مغرب اليوم ليس هو مغرب الأمس

مغرب اليوم ليس هو مغرب الأمس

الأحد - 11 شوال 1442 هـ - 23 مايو 2021 مـ رقم العدد [15517]
د. جبريل العبيدي
كاتب وباحث ليبي

«مغرب اليوم ليس هو مغرب الأمس» كلمات واضحة ومملوءة بالثقة والشجاعة والمسؤولية والاعتزاز والتحرر من أي تبعية لمستعمر قديم انتهى، أطلقها وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة، بعد التوتر في العلاقات بين المملكة المغربية وإسبانيا والهجوم الإعلامي الإسباني غير المسبوق، بعد تدفق أعداد من المهاجرين على الحدود مع إسبانيا.
ولكن الحقيقة أنَّ أسباب الأزمة الحقيقية التي حاول الإعلام الإسباني تجاهلها كانت نتيجة استضافة الحكومة الإسبانية لرئيس جبهة البوليساريو، إبراهيم غالي، بهوية مزوّرة، مما عدّه المغرب انحيازاً لجماعة انفصالية وتدخلاً في الشأن الداخلي المغربي، رغم أنَّ إسبانيا كانت تمسك العصا من المنتصف في قضية الصحراء المغربية، مما يؤكد أنَّ سبب التوتر هو اختلاف الرؤية بين البلدين حول قضية وملف الصحراء وجبهة البوليساريو.
بعد التوتر تدفق سيل من المهاجرين باتجاه حدود إسبانيا، وإن كانت الحقيقة المغيبة أنَّ نقطة العبور والتي هي سبتة هي مدينة مغربية محتلة من إسبانيا وأحد المسببات المخفية وغير المعلنة لعودة الخلاف والتوتر بين المغرب وإسبانيا، عبر نافذة تدفق المهاجرين على مدينتي سبتة ومليلية المحتلتين، وزاد هذا التوتر استضافة غالي في إسبانيا سراً.
القراءة الخاطئة للأحداث كانت لدى الحكومة الإسبانية، فوزيرة الخارجية الإسبانية تتهم المغرب بـ«الابتزاز» بسبب تسلل آلاف المهاجرين إلى سبتة المغربية المحتلة مما يؤكد استمرار النظرة الاستعمارية، بينما بابلو كاسادو زعيم حزب الشعب المنتمي ليمين الوسط قال: «إن استقبال غالي سراً كان خطأ دبلوماسياً فادحاً، والحكومة أبدت ضعفاً في حماية حدود إسبانيا».
ولكن الحقيقة أنه كان على إسبانيا أن تعي أنَّ المملكة المغربية لن تعمل حارساً حدودياً لها أو لأوروبا، خصوصاً بعد التصريحات المؤسفة التي أطلقها الاتحاد الأوروبي داعماً الموقف الإسباني تحت شعار «انصر أخاك ظالماً ومظلوماً» وتناسي أنَّ للحديث بقية تؤكد نصرته على نفسه للتخلص من المظالم، فالموقف الإسباني تدعمه النظرة الاستعمارية لدى الأحزاب اليمينية، والتي تتخوف من الهجرة وترى فيها خطراً على الديموغرافيا، في حين أنَّ مَن عبر الشاطئ ينتمون إلى سبتة ومليلية عرقياً لكون المدينتين مغربيتين محتلتين إسبانيّاً وليس العكس.
قد يكون استدعاء القضاء الإسباني لغالي على خلفية قضايا تتعلق بـ«جرائم حرب» خطوة نحو تخفيف التوتر بين البلدين، إلا أنَّه لن ينهيه، فالمعالجة الحكومية الإسبانية الخاطئة للتوتر مع المغرب بسبب السماح لغالي بالدخول والإقامة على أراضيها من دون التشاور مع المغرب تسببت في طفو ملفات كانت غارقة لسنوات، ومنها ملف المدن والجزر المغربية المحتلة.
البوليساريو أو جبهة «تحرير» الصحراء تخوض صراعاً مسلحاً انفصالياً في المغرب منذ عام 1975، رغم أنَّ المغرب طرح معالجة للأمر وهي السماح بحكم ذاتي في الإقليم بينما تطالب البوليساريو بتنظيم استفتاء لتقرير المصير.
من حق المملكة المغربية الحفاظ على حدودها ووحدة وسلامة أراضيها واستعادة مدينتيها المحتلتين، فالمغرب لن يعمل حارساً حدودياً لإسبانياً ولا لغيرها، وعلى إسبانيا التخلص من الإرث الاستعماري والنظرة الاستعلائية، والبدء في معالجة القضايا والملفات المختلف عليها مع المغرب في إطار علاقات الجوار والوضوح، والابتعاد عن التدخل في الشأن الداخلي المغربي، مما سيخلق مناخاً صحياً لعودة العلاقات بشكل متوازن يخدم مصلحة الطرفين.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة