المأساة العربية ولعنة «المقاومة»

المأساة العربية ولعنة «المقاومة»

الخميس - 9 شوال 1442 هـ - 20 مايو 2021 مـ رقم العدد [15514]
فهد سليمان الشقيران
كاتب وباحث سعودي

من المؤلم سعي محور المقاومة وميليشياتها لتجريب الإسرائيليين واختبار غضبهم كل بضع سنوات.
بعد حرب يوليو (تموز) 2006 المتسببة في مقتل أكثر من ألفي لبناني، وفي خسارة اقتصادية فادحة بلغت أكثر من ملياري دولار، قال نصر الله كلمته الشهيرة «لو كنت أعلم لما خطفت الجنديين الإسرائيليين»، وفي عام 2009 جربت «حماس» الإسرائيليين مجدداً وتسببت في مجازر كبيرة، وفي عامي 2012 و2014، حدث مثل ذلك، لكن عملية «حارس الأسوار» التي تقودها إسرائيل الآن تبدو غير تقليدية في عنفها.. إن الشعب الفلسطيني المظلوم يدفع ثمن مغامرات المقاومة وجنونها وعتهها وسفهها. تعلم حركة «حماس» أكثر من غيرها أن ليس لديها القوة الكافية حتى لردع إسرائيل، سوى رشقات الصواريخ التي تلقيها بشكلٍ فوضوي وتضرب بلا تخطيط عسكري، وبلا هدف استراتيجي. إن الحديث عن حركة «حماس» والهجوم عليها هو بالضرورة دفاع عن المظلومين الفلسطينيين.
إن المشكلة اليوم تتعلق بمفهوم «المقاومة»، الذي أخذت دلالته تتمدد منذ بواكير تأسيس الحركات «حزب الله» والكتائب الفلسطينية و«حماس»، وليس انتهاءً عند الحوثي. ومفهوم المقاومة محمل ومشحون بالآيديولوجيا الأصولية؛ فهو هنا لا يعني الدفاع عن النفس، ولا منازلة المعتدي، وإنما له سياقه السياسي والآيديولوجي والحزبي.
ارتبط مفهوم المقاومة بالتصعيد الانتحاري والضغط على العدو، لا من خلال العمل العسكري، بل عبر ثقافة الانتحار، هنا لا يشمل الموضوع فقط جهادياً في كتائب عز الدين القسام يفجّر نفسه في مقهى بالقدس أو بتل أبيب، وإنما حركة «حماس» جعلت الشعب الفلسطيني كله وغزة مطوقة بحزام المغامرة الناسف، وتحت رحمة القرار الأرعن لتجريب ردة فعل الإسرائيليين المشهورة بعنفها وسحقها، فالقوة الإسرائيلية لا ترحم وتعوّد عليها العرب في تاريخهم الحافل بالهزائم والنكبات.
في 21 نوفمبر (تشرين الثاني) 2012 كتب عادل الطريفي في هذه الجريدة مقالة مهمة عنونها بسؤال: «من يحاسب المقاومة؟»، أذكّر ببعض فقرات منها قوله «في تقرير دولي تناول أثر الانتفاضة الثانية على الفلسطينيين، لم تسقط إلا أعداد قليلة من الفلسطينيين في الأسابيع الأولى من مظاهرات عام 2000، التي كان يراد لها أن تستعيد انتفاضة 1987، ولكن قرار (حماس) وغيرها من الفصائل عسكرة الانتفاضة عبر استخدام العمليات الانتحارية، كلف الفلسطينيين ما يقارب ألفي قتيل خلال أقل من عامين (الانتفاضة الثانية: اتجاهات رئيسية، مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، أغسطس/ آب 2007). للأسف، جماعة أصولية مثل (حماس) لا تكترث للخسائر الإنسانية؛ فهي لا تزال تراهن على أن إرهاب العدو كفيل بتغيير شروط المواجهة، ولكن من يراجع مكاسب المرحلة الماضية وخسائرها يجد أن الحركة عملت على الوصول إلى السلطة عبر انتخابات سلطة أوسلو، وأظهرت علناً انتماءها إلى المحور السوري - الإيراني. لقد استعارت (حماس) أسلوب (حزب الله) اللبناني وطريقته، حيث كان - ولا يزال - يصف عملياته بالانتصارات الإلهية رغم حجم الخسائر البشرية، والخراب في البنى التحتية، ناهيك عن اختطاف سيادة الدولة، وارتهانها للولي الفقيه».
لُبّ مقالة الطريفي قوله «لقد ارتكب قادة (المقاومة) أخطاء جسيمة بحق السلم الإقليمي، وتسببوا في دمار غير مسؤول لدول المنطقة، وارتهنوا مستقبل الفلسطينيين لصالح أنظمة سيئة، ورغم ذلك لم تجرِ أي مراجعة، بل شخوصها اليوم باتوا زعماء على حساب دماء المدنيين العزل».
إن هذه الحرب بين «حماس» وإسرائيل يراد لها أن تحقق بعض الأهداف المهمة لإيران، ومنها:
* إعادة بعث مشروعية المقاومة لدى جماهير المسلمين، انطلاقاً من قدسية مفترضة لكل من تستهدفه إسرائيل، مستفيدة من الأذرع الإعلامية والدعائية الدائرة في فلكها، ويندمج مع محاولة الإحياء هذه بعث الخطاب الإخواني من مرقده وقد سمعنا مفرداتٍ مثل «أمة المليار» أو غيرها من العبارات العاطفية التي تدغدغ مشاعر العامة، بينما الحرب يجب أن ينحى عنها الشعب الفلسطيني المظلوم، وأن تكون المحاسبة سياسية بحتة بين «حماس» وإسرائيل.
* إن المعيارية الأخلاقية التي تطوّق الحديث عن فلسطين صنيعة إخوانية، ويكررها اليوم جمع من المثقفين والأكاديميين، من هنا يحاول المحور إعادة ضخ الخطاب الإخواني بكل ما أوتي من قوة، وجعل المعجم الإخواني حول فلسطين هو المثبت للتحليل السياسي والتعاطي الإعلامي مع كل حربٍ تشنها إسرائيل، وهذا فيه إجحاف وإنكار للتطور التي حدث لدى عددٍ من الشعوب العربية، وبخاصة التي اختارت السلام، ووقعت اتفاقيات التسامح والتصالح بين أتباع الأديان، كما أن هذه الضربة والمغامرة الحمساوية إنما تستهدف تأخير أي اتفاق سلامٍ مزمع، إنهم يعوّلون على حرجٍ افتراضي أمام أي دولة تعتزم توقيع اتفاقية سلام.
* الهدف الآخر، إنقاذ الفيالق المهزومة من محور المقاومة، ومنها جماعة الحوثي. الحكومة اليمنية على لسان الأرياني قالت «تحاول جماعة الحوثي استثمار مشاعر اليمنيين إزاء الأحداث التي تشهدها مدينة القدس والأراضي المحتلة، وما يتعرض له الشعب الفلسطيني من قتل وتدمير على يد آلة البطش الإسرائيلية، لتنظيم حملات جمع للأموال لتمويل المجهود الحربي، والزج بمزيد من المغرر بهم لقتل الشعب»، وعلّق كاتب الخبر المنشور بهذه الجريدة، بأن «الجماعة الحوثية كثّفت في الأيام الأخيرة من حملات التجنيد في أوساط الشبان وصغار السن في 10 محافظات يمنية تحت سيطرتها للدفع بهم لجبهات القتال في مأرب وغيرها، وقامت أخيراً بتوجيه دعوات وصفت بالاحتيالية لتجنيد المئات من السكان والمواطنين لإشراكهم في القتال الدائر في مأرب تحت مزاعم (القتال في فلسطين)».
لقد خسرت الشعوب اللبنانية والسورية والفلسطينية واليمنية مبالغ باهظة، وانهارت اقتصادات، وترنحت الشعوب حائرة تحت سطوة سلطات بليدة مغامرة. مثلت قضية فلسطين طوال العقود الماضية للسياسيين مصيدة أخلاقية تبرر للشعوب جرائمها، إذ دُكت دول وعواصم واحتُلت بلدان بأكملها وهُجّر الملايين باسم المقاومة وباسم فلسطين، إذا كانت الشعوب عازمة على التنمية عليها بالفعل أن تؤسس لمحاكم تقاد فيها زعامات المقاومة إلى العدالة، حين تتطور ثقافة الانتحار من تفخيخ جسد الفرد، إلى تشريك عواصم ومجتمعاتٍ بأكملها فإن هذه جريمة ضد الإنسانية؛ لذلك يتعاطف الجميع مع المآسي لأن ضحاياها رهائن مختطفة من قبل قوى ظلامية تخضع لدول مارقة.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو