بعد أن سكتت المدافع!

بعد أن سكتت المدافع!

الأربعاء - 14 شوال 1442 هـ - 26 مايو 2021 مـ رقم العدد [15520]
عبد المنعم سعيد
رئيس مجلس إدارة صحيفة المصري اليوم بالقاهرة، ورئيس مجلس إدارة ومدير المركز الإقليمي للدراسات الإستراتيجية بالقاهرة

عندما وضعتً عنوان هذا المقال على محرك «غوغل» وجدت أن هناك ثلاثة ملايين وستمائة وأربعين ألف عنوان على شكل كُتب للتاريخ وأخرى من الأدب الخالص وكثرة هائلة من القصائد التي تمجّد القتال الذي جرى، وتبكي على المشهد الذي تبقى.
في الأدب السياسي العربي كتاب واحد فيما أعلم، وعِلم الإنسان دائماً قليل، تحت هذا العنوان لأستاذنا ومفكرنا اليساري الكبير محمد سيد أحمد، والذي كتبه في أعقاب حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973، وفيه دعا إلى تفكير جديد ينحو للسلام في الصراع العربي - الإسرائيلي. وقت كتابة هذا المقال صباح الجمعة الماضي 21 مايو (أيار) كان قد تقرر وقف إطلاق النار في الساعة الثانية من صباح اليوم. لم يُعرف كثير من التفاصيل بالطبع عن الاتفاق، وكل ما بات معلوماً أن إسرائيل وافقت على وقف العمليات العسكرية في ذلك الوقت، مصرحةً بأنه سوف تكون هدنة مقابل الهدنة، وأعلنت مصر أنها في طريقها إلى إرسال وفدين إلى إسرائيل وغزة لتثبيت وقف إطلاق النار. وفي العادة في مثل هذه الأمور فإن المدافع تصمت في الساعة المقررة؛ ولكنه في أحيان أخرى تستمر المدافع في الدويّ حتى يحدث ما يُعرف باستقرار جبهة القتال. حدث هذا في حرب أكتوبر حينما اتفق السوفيات والأميركيون على وقف إطلاق النار الساعة السادسة من مساء يوم 22 أكتوبر؛ وبعد أن عقد هنري كيسنجر الاتفاق سافر إلى إسرائيل فوجد عاصفة غضب في انتظاره لأن إسرائيل كانت تأمل في اتساع الثغرة التي فتحتها على الجبهة المصرية. في مذكراته «سنوات القلاقل» ذكر أنه قال لغولدا مائير معقّباً على غضبها إنه على أي حال فإن وقف إطلاق النار في حرب فيتنام استغرق وقتاً حتى حدث بشكل كامل. في مصادر أخرى ذُكر أن كيسنجر أشار إلى أنه في تجربة فيتنام استغرق وقف القتال بضعة أيام. وفي النهاية فإن وقف إطلاق النار في حرب أكتوبر حدث يوم 26 من الشهر.
وفي العادة أيضاً فإنه يوجد لدى الطرفين المتحاربين قوى معارضة لوقف إطلاق النار، إما لأنها كانت تتطلع إلى نصر حاسم قريب؛ وإما لأنها لا يزال لديها من طاقة المقاومة ما يسمح لها باستمرار الحرب دون هزيمة. في حرب غزة الرابعة بعد ثلاثة حروب في 2008 و2012 و2014، كان هناك داخل غزة مَن وجد أن وصول الصواريخ إلى تل أبيب بداية للتحرير أو الحصول على مكاسب مباشرة خصوصاً في القدس؛ وفي إسرائيل كان هناك من يعتقد أنه أما وقد نجحت إسرائيل في تدمير 60% من الطاقة العسكرية لـ«حماس» و«الجهاد الإسلامي» فوق الأرض وتحتها، وفي ورش تجميع الصواريخ، وعلى عدد معتبر من القيادات المهمة؛ فإنه على إسرائيل أن تستمر حتى لا تكون هناك حرب خامسة. تم وقف إطلاق النار في موعده لأن الضغوط الدولية والعربية كانت كبيرة، ولأن كلا الطرفين كان في حاجة إلى مراجعة ما حدث. في إسرائيل بات عليهم أن يبحثوا كيف ظهرت القضية الفلسطينية مرة أخرى بعد ظنٍّ ساد أنها قد دُفنت تحت صراعات وتناقضات الشرق الأوسط المتراكمة؟ وفي فلسطين كان هناك مَن تساءل كيف انقسمت السلطة الفلسطينية إلى سلطة «مفاوضة» وأخرى «مقاومة»؟ وهل «النموذج اللبناني» في ازدواجية السلطة و«حزب الله» هو ما يريده الفلسطينيون حقاً في دولة مستقلة وعاصمتها القدس الشرقية؟!
سكتت المدافع وأزيز الصواريخ والطائرات وذهب التفكير في اتجاهين: أولهما أن السكوت بعد حرب رابعة يشكل هدنة تُلتقط فيها الأنفاس وتُستوعب فيها الدروس، ويستعد بعدها الطرفان للحرب الخامسة بصواريخ أكثر عدداً ودقّة، وبقبة حديدية أكثر كفاءة، ومعها من الأسلحة ما يجتثّ الفلسطينيين فوق الأرض وتحتها، في نكبة جديدة، وساعتها لا تتغير الجغرافيا فقط وإنما معها الديموغرافيا أيضاً. وثانيهما أن الحروب والأزمات بقدر ما تسبب أخطاراً بالغة، فإنها تخلق فرصاً رائعة. الخطر شاهدناه في الدمار وجثث القتلى ونزيف الجرحى، والأُسر التي تجري خوفاً وهلعاً في طريقها إلى الملاجئ، وشرر النار ودخان الحرائق؛ أما الفرصة فإن انتهازها يحتاج أحياناً إلى شجاعة أكثر من اتخاذ قرار الحرب.
هل هي هدنة أم فرصة جديدة؟ سوف يقرره القادة والسياسيون، وعليهم في هذه الحالة أن يواجهوا حقيقتين تشكّلان واقعاً لا يمكن الهروب منه: أولاهما أنه بعد سنوات ساد فيها ظن أن القضية الفلسطينية قد دُفنت تحت ركام ورماد حروب ونزاعات المنطقة، فإنها تصعد مرة أخرى كطائر العنقاء الذي يولد من قلب الرماد. يحدث ذلك لأن هناك شعباً فلسطينياً لا يموت، ويستحيل قتل أكثر من ستة ملايين فلسطيني يعيشون على أرض فلسطين، كما يستحيل محو القدس المقدّسة بأهلها وما فيها من المسجد الأقصى ومسجد قبة الصخرة، وحتى الفلسطينيون الذين يعيشون في إسرائيل يستحيل نزع قلوبهم وما فيها من هوى الوطنية. وثانيتهما أن إسرائيل والإسرائيليين قد باتوا بعد ثمانية عقود تقريباً جزءاً من نسيج المنطقة، وفي الحقيقة وعلى ضوء موجات معاداة السامية الجديدة في الغرب، فإن مواطني دولة إسرائيل لا يوجد لهم مكان آخر يذهبون إليه، وهم على أي حال دولة متقدمة وعفيّة، وأهلها ليسوا على استعداد لحمل حقائبهم والرحيل إلى حيث جاءوا.
كلتا الحقيقتين تحتّم نظرة واقعية تبحث عن سبل التعايش الذي يبدأ بالتفكير والمراجعة ليس فقط لما كان من اتفاقات وقرارات دولية، وإنما بحث عمليات السلام التي جرت ونتائجها من أول السلام المصري والأردني – الإسرائيلي، حتى اتفاقيات السلام الإبراهيمي، وما بينهما من أطر للتعاون الإقليمي مثل منتدى شرق البحر المتوسط الذي يضم الأردن وفلسطين وإسرائيل وقبرص واليونان وإيطاليا. وفي الظن أن النتيجة التي سوف تصل إليها المراجعة أن فرص النجاح تزيد كلما كانت المبادرة والحاضنة إقليمية تنبع من واقع الجوار الجغرافي، وأن الثمن المدفوع حرباً هو جائزة تستغلها قوى دولية وإقليمية لاستنزاف وابتزاز دول المنطقة، والضغط عليها.
إذا كان هناك دور للقوى العظمى مثل الولايات المتحدة أو الدول الأعضاء الدائمة في مجلس الأمن، فإنه سوف يأتي بعد أن تقوم دول الإقليم العربي بدورها. والحقيقة هي أنه لم يكن ممكناً التوصل إلى وقف إطلاق النار وإسكات المدافع والصواريخ إلا نتيجة الجهد المصري والتأييد العربي الكامل له حتى من قطر. والآن فإن جهداً عربياً ممكناً ومطلوباً لا بد منه في اتجاهين: أولهما الأخذ بيد غزة والقدس وباقي المناطق الفلسطينية في التعامل مع الواقع المر بعد الحرب.
وثانيهما أن هناك حاجة إلى الصراحة مع الواقع الفلسطيني بأن قيام الدولة الفلسطينية لن يكون فقط بالاتفاق مع إسرائيل، وإنما عندما يقيم الفلسطينيون دولتهم؛ ولا توجد دولة في العالم تصير كذلك دون وجود سلطة مركزية تمارس السياسة وتستخدم السلاح، وهي وحدها، ووحدها فقط، تتخذ قرارات الحرب والسلام. أقل من ذلك لا تقام دول، وإذا حدثت ترتيبات وتفاهمات فهي أشباه دول.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة