سألني صديقي، وماذا ستكتبُ هذه السَّنةَ بمناسبة اليوم العالمي للسرطان؟ الذي يصادفُ هذا اليوم، فسألته ماذا تريد أن تعرفَ عن هذا المرض؟ فأجابني، أنا لا أودّ الحديث عن السرطان، ولكنّني أودّ أن أعرفَ كيف أحمي نفسي من الإصابة به. وهذا هو جوابي له.
إنَّ المثلَ القائل «درهم وقاية خير من قنطار علاج» هو قمَّة المعرفة. ولربَّما لا يصدق كثيرٌ من الناس إذا قلنا إنَّ المعرفة العلمية التي نمتلكها اليوم تخوّلنا الوقاية من الأمراض السرطانية بنسبة 75 في المائة. إنَّ 30 في المائة من الأمراض السرطانية يسببها التدخين، و30 في المائة تسببها الالتهابات الجرثومية، و15 في المائة هي نتيجة أسباب أخرى. ونحن قادرون على التَّغلب على كل هذه الأسباب، إذا تمكَّنا من صنع سياسات صحية حديثة ملائمة.
إنَّ التدخين بكل أنواعه مضر جداً بالصحة، وليس هناك نوعٌ منه لا يسبب ضرراً. فإن كنتَ تدخّن السيجارة التقليدية، أو السيجار، أو النرجيلة، أو التدخينَ الإلكتروني، فأنت تسبب ضرراً كبيراً لصحتك. زدْ على ذلك التدخين السلبي بوجودك في أماكنَ يدخّن فيها النَّاس من حولك. ولذا يجب أن تتجنَّب الحضورَ في هذه الأماكن. وفي التثقيف الصحي بالنسبة للتدخين يجب التركيز على هؤلاء الذين لا يدخنون اليوم بدل التركيز على المدخنين. ومن الضروري جداً إدخالُ مناهجَ تربوية في المدارس الابتدائية للتثقيف الصحي، وبالأخص التثقيف بأضرار التدخين. إنَّ أهم سلاح نمتلكه ضد هذه العادة المميتة هو تثقيفُ الأولاد في الصغر. ذلك أنَّ التدخين لا يسبب فقط الأمراضَ السرطانية، فهو أيضاً يسبب أمراضاً في القلب وأمراضَ الرئة وأمراضاً كثيرة أخرى.
والسبب الثاني هو الالتهابات الجرثومية التي قد تؤدي إلى الإصابة بالسرطان. كنت واحداً من أوائل الباحثين الذين وجدوا في السبعينات أنَّ الالتهابات الجرثومية المتكررة التي تصيب الأمعاء إن لم تعالج وهي في المراحل الأولى قد تتطوّر إلى سرطانات عديدة. وأهم ما اكتشفناه هو أنَّ معالجة هذه الأمراض الجرثومية في مراحلها الأولى بواسطة المضادات الحيوية تقود إلى الشفاء منها، ومن ثمّ تقود إلى منع الإصابة بالسرطان. وفي الثمانينات اكتشف الباحثون أنَّ سرطان عنق الرحم عند المرأة تسببه الالتهابات المتكررة بواسطة فيروس من عائلة Herpes. وها قد نجح العلماء من بعدها في تطوير لقاح ضد هذه الالتهابات الجرثومية، وبالتالي أصبحنا قادرين على منع تطور هذه الالتهابات إلى السرطان. لذا يجب أن تكون هناك سياسةٌ صحيةٌ واضحة في كلّ دول العالم تؤمّن اللقاح لكلّ أنثى بين عمري 10 سنوات و30 سنة. هذا اللقاح اسمه HPV vaccine. وهو يمنع الإصابة بسرطان عنق الرحم بنسبة 85 في المائة. وكذلك سرطان الكبد. هذا النوع من السرطان يسببه في كثير من الأحيان الالتهاب الجرثومي بواسطة فيروس Hepatitis B. ونحن اليوم في متناولنا لقاح ضد هذا النوع من الالتهاب في الكبد. لذا يجب أخذ هذا اللقاح للحماية من هذا المرض. ونودّ أن نقول هنا إن سرطان الكبد متفشٍ في دول عربية عدة. لذلك من الضروري وضع سياسات صارمة في هذه البلدان لتلقي اللقاح. وكذلك بالنسبة للمعدة. لقد اكتشف طبيبان متخصصان في أمراض الجهاز الهضمي في جامعة سيدني في أستراليا أن جرثومة H.Pylori التي توجد عادة في المعدة، إن لم يعالج الالتهاب الذي تسببه هذه الجرثومة فقد يتطور إلى سرطان في المعدة. كما أثبت هذان الباحثان أنَّ هذه الجرثومة قد تؤدي أيضاً إلى الإصابة بالقرحة الأمعائية. وبسبب هذه الأبحاث منحت جائزة نوبل في الطب سنة 2005 لهذين الطبيبين. وأكثر الأمراض تفشياً في مصر هو سرطان المثانة، هذا النوع من السرطان ينتج من الالتهابات المتكررة في المثانة التي تؤدي إلى الإصابة بمرض Schistosomiasis. وتحدث هذه الالتهابات بسبب استعمال مياه نهر النيل. وللقضاء على هذا السرطان يجب أن يكون في مصر سياسة صحية تفرض بشكل كبير معالجة هذه الالتهابات في المثانة قبل أن تصبح مرضاً سرطانياً.
بالنتيجة، إذا تم القضاء على مشكلة التدخين، وعالجنا الالتهابات الجرثومية في المراحل الأولى نتمكن من منع الإصابة بالسرطان بنسبة 60 في المائة. أمَّا بالنسبة إلى الـ15 في المائة الأخرى فهي أسباب متعددة للإصابة بالسرطان. السبب الأول هو التعرض للشمس وبالأخص للأشعة فوق البنفسجية التي قد تؤدي إلى سرطان الجلد. ومن ثمّ يجب أن تكون هناك سياسات صحية صارمة في الدول التي يكثر فيها سرطان الجلد، للحماية من هذه الأشعة. وهنا لا بد أن نتطرق إلى العيادات المتخصصة في العلاج بواسطة الأشعة فوق البنفسجية لجعل البشرة أكثر سماراً. وهنا يجب وضع ضوابط ومعايير جديدة لحماية هؤلاء الذين يتلقون هذا العلاج، ويجب أن تكون هذه المراكز تحت مجهر المؤسسات الصحية دائماً.
السبب الثاني هو استهلاك الكحول بشكل مفرط. فالكحول كثيراً ما يؤدي إلى سرطان الفم وسرطان المريء، كما أنَّه سبب رئيسي لسرطان الكبد. إنَّ قليلاً من الكحول قد ينعش الإنسان ولكن كثيراً منه قد يقتله. وتزداد الإصابة بالسرطان بشكل كبير إذا اجتمع عاملان: استهلاك الكحول والتدخين معاً.
والسبب الثالث هو السمنة. هناك علاقة أكيدة بين السمنة والسرطان، وبالتالي يجب أن يحافظ المرء على وزن معين. وهنا لدينا نصائح عدة: أولاً الطعام. يجب التقليل من كمية الطعام التي يستهلكها المرء ويجب الإكثار من الوقت الذي يمضيه في الرياضة البدنية. فالرياضة هي عاملٌ مهمّ ليس فقط للحفاظ على الصحة الجسدية، بل أيضاً للحفاظ على الصحة العقلية. وثانياً نحن ننصح بالابتعاد عن استهلاك الأطعمة المصنعة والمعلبة. فهناك احتمالٌ كبير بأنَّ المواد التي تستعمل في هذه الأطعمة هي سبب مهمٌّ في انتشار السرطان وازدياد الإصابة به. ويجب العودة إلى الطعام الطبيعي الذي يخلو من الكيميائيات. وهناك إشاعة تقول إنَّ السكر قد يسبب السرطان. هذه الإشاعة لا يدعمها العلم.
والسَّبب الرابع هو التَّعرض المكثف للتلوث بمادة الـAsbestos التي تستعمل في بناء المنازل. ونصيحتي هي أن تتأكد أنَّ هذا البيت لا يحتوي على كمية كبيرة من مادة Asbestos. ويجب التشديد على أنَّ التدخين مع التعرض لـلـ«Asbestos» يسببان سرطان غطاء الرئتين وما يسمى Mesothelioma، بنسبة عالية.
وفي مسألة الوقاية يجب ألا ننسى دور الفحص الدوري. فبرأيي أهم هدية يمكن أن يقدمها الإنسان إلى نفسه هي حماية صحته والوقاية من الأمراض، وبالتالي يجب أن يخصص كل واحد منا يوماً واحداً في السنة لزيارة الطبيب. هذه الزيارة قد توفر عليك مشاكل صحية كثيرة. وما يثير إعجابي هو كيف أنَّ الناس تهتم بأمور كثيرة ولا تهتم بأهم ما لديها وهو الصحة. على المرء أن يحترم جسده قبل أن يحترم أي شيء آخر.
نعود ونقول إنَّ أهم حق للإنسان هو الحق في الحياة. وهذا الحق يمرّ بالحق في الصحة. وبالأخص أود أن أقول وأشدّد على أنَّ أهمَّ حق للإنسان على الإطلاق هو الحق في الوقاية من الأمراض. آلاف من البشر يموتون كل يوم لأنَّ دولهم لا تحترم الإنسان ولا تحترم حقه في الحياة. لذلك طالبنا وسنطالب دائماً بتحديث شِرعة حقوق الإنسان لجعل حق الإنسان في الحياة، الحق الأول والمقدس للإنسان. ليس هناك عيب على أمة أكبر من العيب أن يموت إنسانٌ فيها لعدم توفر الوقاية أو توفر المال للعلاج.
