عادة ما تظهر كلمة «تحيز» في إطار المناقشات التي تدور حول الأحكام الخاطئة والقرارات الرديئة. على سبيل المثال، نستخدم هذه الكلمة عندما يقع تمييز ضد النساء أو لصالح خريجي جامعات ما يعرف باسم «رابطة اللبلاب». ومع ذلك، تتميز هذه الكلمة بمعنى أوسع: التحيز أي خطأ متوقع يميل بأحكامك في اتجاه معين. مثلاً، نتحدث عن تحيز عندما تكون توقعات المبيعات متفائلة باستمرار أو القرارات الاستثمارية حذرة على نحو مفرط.
من ناحيته، وجَّه المجتمع كثيراً من الاهتمام إلى مشكلة التحيزـ وهو محق في ذلك، لكن عندما يتعلق بالأحكام الخاطئة والقرارات الرديئة، ثمة نمط آخر من الأخطاء يجتذب قدراً أقل بكثير من الاهتمام: الضوضاء.
وللتعرف على الاختلاف بين التحيز والضوضاء، دعنا ننظر إلى الميزان الموجود في الحمام لديك. لو أنَّه في المتوسط يقدم لك قراءات مرتفعة للغاية (أو منخفضة للغاية)، فإنَّ هذا يعني أنَّ الميزان متحيز. أما لو أنه أظهر قراءات مختلفة عندما تقف فوقه عدة مرات في تتابع سريع، فهذا يعني أن الميزان ضوضائي. وبينما يشير التحيز إلى متوسط الأخطاء، تشير الضوضاء إلى وجود الأخطاء.
ورغم أنه غالباً ما يجري تجاهلها، تعتبر الضوضاء واحدة من المصادر الكبرى للخلل الوظيفي بالمجتمع. مثلاً، أجريت دراسة عام 1981 طلب من 208 قضاة فيدراليين في إطارها تحديد العقوبات الملائمة في القضايا الـ16 ذاتها. وجرى توصيف القضايا تبعاً لسمات الجريمة (سرقة أو احتيال، عنيفة أو لا) والجاني (صغير أو كبير في السن، سبق له ارتكاب جرائم متكررة أو هذه سابقته الأولى، شريك بالجريمة أم جانٍ رئيسي). ربما كنت تتوقع أن تأتي آراء القضاء متوافقة بدرجة كبيرة إزاء مثل هذه الجرائم الموجزة، التي تخلو من أي تفاصيل قد تشتت الانتباه وتقتصر على المعلومات الأساسية.
ومع ذلك، لم يتفق القضاة فيما بينهم. وتجاوز متوسط حجم الاختلاف بين عقوبتين أصدرهما اثنان من القضاة وقع عليهما الاختيار عشوائياً عن الجريمة ذاتها، 3.5 سنة. وبالنظر إلى أن متوسط العقوبة كان 7 سنوات، فإن هذا يشكل مستوى مقلقاً من الضوضاء.
والمؤكد أن الضوضاء داخل قاعات المحكمة أسوأ عن ذلك، خاصة أن القضايا الحقيقية أشد تعقيداً وأكثر صعوبة للتعامل معها من جانب أي قاضٍ. في الواقع، من الصعب الهروب من الانطباع بأن الأحكام القضائية شبيهة في جزء منها باليانصيب لأن العقوبات يمكن أن تتنوع بفارق سنوات عدة حسب القاضي المكلف القضية والحالة الذهنية للقاضي يوم إصداره الحكم. بوجه عام، يمكن القول إنَّ النظام القضائي ضوضائي على نحو لا يمكن قبوله.
ودعونا ننظر إلى منظومة ضوضائية أخرى، القطاع الخاص. عام 2015، أجرينا دراسة حول المؤمن عليهم لدى شركة تأمين ضخمة. وجرى عرض على 48 ضامنَ ملخصاتٍ واقعية للمخاطر التي خصصوا لها أقساط تأمين، تماماً مثلما فعلوا في وظائفهم.
ما مقدار الاختلاف الذي تتوقعه بين قيم أقساط التأمين التي خصصتها اثنتان من شركات التأمين ذات الكفاءة لمواجهة المخاطر ذاتها؟ قال مسؤولون تنفيذيون في شركة التأمين إنهم يتوقعون فارقاً بنسبة 10 في المائة، لكن متوسط الفارق الذي اكتشفناه بين اثنين من شركات التأمين كان مهولاً بلغ 55 في المائة من متوسط أقساط التأمين، أي أكثر عن خمسة أضعاف ما توقعه المسؤولون التنفيذيون.
وكشفت الكثير من الدراسات الأخرى عن وجود ضوضاء في أحكام مهنية. على سبيل المثال، يختلف اختصاصيو الأشعة في قراءتهم للصور ويختلف أطباء القلب في قراراتهم الجراحية. كما تشتهر التوقعات الاقتصادية بكثير من الضجيج، بل وفي بعض الأحيان يختلف خبراء البصمات حول ما إذا كان هناك «تطابق». الواضح أنه بأي مكان فيه حكم، يوجد به ضوضاء أكثر مما تعتقد.
تتسبب الضوضاء في وقوع أخطاء مثلها مثل التحيز، لكن يبقى نوعا الخطأ منفصلين ومستقلين. مثلاً، يمكن أن تكون قرارات التوظيف داخل شركة ما غير منحازة بشكل عام، إذا كان بعض مسؤولي التوظيف يفضلون الرجال، والبعض الآخر يفضل النساء. ومع ذلك، ستكون قرارات التوظيف في هذه الشركة مثيرة للضوضاء، وستتخذ الشركة الكثير من الخيارات الرديئة.
وبالمثل، إذا كانت بوليصة تأمين باهظة الثمن وأخرى أقل من قيمتها بالمبلغ نفسه، فإن الشركة بذلك ترتكب خطأين: رغم عدم وجود تحيز شامل.
إذن من أين تأتي الضوضاء؟ تشير الكثير من الأدلة إلى أن جملة من الظروف غير ذات الصلة يمكن أن تؤثر على الأحكام. مثلاً، في حالة الأحكام الجنائية يمكن لمزاج القاضي والشعور بالإرهاق، بل وحتى الطقس تأثيرات متواضعة على الأحكام القضائية.
يتمثل مصدر آخر للضوضاء في أن الناس يمكن أن تكون لديهم ميول عامة مختلفة. كما أن القضاة غالباً ما يختلفون في شدة الأحكام التي يصدرونها... فهناك صارمون وآخرون متساهلون.
أما المصدر الثالث للضوضاء فيتسم بطابع أقل حدسياً، رغم أنه عادة ما يكون الأكبر، ذلك أن الأفراد لا يكون لديهم ميول عامة فحسب (مثل أن يكونوا قساةً أو متسامحين)، وإنما أيضاً أنماط تقييم مختلفة (مثلاً، أنواع الحالات التي يعتقدون أنه ينبغي التعامل معها بشدة أو بلين). كما أن المكتتبين يختلفون فيما بينهم حول ما هو محفوف بالمخاطر، ويختلف المكتتبون في وجهات نظرهم بخصوص ما هو محفوف بالمخاطر، مثلما تتباين آراء الأطباء حول الأمراض التي تتطلب علاجاً. ورغم احتفائنا بتفرد الأفراد كل عن الآخر، فإننا نميل لنسيان أنه في المواقف التي نتوقع فيها الاتساق، يصبح هذا التفرد مسؤولية كبيرة.
بمجرد أن تدرك الضوضاء، يمكنك أن تبحث عن طرق لتقليلها. على سبيل المثال، يمكن حساب متوسط الأحكام المستقلة من عدد من الأفراد (واحدة من الممارسات المتكررة في التنبؤ). ويمكن أن تساعد الإرشادات، مثل تلك المستخدمة بمجال الطب، المختصين على الوصول لقرارات أفضل وأكثر اتساقاً. كما أظهرت دراسات ممارسات التوظيف أن فرض هيكل محدد ودرجة كبيرة من الانضباط في المقابلات وأشكال التقييم الأخرى يميل إلى تحسين الأحكام الصادرة بخصوص المرشحين للوظائف.
ومع ذلك، سيبقى من المتعذر اتخاذ أي إجراءات للحد من الضوضاء طالما أننا لم نتعرف على وجودها من الأساس. وكثيراً ما يجري تجاهل الضوضاء، لكن هذه قضية خطيرة وتسفر عن تكرار الأخطاء واستشراء الظلم. لذا، ستتخذ المنظمات والمؤسسات العامة والخاصة قرارات أفضل إذا ما تعاملت مع الضوضاء بجدية.
9:23 دقيقه
TT
بين التحيز والضوضاء
المزيد من مقالات الرأي
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
