكم سيئ الصيت إلا بمساعدة الأمم المتحدة.
هذه التصريحات تدل على عمق التجارب التي مر بها هذا الدبلوماسي في دول أخرى عمل فيها مثل أفغانستان وباكستان. ومع كل تلك الاعترافات الأولى من نوعها، فإن كروكر لم يوجه أي انتقادات إلى الرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش الابن الذي قال في أول مايو (أيار) 2003 من على ظهر «إبراهام لينكولن» حاملة الطائرات الأميركية: «المهمة انتهت».
المهمة لم تنتهِ يا سيد جورج بوش الابن. تطلع إلى كل مدن العراق والميليشيات العميلة والاستيطان الإيراني والحكومات الفاسدة والاغتيالات والمعتقلات السرية، وقل لنا ما المهمة التي انتهت بعد موت مئات الآلاف؟
في مطلع الثمانينات من القرن الماضي، اقترح روبرت فيشر، أستاذ القانون بجامعة هارفارد، أسلوباً جديداً، لكنه مروع، للطريقة التي يمكن أن تُقرر بها الدول شن هجوم نووي. فبدلاً من الاحتفاظ بالشفرة السرية لتفعيل ترسانة الأسلحة النووية في حقيبة يحملها رؤساء الجمهورية، يُفضل أن توضع الشفرة الذرية في كبسولة تزرع بالقرب من قلب أحد المتبرعين، على أن يرافق هذا المتبرع الرئيس أينما ذهب، ويحمل معه سيفاً ثقيلاً. وإذا وافق الرئيس على بدء الحرب، فعليه أولاً أن يقتل ذلك المتطوع وينتزع قلبه حتى يستخرج الشفرة السرية «لكي يرى الرئيس القتل بعينيه ويدرك حقيقة موت الأبرياء، قبل أن يقدم على قتل الآلاف».


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو