شيخوخة «أوسلو» وشباب ما بعدها

شيخوخة «أوسلو» وشباب ما بعدها

الجمعة - 3 شوال 1442 هـ - 14 مايو 2021 مـ رقم العدد [15508]
نبيل عمرو
كاتب وسياسي فلسطيني

مضت سنوات طويلة على إبرام اتفاقات وتفاهمات أوسلو، وبينما كانت المقدمات المتفائلة تَعِد بحل جذري لقضية الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي، بما في ذلك إنهاء الاحتلال وقيام الدولة الفلسطينية... وقعت تطورات أوصلت المقدمات المتفائلة إلى خلاصات كارثية، أوضحها انفتاح المدى أمام حروب إسرائيلية - فلسطينية، سجّلت بمجموعها رقماً قياسياً في الخسائر.
وعود «أوسلو» أفضت إلى مستحيل، أما ما بقي منها فقد صار عبئاً ثقيلاً على الفلسطينيين. أهل «أوسلو» الذين صنعوها لم يُخفوا خيبة أملهم من مآلاتها، فتسيّدوا منصات انتقادها حتى بلغ الأمر وصف مولودها البكر (السلطة الوطنية) بأنها حتى على صعيد محدودية الحكم الذاتي أضحت سلطة بلا سلطة، إلا من وجود هوامش ضيقة للغاية تتيح لوزاراتها وباقي مؤسساتها بعض إدارة جزئية في كل الشؤون الفلسطينية، ذلك أن الواقع الجديد الذي خلّفته بقايا اتفاقات أوسلو سَلَب السلطتين الفلسطينيتين المتنابذتين أي قدرات جدية لإدارة ناجعة، ففي غزة كما في الضفة دخل الجميع متاهة لا مَخرج منها تكوّنها سلسلة أزمات إدارية واقتصادية لا فرص فعالة لمعالجة أي منها، ومما زاد طين أوسلو بلة، إحجام رعاتها الإقليميين والدوليين عن التدخل ولو بالحدود الدنيا لمتطلبات إدارة الأزمات.
كان التدخل في البدايات يتم بفاعلية لتوفير فرص نجاح لمشروع السلام الدولي وإعادة الطرفين إلى طاولة المفاوضات، أما الآن فقد ضَعُف هذا التدخل حد التلاشي، وفي حالات قليلة صار يتخذ صفة الوساطة إما لتجميد إجراءات إسرائيلية وإما لتأجيلها، وعلى سبيل المثال لا الحصر حكاية أموال المقاصة وكيف تمت معالجتها، ويا ليت الأمر توقف عند هذه النقطة، بل صارت المقاصة التي كانت محمية دولياً مادة ضغط فعالة وربما حاسمة تمارَس تحت سمع العالم وبصره وفق أجندات التحكم والسيطرة وفرض الأمر الواقع الإسرائيلي على الأرض والناس، أما التدخل الدولي فقد آل إلى أن يتخذ سمة التكيف مع الأجندات الإسرائيلية وطلب الرفق في تنفيذها.
أخطر ما في الأمر أن شيخوخة «أوسلو» بشخوصها ورعاتها وموت وعودها أدت وبصورة تلقائية إلى نشوء حاضنة جديدة تفرخ عنفاً من النوع الذي لا ينهض بقرار كما لا يتوقف بقرار، وهذا ما يُقلق سدنة «أوسلو»، فما معنى سلطة وقيادة تُفاجأ بأحداث انطلقت من صميم مناطقها وبمبادرات من شعبها، ليس ذلك فقط وإنما لا تملك مؤهل توجيهها ولا حتى وقفها أو تهدئتها إذا ما طالب الضغط الإقليمي والدولي بذلك. هذا على صعيد الطرف الأضعف من طرفي «أوسلو» الشائخة والمحتضَرة.
أما على الصعيد الإسرائيلي فالقلق أعمق وربما أشد، فهي تجد نفسها أمام أحداث تتصاعد وتخبو وبين الجولة والتي تليها تكتشف أن سعيها لترويض الفلسطينيين داخل أقفاص الأمر الواقع الإسرائيلي لا ينتج سوى كل ما هو سلبي ومشوش، فأين القدس الموحدة عاصمة إسرائيل الأبدية بوجود مئات آلاف الفلسطينيين داخل وخارج أسوارها؟ وأين القوة الاقتصادية المتفوقة وجزء كبير منها ينفَق لأسرلة القدس، وأين إنفاق موسكوفيتش الخيالي لشراء ما لا يمكن بيعه من قبل الفلسطينيين؟
إن إسرائيل المتفوقة مادياً في كل شيء تجد نفسها أمام جبهة أخطرُ ما فيها عدم قدرتُها على تحديد مرجعياتها ما دام شباب ما بعد «أوسلو» هم صناعها وما دامت إجراءاتها للسيطرة على حاضر ومستقبل القدس والفلسطينيين عموماً لا تفضي إلا إلى المزيد من ردود الفعل التي رأينا عينات منها في موقعة البوابات والكاميرات والحواجز الحديدية في باب العامود، ثم الإعداد لاقتلاع مواطنين من بيوتهم في «الشيخ جراح» بحجة أن القضاء الإسرائيلي الذي لا يعترف به الفلسطينيون يقرر ذلك.
أخيراً وبصرف النظر عن السجال الفلسطيني الداخلي حول ما إذا كانت «أوسلو» هي السبب فيما يجري الآن أو لم تكن، فإن الحقيقة الأكثر حضوراً على ساحة الصراع تقول إن حرباً حلّت محل سلام كان مرتجى وأن جيل ما بعد «أوسلو» الشائخة والمحتضَرة لا سيطرة عليه.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو