خبراء الاقتصاد لا يعلمون كل شيء عنه

خبراء الاقتصاد لا يعلمون كل شيء عنه

الاثنين - 5 ذو القعدة 1442 هـ - 14 يونيو 2021 مـ رقم العدد [15539]
نوح سميث
كاتب في «بلومبيرغ»

من أهم الأسئلة التي تتعلق بالاقتصاد الأميركي في الوقت الحالي هو هل تنفق الحكومة الكثير من المال أم لا. ويحذر بعض خبراء الاقتصاد البارزين موضحين أنه قد حان وقت التمهل. وقد جاءت حزمة الإنقاذ الخاصة بالوباء، التي أقرّها الرئيس جو بايدن وتقدر بـ1.9 تريليون دولار، لتضاف إلى حزم مالية مماثلة تقدر بـ3.1 تريليون دولار عام 2020، ويخطط الرئيس حالياً لتنفيذ مبادرتين كبيرتين على الأقل تتعلقان بالبنية التحتية وتوفير الوظائف. ويشعر بعض خبراء الاقتصاد بالقلق من هذا القدر الهائل من الأموال، ويخشون ألا تكفي زيادة الضرائب لتغطية كل النفقات الجديدة. في حال كان ذلك صحيحاً، واختار مصرف الاحتياطي الفيدرالي الإبقاء على انخفاض أسعار الفائدة، ستكون النتيجة هي تسارع خطى التضخم.
مع ذلك قبل أن تصاب بقلق شديد تذكر أن الاقتصاد الكلي موضوع عسير الفهم؛ فحتى الخبراء لا يعلمون سوى القليل عن كيفية سير الاقتصاد. لذا في الوقت الذي ينبغي علينا فيه أن ننتبه إلى حدس خبراء الاقتصاد بشأن أمور مثل الإنفاق الحكومي والتضخم والبطالة، ينبغي أن نضع في أذهاننا أيضاً أن تصريحاتهم أبعد ما تكون عن الكلمة الأخيرة الباتّة.
إذا نظرنا على سبيل المثال إلى سلسلة من التغريدات على موقع «تويتر» مؤخراً لجيسون فورمان، الرئيس السابق لمجلس المستشارين الاقتصاديين، والتي أوضح فيها أن أكثر خبراء الاقتصاد الذين يتحدث معهم يعتقدون أن حزمة الإنقاذ لبايدن كانت ضخمة للغاية من دون النظر إلى الفواتير المستقبلية التي ستصبح مستحقة. بطبيعة الحال ربما لا يكون ذلك محل إجماع وتوافق من جانب كافة خبراء الاقتصاد، وربما يمثل فحسب طريقة تفكير المجموعة المختارة من خبراء الاقتصاد المقربين إلى فورمان. مع ذلك إذا افترضنا أن هذا الرأي محل إجماع من جانب الأكاديميين؛ فهل ينبغي علينا الشعور بالقلق؟
فلنتحدث عن الأمر. أولاً من المهم إدراك أن خبراء الاقتصاد، على عكس المهندسين أو حتى خبراء الأرصاد الجوية، ليس لديهم نظريات تستطيع التنبؤ بأمور مثل التضخم أو البطالة بأي درجة تدعو إلى الثقة ويمكن الاعتماد عليها؛ حيث لا تستطيع أكثر نماذج التوقع الأكاديمية تعقيداً سوى تقديم صورة عامة ضبابية لما سيبدو عليه الاقتصاد في غضون ثلاثة أشهر، وحتى في هذه الحالة يميلون إلى نماذج أبسط يستطيع طالب فهمها والتعامل معها في غضون دقائق. لذا في حين أنه من الناحية النظرية تظل تلك النماذج، التي لا تستطيع التنبؤ بالمستقبل، قادرة على توقع آثار سياسة الحكومة، تظل غير مرجحة بدرجة كبيرة.
لذا ليس لدى خبراء الاقتصاد كرة عرّاف كريستالية، لكنهم يمتلكون المعرفة المتراكمة من قضاء وقت طويل في تأمل الإحصاءات الاقتصادية، ودراسة التاريخ، وقراءة الأخبار. لذا أيا كان اللوغاريتم الاقتصادي الخاص بتعلم الآلة الموجود داخل أدمغتهم لتكوين حدسهم، فإنهم يمتلكون خبرة أكبر وبيانات أكثر مما يمتلكه الشخص العادي، وهو ما يسمح لهم بتكوين آراء متبصرة أفضل.
هناك بعض الأدلة التي تشير إلى أن ذلك يصدق على خبراء الاقتصاد في مصرف الاحتياطي الفيدرالي على الأقل، حيث يشير عدد من الدراسات إلى أن توقعات «الكتاب الأخضر» الخاص بمصرف الاحتياطي الفيدرالي قد فاقت أداء طرق توقع أخرى، وكذا خبراء اقتصاد في القطاع الخاص، حين يتعلق الأمر بتوقع التضخم. ربما يُعزى ذلك إلى ما يتمتع به خبراء الاقتصاد في المصرف من حدس فائق، أو ربما يكون السبب هو اطلاعهم على قدر من البيانات أكبر مما يتاح لأي شخص آخر. إذا صحّ هذا الأمر، فيعني ذلك افتقار الأكاديميين، الذين لا يستطيعون الاطلاع على البيانات الخاصة بمصرف الاحتياطي الفيدرالي، إلى تلك الميزة.
نستطيع أيضاً النظر إلى الهيئة الأميركية لخبراء الاقتصاد، والتي تتولى إدارتها مبادرة الأسواق العالمية في كلية «بوث» للأعمال بجامعة شيكاغو. إن هذا استطلاع رأي يتم بانتظام عن خبراء الاقتصاد الأكاديميين بشأن أسئلة متعددة خاصة بالسياسات. عند العودة إلى عام 2012 على سبيل المثال سنتمكن من إدراك أن خبراء الاقتصاد بوجه عام لم يشعروا بقلق بالغ من أن تسبب الجولة الثالثة من التيسير الكمي، التي أطلقها مصرف الاحتياطي الفيدرالي، تضخماً كبيراً.
مع ذلك ينبغي ملاحظة كم كان يشعر خبراء الاقتصاد بعدم اليقين. ورغم عدم تسبب جولتين سابقتين من التيسير الكمي في حدوث تضخم بشكل واضح، أقل من نصف خبراء الاقتصاد ممن تم استطلاع آرائهم رفضوا توثيق قولهم إن نتائج عام 2021 ستكون مماثلة؛ لذا لم يحصل حدس خبراء الاقتصاد على الدرجة النهائية في هذا الأمر.
وفي بعض الأحيان يغير خبراء الاقتصاد آراءهم بشكل حاسم بشأن الأمور الأساسية المتعلقة بالسياسات؛ ففي عام 2013 أوضح استطلاع رأي أن 34 في المائة من خبراء اقتصاد بارزين كانوا يعتقدون أن الحد الأدنى الفيدرالي للأجور البالغ 9 دولارات سوف يقلل بشكل كبير توظيف العمال الذين يتقاضون أجورا زهيدة. مع ذلك بحلول عام 2015 لم يوافق سوى 26 في المائة على أن الحد الأدنى الفيدرالي للأجور سوف يضرّ بشكل كبير بتوظيف العمال ذوي الأجور الزهيدة؛ وفي عام 2020 ارتفع هذا الرقم إلى 40 في المائة.
ويعد الحد الأدنى للأجور من المسائل الأساسية المتعلقة بالسياسات الاقتصادية الكلاسيكية؛ فإذا تقلبت وتباينت آراء خبراء الاقتصاد بشأن هذا الأمر على هذا النحو، فيعني هذا أن حدسهم بشأن السياسات غير راسخ. لذا في حين أنه من الجيد الحصول على آراء من خبراء الاقتصاد بشأن أمور ومسائل مثل حجم إنفاق بايدن الهائل، من المهم ألا نتعامل مع تلك الآراء على أنها مقدسة. إن علم الاقتصاد الكلي بطبيعته معقد لدرجة أن كبار الخبراء كثيراً ما يكونون كمثل العميان الذين يقودون العميان. وإذا كان فورمان محقاً بشأن إجماع الأكاديميين، فسيعني ذلك أن على بايدن أن يكون أكثر حذراً بشأن عجز الإنفاق، ولو قليلا.


* بالاتفاق مع «بلومبرغ»


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو