ما حقيقة التهديد المغربي للأمن الجيو ـ استراتيجي لإسبانيا؟

ما حقيقة التهديد المغربي للأمن الجيو ـ استراتيجي لإسبانيا؟

الثلاثاء - 30 شهر رمضان 1442 هـ - 11 مايو 2021 مـ رقم العدد [15505]
لحسن حداد
برلماني ووزير مغربي سابق

أصدر «معهد الأمن والثقافة» الإسباني أخيراً دراسة من توقيع ثلاثة «خبراء في الأمن» (كيارمو كولوم بيالا، وكيارمو بوليدو بوليدو، وماريو كيامو رومان، الذين هم في الحقيقة طلاب دكتوراه فيما يسمى الأمن والدراسات الاستراتيجية، إما حديثو التخرج أو على أهبة مناقشة أطروحاتهم) أعطوها اسماً مثيراً هو «المغرب ومضيق جبل طارق والتهديد المحتمل لإسبانيا».

ليست الدراسة، الموجودة فقط باللغة الإسبانية، ذات قيمة أكاديمية وعلمية عالية، ولكن مع ذلك نالت اهتمام مواقع إسبانية مثل «الإسبانيول» و«سيرفي ميديا» و«فوس بوبولي» و«أوروبا سور» و«لا تريبون ديل بايز باسكو»، وهو أمر تُشْتَم منه رائحة التحكم من بعد من طرف جهات معينة لها علاقة بالدولة العميقة الإسبانية.

من السهل الانسياق وراء طروحات مؤامراتية من هذا القبيل، ولكن توقيت إصدار هذه الدراسة، وطبيعة من قاموا بها، وكيف جرى التسويق لها إعلامياً، يطرح أكثر من سؤال حول من يقف وراءها؟ وما الغرض من ذلك؟ وهل تحمل رسائل مشفرة للرأي العام الإسباني وللجانب المغربي كذلك؟ (مواقع مغربية مثل «هيسبريس» وغيره التقطت الإشارة وكتبت حول الموضوع كذلك).

في انتظار الجواب عن هذه الأسئلة لنحلل الأطروحات الناظمة لهذه الدراسة. ولكن قبل ذلك تجب الإشارة إلى أن مضامين هذه الدراسة تعكس قناعة متجدرة لدى جزء ليس باليسير من الرأي العام الإسباني والنخبة المثقفة ورواد الرأي ورجال ونساء الإعلام.

نعم هناك خوف تاريخي من «الموروس»، أي المسلمين الذين فتحوا الأندلس ومكثوا فيها ثمانية قرون. وفي المخيال الإسباني هذا الوافد ليس أموياً أو أمازيغياً أو عربياً ولكنه مغربي حتى النخاع، وهناك استمرارية إثنية وثقافية وسياسية غير منقطعة بين من فتحوا الأندلس في القرن الثامن الميلادي وبين مغاربة القرنين العشرين والواحد والعشرين. أضف إلى ذلك أن هناك قناعة راسخة لدى الرأي العام ورواد الرأي الإسبان بأن المغرب له أطماع توسعية في المنطقة، ويستعمل قضايا الهجرة ومحاربة الإرهاب كوسائل للمقايضة والضغط للحصول على تنازلات من الطرف الإسباني.

حين سألت قبل أسابيع الصحافي الإسباني المتخصص في شؤون المغرب والجزائر، إنياسيو سمبريرو، عبر «تويتر»، عن أمثلة من هذا الضغط المغربي المُفترَض على إسبانيا لم يستطع أن يأتي بشيء مقنع، ولكن القناعة راسخة، وتشكل أحد أعمدة التصور الإسباني الشعبي (وحتى الرسمي) للعلاقة التاريخية والسياسية بين البلدين.

لنرجع إلى الدراسة موضوع نقاشنا هنا: الأطروحة الناظمة لها هي أن «الاعتراف الأميركي الأخير بسيادة المغرب على الصحراء الغربية سيخلق تحدياً للأمن القومي الإسباني» وسيؤدي إلى محنة «مُزدوَجة» للجانب الإسباني تتمثل في أن الصراع بين المغرب والجزائر وسباق التسلح بينهما سيصل إلى «مستويات عليا من المواجهة» ستكون له عواقب وخيمة على «الأمن في مضيق جبل طارق». هذا من جانب، من جانب آخر فإن تطوير المغرب لمنظومته الحربية ولجاهزية جيوشه، وتحكمِه المتزايد في السيادة على الصحراء، سيكون له تأثير على ما سماه كُتاب الدارسة «الوحدة الترابية لإسبانيا». ما تعنيه هذه الجملة الأخيرة، هو أنه حال انتهائه من بسط السيادة على الصحراء، سيمر المغرب إلى الضغط على إسبانيا للخروج من مدينتي سبتة ومليلة. سنحلل هذا الأمر أسفله، ما يهمنا هنا هو أن أصحاب الدراسة عللوا هذا الطرح بكون المغرب له أطماع لاسترجاع أمجاد المغرب «الكبير» المترامي الأطراف (أي المغرب الإمبراطوري إبان حكم المرابطين والموحدين والسعديين)، وأن المطالبة بسبتة ومليلية تدخل ضمن مخطط لإحياء هذا الحلم.

فكرة «المغرب الكبير» أطروحة خاطئة رُوج لها منذ عقود للدفع بدول في الساحل وأفريقيا لأخذ الحذر من «أطماع المغرب» في الصحراء، ولكن الإسبان، خصوصاً المتشبعين منهم بنظرية المؤامرة، استعملوها لشرح مواقف المغرب تجاه قضايا الهجرة وسبتة ومليلية والصحراء على أنها جزء من هذا المخطط البعيد المدى.

المثير في الدراسة هو أنها شككت في قيمة الإنفاق المغربي على الجيش على أنها «لعبة محاسباتية»، وعلى أن الأمر يتعلق بمبالغ أكبر بكثير مما يتم الإعلان عنه من دون تقديم أي إثباتات في الموضوع؛ كما أنها لم تُشِرْ ولو بطريقة عابرة إلى أن مشكلة سبتة ومليلية هي قضية تصفية استعمار من المنظور المغربي؛ ولم تحلل تشبت المغرب بوحدته الترابية، كذلك حين تطرقت لوحدة إسبانيا الترابية؛ وترى في نهاية مشكلة الصحراء إعلاناً لبداية مسلسل مطالبة المغرب بسبتة ومليلية، وترى أن المغرب يقايض سكوته على المدينتين المحتلتين بمدى التزام إسبانيا بخط لا يعاكس الأهداف السيادية للمغرب في الصحراء، وهي أطروحة تؤكد بشكل مُضمَر ممارسة الجانب الإسباني (أو جزء منه) لمقايضة من نوع آخر، أي أن إبقاء مشكلة الصحراء عالقة يخدم مصلحة إسبانيا في سبتة ومليلية، ما دام المغرب سوف لن يفتح جبهة في الشمال في الوقت الذي يواجه فيه تحديات في الجنوب.

من جانب آخر، صحيح أن ترسيم المغرب لحدوده البحرية - كما أشرت في مقال بـ«الشرق الأوسط» تحت عنوان «أبعاد ترسيم المغرب لحدوده البحرية... وحتمية الحوار مع إسبانيا»، في 09 فبراير (شباط) 2020 - سيتطلب تقريب وجهات النظر بين الطرفين الإسباني والمغربي، خصوصاً فيما يخص المياه البحرية الموجودة بين جزر الكناري والصحراء المغربية، وكذا استغلال الجرف القاري الواقع جنوب جزر الكناري، ولكن كُتاب الدراسة لا ينظرون لذلك، شأنهم شأن الكثير من رواد الرأي الإسبان، على أنه مصدر محتمل لتكامل اقتصادي وتعاون بين البلدين يهدف للاستغلال المستديم لثروات البحار المشتركة بينهما، بل على أنه تأكيد لأطماع توسعية لدى الجانب المغربي تحمل تهديداً مباشراً لإسبانيا.

ما نستنتجه من هذه الدراسة، هو أنها تعكس أطروحات خاطئة لدى جزء مهم من الرأي العام الإسباني على أن المغرب مصدر قلق قد يصل إلى تهديد استراتيجي، رغم تداخل المصالح والمستوى المتطور للعلاقات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية بين البلدين. تؤكد الدراسة كذلك عدم وجود رغبة لدى جزء من النخبة الإسبانية لفهم أهداف المغرب في استكمال تحرره من الاستعمار، رغم تجدر الممارسة الديمقراطية المناهِضة للاستعمار داخل المجتمع الإسباني. وأخيراً، تبين الدراسة أن التطور الاقتصادي والتكنولوجي والعسكري المغربي يجب أن يكون مُرْفَقاً باستراتيجية إعلامية متميزة لدى الشركاء مثل إسبانيا وفرنسا، لتطمينهم حول مشروعية مطالبه الترابية وسلمية طرقه وعمله، وضرورة تلازم القوة الاقتصادية الصاعدة بضرورة الدفاع عن حدوده ووحدته الترابية ومصالحه الحيوية.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو