الثقافة الاجتماعية هزمت الاقتصاد في الملعب

الثقافة الاجتماعية هزمت الاقتصاد في الملعب

الأحد - 13 شهر رمضان 1442 هـ - 25 أبريل 2021 مـ رقم العدد [15489]
عادل درويش
معلّق سياسيّ مصري مراسل في برلمان ويستمنستر وداوننغ ستريت، ومؤرخ متخصص فى السياسة الشرق اوسطية.

القصة الأولى في الصحافة بكل النشرات الإخبارية لـ72 ساعة في مطلع الأسبوع كانت كرة القدم، ليس لأنها اللعبة الشعبية الأولى، بل لأزمة وراءها الاقتصاد والثقافة الاجتماعية قبل السياسة.
تفجرت الأزمة بإعلان الأندية التي تشمل أشهر فرق كرة القدم الأوروبية (ستة منها في إنجلترا وثلاثة في إسبانيا وثلاثة في إيطاليا) تأسيس ما يعرف بـ«السوبرليغ» (super-league).
«ليغ»، تعني رابطة أو جمعية منظمة في لائحة، لكنها تعني في الرياضة ما يقابله في مصر، وكثير من البلدان العربية، بمسابقة الدوري العام.
تتنافس فرق الكرة في مباريات، وتحسب النقاط بالانتصار أو التعادل للحصول على أكبر عدد من النقاط للفوز ببطولة الدوري. و«السوبرليغ» يعني الدوري الممتاز، وهو دوري أوروبي وإن كان يشمل أندية من ثلاث دول فقط، واحدة منها خرجت من الاتحاد الأوروبي بالفعل، أي أن هذا التنظيم لا يشمل أعضاء على أساس التعريف السياسي، أو حتى التعريف الرياضي بالفوز؛ فـ«السوبرليغ» لا يشترط الفوز بالدوري في بلد الفريق. الفرق الاثنا عشر هي الأغنى من الناحية المالية، أي أنه دوري الأثرياء فقط. ويلاحظ البعض غياب الأندية الألمانية والفرنسية منه، والسبب أن الفرق الـ12 تحاول تقليد النظام الأميركي في السوبر - بول مثلاً، وهو دوري لأشهر وأغنى الفرق الأميركية. والأندية الاثنا عشر شركات قطاع خاص أو مملوكة لأثرياء بعكس الأندية الألمانية مثلاً التي تعد مساهمة كجمعيات تعاونية، المشجعون والأعضاء واللاعبون والجمهور يحملون أسهمها.
الأمر أثار اعتراضات واسعة، من مراقبين، وساسة، كرئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون، وشخصيات عامة محبوبة سواء من المؤسسة الملكية، كالأمير ويليام حفيد الملكة إليزابيث وابن ولي العهد، أو لاعبين مشاهير، واتحاد كرة القدم الإنجليزي، ووزير الرياضة والثقافة والفنون الذي أبدى اعتراضه في البرلمان. الأهم هو جماهير كرة القدم نفسها التي تظاهرت أمام الأندية الإنجليزية الستة المشاركة، في لندن ومانشستر وليفربول.
الفرق الإنجليزية الستة انسحبت بعد 72 ساعة من الاحتجاجات المتواصلة، وبالتالي انهارت المحاولة.
لكن الحكاية أثارت التساؤلات، وسيقف عندها المؤرخون والاقتصاديون وخبراء العلوم السياسية طويلاً.
فمن الناحية السياسية، وجدت الحكومة البريطانية المحافظة نفسها في مأزق حقيقي. فرغم المطالبة الشعبية والرأي العام بمنع الفرق الإنجليزية الستة من المشاركة، لم يكن أمام الحكومة ما تستطيع أن تفعله، عملياً. ولم يستطع وزير الرياضة والفنون الإجابة عن أسئلة الصحافيين ونواب مجلس العموم، فيما يمكن عمله بالفعل.
فالأندية شركات خاصة، فهل تستطيع الحكومة تأميمها مثلاً؟
أمر غير وارد.
أما مسألة فرض عقوبات فليست قانوناً بيد الحكومة؛ أما فكرة منع اللاعبين في هذه الأندية من تمثيل البلاد في الفريق القومي الإنجليزي في المسابقات العالمية، فهو أيضاً قرار مدير الفريق الذي يعينه اتحاد كرة القدم المستقل عن الحكومة.
وحتى لو كانت الحكومة قادرة على معاقبة الفرق، فإن فرض عقوبات على شركة قطاع خاص أمر يهدم حرية السوق ويقوض بنيان التعامل الاقتصادي في العالم الرأسمالي، خصوصاً أن السبب الرئيسي وراء قرار هذه الأندية كان اقتصادياً بالدرجة الأولى.
اقتصاد كرة القدم في الدوري الأوروبي الممتاز بشكله الحالي كان أكثر من 25 مليار جنيه إسترليني عام 2019، خمسة مليارات منها من مساهمة الفرق الأولى التي تشترك في الدوري الإنجليزي كل عام.
دوري الدرجة الأولى الإنجليزي بدوره أسهم بسبعة مليارات من 600 مليون جنيه إسترليني في الدخل القومي البريطاني عام 2019، كما أن شركات إنتاج الملابس والمعدات الرياضية يتداخل اقتصادها أيضاً مع اللعبة الشعبية - فمساهمة الشركات (ليس بالإعلان فهذا حسابه مختلف، وإنما بملابس وأحذية فرق تقدم للأندية تحمل اسم الشركة المنتجة) بلغت 350 مليون جنيه إسترليني في 2019.
الأندية الاثنا عشر الأوروبية تعاني من خسائر اقتصادية، ومجموع خسارتها يتجاوز ما قيمته ملياران و300 مليون جنيه إسترليني في الفرق ما بين الدخول من المباريات في عام 2019 وعام 2020 بسبب إلغاء دخول الجمهور للمباريات حماية من نقل عدوى وباء «كوفيد - 19».
أكثر الأندية خسارة كان مانشستر يونايتد، حيث خسر أكثر من 118 مليون جنيه في العام، ويليه نادي برشلونة بخسارة 114 مليوناً، فأتلتيكو مدريد الإسباني وتوتنهام اللندني، وكلاهما خسر 68 مليوناً و400 ألف جنيه إسترليني، وإنتر ميلانو بـ65 مليوناً و700 ألف جنيه، وريال مدريد بـ60 مليوناً و800 ألف جنيه، وليفربول الإنجليزي بـ63 مليوناً و100 ألف جنيه، أما أقل الأندية خسائر فكان تشيلسي اللندني بـ40 مليون جنيه و300 ألف. وسعة الملاعب عشرات الآلاف، وإذا عرفنا أن ثمن التذكرة الواحدة في مباريات الدوري الإنجليزي يتراوح بين 30 و97 جنيهاً للتذكرة الواحدة، وحتى لو أعيد فتح الملاعب فستستمر الأندية في الخسارة، لأن مسافات التباعد تعني أن الملاعب ستنتقص سعتها بمقدار الثلثين إلى النصف للاستمرار في احتياطات وإجراءات السلامة.
كانت فكرة الأندية هي الاعتماد على دخل التلفزيون، وكان الدخل لأندية الدوري الإنجليزي العشرين (وليس الستة المارقة فقط) من شبكة سكاي الرياضية وحدها خمسة مليارات و100 مليون ما بين 2016 و2019 بمعدل 10 ملايين للمباراة الواحدة. والعقود توقع على فترة خمسية، بينما «بي بي سي» في الفترة نفسها دفعت 204 ملايين جنيه لنقل المباريات على المستوى القومي، وثلاثة مليارات لنقلها خارج الوطن.
ورغم ركوب عدد من الساسة الموجة وعجز الحكومة اقتصادياً وقانونياً عن منع قيام «السوبرليغ»، فإن الضغط الشعبي من جماهير كرة القدم والمشجعين، والتظاهر أمام الأندية، واستجابة اتحاد كرة القدم الذي هدد بطرد الأندية الستة (آرسنال، وليفربول، وتشيلسي، ومانشستر يونايتد، ومانشستر سيتي وتوتنهام) من دوري الدرجة الأولى الإنجليزي، وحرمان لاعبي هذه الأندية من الاشتراك في الفريق القومي الإنجليزي، هو ما دفعهم للتراجع عن الفكرة.
السبب أن الثقافة القومية الاجتماعية للشعب الإنجليزي تقدس الاسم والصفة (Fair ،Fairness)، ولهما معانٍ كثيرة؛ أهمها الصفاء والناصع، والعدالة، والمساواة.
فنادٍ يدخل «دوري» ممتازاً بسبب ثرائه وليس لمهارة لاعبيه بالفوز بالدوري مثل دخول تلميذ بليد رسب في الامتحان جامعة عريقة، لأن أسرته الثرية تمتلك المبنى، مقابل حرمان طالب مجتهد نجح في الامتحان لافتقاره مصاريف الدراسة.
والدرس أنه حتى في قلعة الرأسمالية نفسها، لا يستطيع الاقتصاد وحده التغلب على تيار شعبي يسير بطاقة الثقافة الاجتماعية السائدة.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة