ومن الخوف ما قتل!

ومن الخوف ما قتل!

الثلاثاء - 6 جمادى الأولى 1436 هـ - 24 فبراير 2015 مـ رقم العدد [13237]
حسين شبكشي
اعلاميّ ورجل اعمال سعوديّ وعضو مجلس ادارة شركة شبكشي للتّنميّة والتّجارة وعضو مجلس ادارة مؤسّسة عُكاظ للصّحافة والنّشر

كنت في غداء مع الوالدة حفظها الله، وكانت بمعيتنا أختي وأبناؤها، فقالت لها: «الله يعين أولادكم على القادم من الأيام، أيامنا غير أيامكم تماما، أيامكم أصعب».
تأملت في معنى كلامها بتأنٍّ ودقة وعمق وعكست كلماتها وأسقطها على الواقع الذي نعيش فيه اليوم، وحاولت «توقع» ما هو آتٍ بناءً على ما حصل من قبل، ولا أستطيع إلا أن أقول إن القادم مذهل أكثر. هناك «مَشاهد» لم نعتَد عليها من قبل، وأصبحت هي المسيطرة على الذهنية العامة في العالم العربي اليوم بشكل لا يمكن إنكاره أبدا، مَشاهد قد تكون مخيفة ومقلقة ومرعبة ومحيرة في آنٍ واحد، يزيدها حدة وخطورة سرعة انتشارها وتواصلها بسبب فعالية وقوة وتأثير التقنية الحديثة وأدوات ووسائل الاتصالات بشتى أنواعها.
لأن «الأحداث» مثل دائرة التاريخ تدور وتتكرر فعلى الأغلب هذه الأحداث حصلت من قبل، ولكن بصورة مختلفة لم يعرفها في نفس الوقت صوتا وصورة مما يزيد من هول ومن تأثير الفعالية الخاصة بأي موقف.
حالة اليأس والخوف والقنوط المصاحبة لما يحدث اليوم مفهومة جدا، فالخوف هو أحد أهم مسببات الاضطراب الاجتماعي والسياسي التي لها آثار فورية وواضحة على المجتمعات عن طريق السياسات والقرارات التي يتم اتخاذها في وسط هذا المناخ المضطرب وغير المستقر أبدا.
ولعل «الخوف» اليوم بات أحد أخطر المؤثرات التي تتحكم في الرؤية المستقبلية على المستوى الشخصي والجمعي، فتكون بالتالي مصدر تأثير على السياسة الاقتصادية بشكل عام، لأن القرار في هذه الحالة لن يكون قرارا موضوعيا إطلاقا، وهو ما يفسر حالة التذبذب التي يمكن قياسها في مناطق يسكنها القلق والاضطراب مثل العالم العربي وأوروبا على سبيل المثال، وخصوصا في حدود أوروبا مع روسيا المسعورة هذه الأيام.
عندما يسيطر عامل الخوف والقلق بشكل مبالغ فيه سيحجب الرؤية تماما عن إمكانية التعامل بعقلانية مع ما هو آتٍ وما هو معقول وما هو مطلوب، فيكون اللجوء إلى حالة «التجميد» أو «اللاقرار» من باب الأمان ومن باب الحرص ومن باب التأني، وهي مسألة في غاية الخطورة، لأنها تؤدي إلى حالة إدارية أشبه بالجمود التام والشلل الكلي. فالقيادات الواثقة تتخذ القرارات الصعبة حتى ولو كانت غير شعبية، لأنها قرارات مبنية على الرؤية وليست على رغبات الناس، وهناك فارق كبير بين الحالتين ينعكس تماما على النتائج التي تلي ذلك وهي البرهان الأعظم والأهم.
نعم، قد يكون الخوف مسألة مشروعة ومحقة ومطلوبة، ولكن المبالغة فيها مسألة في غاية الخطورة، لأنها تنقل التفكير من حال التدبر والتأمل واتخاذ القرار الصائب إلى حالة من القلق والشك والاضطراب والتردد، حتى يصل الأمر إلى عجز تام في اتخاذ القرار وتليه نتائج مخيبة ووخيمة، وهذا قد يفسر كثيرا من المشاهد القديمة التي عايشناها وحضرناها. قتل الأحلام والآمال يكون بالخوف منها.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة