آندي موخرجي
TT

الأموال ستصبح رقمية لكن هل ستغدو ذكية؟

من الممتع مشاهدة الأطفال الصغار يتعلمون كيفية استخدام الأموال النقدية في شراء قطعة مثلجات وإعطاء الباقي لنا. ومع هذا، فإن أجمل ما يشعر به المرء، عندما تحيطه آلات بحاجة للتعامل الصبور معها فيما يخص استخدام الأموال، هو التأكد من أن الثلاجة تخزن الخضراوات الصحيحة بالكميات الصحيحة قبل أن تسدد المال المطلوب للروبوت المعني بتوصيل الطلبات للمنازل.
وإذا نفذنا هذا الأمر يومياً مع كل من الـ15 جهازاً التي نملكها ومتصلة بالإنترنت، فإن هذا يعني أنه لن يكون لدينا شيء آخر لنفعله في مستقبل إنترنت الأشياء.
على هذا الصعيد، لن يكون باستطاعة النظام المالي التقليدي تقديم فائدة تذكر. باستطاعة البنوك تسوية المدفوعات السريعة. وبدعم من النظام القانوني، يمكن للوسطاء جعل أجهزتنا تفي بالتزاماتنا. ومع ذلك، فإنه عندما يتعلق الأمر بسداد مدفوعات تتوقف على تسليم منتج أو خدمة ما، فإن التكنولوجيا الحالية ستصبح مرهقة لدى توصيل كل شيء بفضاء الإنترنت.
وهنا يظهر دور المال الذكي أو القابل للبرمجة، ذلك أن خطوط كود التشفير، التي تعتمد على تكنولوجيا «دفتر الأستاذ الموزع» مثل سلسلة كتل (بلوكتشين) «إيثيريوم»، ستتولى حساب مبلغ الدفع الصحيح، وتأتي متضمنة لنقل القيمة من طرف إلى آخر. وسيحتوي المال ذاته على هذه القدرات.
كان «ساند دولار» البهامي أول عملة رقمية يصدرها بنك مركزي في العالم، لكنها لم تبقَ وحدها لفترة طويلة. من الصين إلى السويد، تستعد السلطات الرسمية لتقديم خدمة النقد الإلكتروني. على سبيل المثال، شكلت بريطانيا فريق عمل لدراسة إصدار «بريتكوين». وإذا سارت بريطانيا في هذا المسار بالفعل، فإنه لن يمر وقت طويل قبل أن نشهد صدور اليورو الرقمي وعملة رقمية أميركية فيدرالية أيضاً.
ومع ذلك، ثمة حذر مزدوج يقود هذه التجربة، ذلك أن بعض البنوك المركزية تخشى التأثير المتزايد للعملات المشفرة مثل «البتكوين»، بينما يشعر البعض الآخر بالقلق إزاء القوة السوقية المتنامية لشركات التجارة الإلكترونية والمدفوعات المعتمدة على بيانات من مليارات المعاملات.
ويشكل التنافس بين الولايات المتحدة والصين على الهيمنة المالية العالمية دافعاً آخر على هذا الصعيد. وفي خضم كل ذلك، يتساءل المستخدمون الذي تتملكهم الحيرة: «ما النفع الذي سيعود عليّ من وراء كل ذلك؟»
تكمن الإجابة الموجزة عن هذا التساؤل في؛ اسأل سيارتك المستقبلية، ذلك أن الفائدة الحقيقية من وراء إصدار البنك المركزي لعملة رقمية تتحقق عندما تدفع آلة متصلة بالإنترنت لآلة أخرى، دونما الحاجة لطلب إذن منا في كل مرة.
في الوقت الحاضر، نفكر في الأموال التي ننقلها من حساب مدخرات إلى المحفظة الرقمية باعتبارها نقداً، رغم أن الدولارات أو الجنيهات أو الين الذي يجري إنفاقه مسؤولية مشغل المحفظة. إن مهمة الجهة السيادية تدور حول تصفية سندات دين المشغل، أو البنك الذي يتعامل معه. وتضطلع السلطة النقدية بهذه الوظيفة من خلال الخصم من حساب وإيداع المال لدى آخر. وتعتبر هذه هي اللحظة التي تجري فيها تسوية المعاملة التي بدأناها عن طريق الدفع رقمياً لشخص ما على نحو دائم. ومع النقد الرقمي الرسمي، تنتقل المسؤولية عن الأموال ببساطة من المشغل إلى البنك المركزي. وبمرور الوقت لن يجد أحد اختلافاً كبيراً بين النقد الرقمي في الحياة اليومية عما اعتدنا عليه بالفعل. إلا أنه يتعين علينا أن نمنح هذا المجال 5 أو 10 سنوات، وقد تتبدل حياتنا.
ويمكن للمال القابل للبرمجة تبسيط الحياة. على سبيل المثال، استكشف تقرير صدر عن مجموعة عمل «بندسبانك» 9 استخدامات محتملة له، من استرداد الأوراق المالية المستحقة كل سبت إلى المدفوعات غير المتصلة بالإنترنت والتحويلات عبر الحدود والمعاملات من آلة أخرى. وفي بعض الحالات، يمكن للتمويل التقليدي الارتقاء لمستوى التحدي من خلال دمج العقود الذكية المعتمدة على «بلوكتشين» في سير العمل.
ويمكن للعملات المشفرة الاضطلاع هي الأخرى بتلك المهمة، لكنها «ربما لا تكون مناسبة من الناحية العملية بسبب التقلبات في القيمة ومحدودية قابلية العمل البيني ومسائل تتعلق بالجانب القانوني»، حسبما ذكرت الدراسة.
وأشارت الدراسة إلى أنه يمكن لجهات الإقراض التجارية إصدار أموال رمزية خاصة بها، لكن «تحويل أموال كبيرة بين حسابات عملاء البنوك التجارية المختلفة ربما يكون محفوفاً بالمخاطر».
وعليه، فإنه ربما يكون من العملي أكثر أمام البنوك المركزية جعل عملاتها الرقمية ذكية. ويمكن للقطاع الخاص الاضطلاع بمسألة البرمجة. وبذلك، ستتكفل الأموال التي نضعها في محفظة السيارة بالوقود ومصاريف وقوف السيارة ورسوم المرور. ويمكن للتطبيق الخاص بالثلاجة خصم عنصر ما عبر الإنترنت نسيت البقالة تسليمه، وسداد باقي الفاتورة دون العبث بالتسليم بأكمله.
أما النقطة السلبية هنا فهي أن أطفالنا قد يكبرون من دون أن يتعلموا كيفية عد الفكة، لكن طالما أن المربية الروبوت تشتري لهم المثلجات وتسدد ثمنها قبل ذوبانها، فلا يحق لنا الشكوى.