أميركا وروسيا والحرب السيبرانية

أميركا وروسيا والحرب السيبرانية

الثلاثاء - 12 ذو القعدة 1442 هـ - 22 يونيو 2021 مـ رقم العدد [15547]

لقد أمضى الرئيس جو بايدن حياته السياسية غارقاً في طقوس الدبلوماسية العالمية وملتزماً بها. أما الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وهو عميل سابق في أجهزة الاستخبارات، فإنه يستخدم فن الحكم كأداة جامدة وفظة.
تفوق بوتين على كل السابقين من رؤساء الولايات المتحدة في عدد من القضايا المحورية، وهناك القليل من الدلائل التي تؤكد أن تدابيره تخدم المصالح الاستراتيجية للبلدان الديمقراطية الغربية.
لقد أضاعت أوروبا الغربية والولايات المتحدة فرصة ذهبية لإحكام السيطرة على بوتين عندما غزا شبه جزيرة القرم وضمها إلى روسيا في عام 2014. ولن يتم كبح جماح التهديدات الأوسع نطاقاً التي تواجه أوكرانيا من دون مشاركة بايدن جنباً إلى جنب مع أعضاء الناتو في قبول عضوية أوكرانيا في الحلف - وهي محاولة مخادعة، نظراً إلى أن مغامرات مماثلة ساعدت في تحفيز اعتداءات بوتين الأولى في شبه جزيرة القرم منذ عدة سنوات.
من ناحية أخرى، يشكل الأمن السيبراني نقطة احتكاك مشتعلة توفر لبايدن الفرصة للرد بشكل أحادي وجريء. فالرئيس بوتين هو أحد أكثر المحاربين الرقميين عدائية وتسبباً للأعطال الإلكترونية على مستوى العالم، كما تسببت روسيا في الكثير من أعمال القرصنة الحاسوبية المروعة داخل الولايات المتحدة على مدار العام الماضي.
فقد قام اللصوص الرقميون في العام الماضي، الذين تربطهم الشركات واختصاصيو الأمن والحكومة الفيدرالية الأميركية بالحكومة الروسية، بعمليات اختراق لشبكات الحواسيب التابعة لشركة سولارويندز، وهي من أهم مزودي برمجيات تكنولوجيا المعلومات. فلقد تسللوا سراً إلى نظام سولارويندز لعدة أشهر، الأمر الذي أتاح لهم زرع برامج ضارة على الشبكات الحكومية وشبكات الشركات الأخرى في مختلف أنحاء العالم.
وكانت شركات الاتصالات والمحاسبة والطاقة والتكنولوجيا والرعاية الصحية والسيارات من بين العملاء لدى شركة سولارويندز. كما تعاملت الشركة نفسها مع خمسة فروع في الجيش الأميركي، ومع وزارات الدفاع، والعدل، والخارجية، ووكالة الأمن القومي، وإدارة البريد، والإدارة الوطنية للملاحة الجوية والفضاء، والمكتب التنفيذي للرئيس. وقد اعترفت المعاهد الوطنية للصحة، إلى جانب وزارات التجارة، والخارجية، والخزانة، والأمن الداخلي، بأنها عانت من عمليات اختراق مماثلة ضمن عملية قرصنة شركة سولارويندز. وقد أشار المحللون في غير مناسبة إلى أن الهجوم كان معقداً لدرجة أنه لا يمكن إلا لجهة فاعلة من مستوى حكومي أن تأمر بتنفيذه. ولقد شهد قادة الشركات بأنهم كانوا غير متأكدين من المدى الكامل لعملية القرصنة، وأنه من الممكن لعمليات الاختراق أن تكون مستمرة.
تعرضت شركة خط أنابيب كولونيال، التي تدير أكبر خط أنابيب للوقود المكرر في الولايات المتحدة، للاختراق خلال الشهر الماضي، وتعطلت عمليات الشركة لعدة أيام بعد أن قام القراصنة المتمركزون في روسيا بسحب ملايين الدولارات من أموال الشركة. كما أن العديد من هؤلاء الأفراد الذين شنوا هجمات الاختراق المشابهة ضد شركة خط أنابيب كولونيال يتمركزون في روسيا أيضاً، ومن غير المرجح أن يعمل أكثرهم نشاطاً من دون مباركة الكرملين. بعد أسابيع قليلة من الهجوم على تلك الشركة، تسبب قراصنة الإنترنت في تركيع شركة «جيه بي إس» على ركبتيها، وهي أكبر شركة لتوريد اللحوم في العالم. وقد ربطت الشركة، التي تتخذ من البرازيل مقراً لها وتدير عدة مصانع في الولايات المتحدة، والبيت الأبيض ذلك الهجوم بإحدى المنظمات الإجرامية في روسيا.
كما صمدت الولايات المتحدة في وجه الهجمات الإلكترونية الروسية السابقة، بما في ذلك الجهود الرامية إلى تخريب الانتخابات الرئاسية في عام 2016. واستهدفت شبكات من المتسللين الذين يستخدمون برمجيات الفدية، المستشفيات، والمدارس، والشركات الصغيرة، والجامعات، والمؤسسات البحثية، والشرطة. كما عانت بلدان أخرى من هجمات خطيرة. ففي إحدى الحالات سيئة السمعة في عام 2017، أغلق القراصنة الروس قطاعاً كبيراً من شبكات المعلومات في أوكرانيا.
ويبدو أن الهجمات الرقمية على المؤسسات التي تقدم الخدمات الأساسية مثل الطاقة والرعاية الصحية للمواطنين العاديين، فضلاً عن الهجمات على المؤسسات العامة والخاصة التأسيسية في الولايات المتحدة، أصبحت الآن من الأهداف العادية لبوتين رغم أن الولايات المتحدة تجنّبت إلى حد كبير الرد بالمثل. وفي حين أن القطاعين العام والخاص في الولايات المتحدة يمكنهما بالتأكيد أن يقوما بعمل أفضل بكثير لحماية أنظمتهما الخاصة (لقد تمت قرصنة شركة كولونيال عن طريق اختراق كلمة مرور واحدة، على سبيل المثال)، فإن الأمر بأيدي البيت الأبيض في كبح جماح الرئيس بوتين.
كانت استجابة بايدن للهجمات السيبرانية الروسية حتى الآن بمثابة نموذج يُحتذى للصبر والدبلوماسية، التي ربما كانت من أفضل الخيارات في الأيام الأولى لإدارته وفي أعقاب الاضطرابات التي شهدتها إدارة الرئيس السابق دونالد ترمب. غير أن البيت الأبيض قد أعلن مراراً وتكراراً قبل أشهر أنه سوف يتخذ إجراءات عدائية، سواء «مشهودة أو غير مشهودة»، ضد روسيا في أعقاب قرصنة شركة سولارويندز. فلقد تم طرد بعض الدبلوماسيين الروس، وفُرضت العقوبات ضد بعض الشركات والأفراد الروس، ثم تعرضت شركة خط أنابيب كولونيال لعملية الاختراق سالفة الذكر.
*بالاتفاق مع «بلومبرغ»


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة