رضوان السيد
كاتب ومفكر ومترجم سعودي من أصل لبناني. أستاذ الدراسات الإسلامية في الجامعة اللبنانية.
TT

شيطنة الغرب للانتقام من مظالمه

استمع إلى المقالة

كنت أحسب أنَّ للدعوات المشتعلة في أوساط مثقفينا ضد الغرب (الغرب كله: أوروبا وأميركا) علاقةً بمشاعر وسياسات الإسلاموفوبيا في أوروبا الجديدة. بيد أنَّ الحرب على غزة ذكّرتني بأمرين: أنَّ التيارَ الثقافي المعادي للغرب في أوساط المثقفين العرب والعالمثالثيين أقدمُ من الإسلاموفوبيا - وأنَّ العنفَ باسم الإسلام مثيرٌ للمخاوف بالفعل بعد حالة «القاعدة» (2001) وحالة «حماس» (2023). لكن على الرغم من ذلك، تبقى العلاقة - إن وُجدت - غيرَ وثيقة ولا تمضي في اتجاهٍ واحد أو سببٍ واحد. بدليل لجوء الملايين إلى الغرب والاستماتة في ذلك، بحيث هلكتْ أُلوفٌ في البحار للعجز عن بلوغ شواطئ أوروبا الأمان!

كانت كراهية الغرب (أوروبا على وجه الخصوص) ضرباً من ضروب الآيديولوجيا في أكثر عقود القرن العشرين وسط صعود التيارات القومية واليسارية وتذكُّر بلايا الاستعمار ومواريث حروب فلسطين والجزائر. ثم ظهر تيار التابع subaltern اليساري الراديكالي تحت تأثير أنثروبولوجيا طلال أسد (مواجهات استعمارية، 1974) وإدوارد سعيد (الاستشراق، 1978). وينتشر مفكرو هذا التيار المتعاظم في الهند وأميركا اللاتينية، لكنّ العديدين منهم باقون بالجامعات الغربية (!). وحسب هذا التيار، أخذ الاستعمار (المستمر) من الناس كل شيء حتى لغتهم، ووسط هذه السطوة لا يستطيع التابع أن يتكلم لأنه مسلوب اللغة والوعي والثقافة، وأياً يكن ما يحاول التعبير عنه يجد نفسه كالببغاء يكرر مقولات الغرب حتى لو كان ثائراً على الغرب أو مُعارضاً له! وكما سبق القول، تعاظم تيار كراهية الغرب هذا بين المثقفين والمفكرين في سائر الأنحاء إلى حدود نقد إدوارد سعيد نفسه الذي، حسب هذه الرؤية، ما مضى إلى الحدود القصوى ضد الغرب، بل كان يلوم الاستشراق - وهو علم غربي - لأنه فارق قيم التنوير في الاستنارة والعقلانية والإنصاف ولو التزم بها المستشرقون لما سيطرت عليهم الثقافة الكولونيالية ضد الغرب والإسلام! أما الكارهون الجدد فيذهبون إلى أن المصيبة بالغرب شاملة بما في ذلك قيم التنوير الاستعمارية الخبيثة؛ فالعدالة عدالتهم لهم وحدهم وكذلك التنوير والعقلانية!

ثم جاءتِ الحرب على غزة على أثر «طوفان الأقصى» فدمَّرت كل تمييزٍ أو فواصل بين الإسلامويين والجهاديين واليساريين وأتباع تيار التابع! في الثمانينات من القرن الماضي كان الإسلامويون وجماعات الهوية هم أكثر المستفيدين من استشراق إدوارد سعيد ونقده للغرب من خلال الاستشراق. واليوم، ينعى المثقفون والفلاسفة من أصولٍ عربية أو آسيوية أو أفريقية الغرب بقضّه وقضيضه؛ فهو سيُهلك العالم ويُهلك نفسه ولا تجوز مجاملته أو تجاهُلُ شروره!

وبالطبع، ما حدث ويحدث بغزة وفلسطين مهول ويتجاوز التصور والمعقول. لكنّ العالم خارج الغرب الاستعماري السابق واللاحق حيٌّ وفعّالٌ وغير خاضع، وقد بلغ الآسيويون درجة الندية وزيادة في الاقتصاد والتقدم العلمي والتكنولوجي. والعالم نظامٌ واحدٌ للعيش والتصرف والأعراف السائدة للجميع إسهاماتٌ فيها. وفي العالم بالأمس واليوم ظالمٌ ومظلوم ولن يفيد في شيء العودة للنعي على مادية الغرب وامتداح روحانية الشرق. بل إنّ أحد كبار الثائرين على الغرب اليوم يقول إنّ الإسلام يمتلك نظاماً كاملاً من سائر النواحي، ولا يمكنه التلاؤم مع الغرب الظلامي، ومن يتوهم إمكان التلاؤم يخرج من الإسلام!

يمارس الإسرائيليون ويمارس الأميركيون ظلماً وعنجهية تجاه الفلسطينيين والعالم كلّه. لكنّ القيم في الحرية والعدالة وحقوق الإنسان والعيش المشترك والسلام هي قيم كونية، وتبقى كذلك لدينا ولدى الغرب وإن لم تجد تحققاً فعالاً الآن. ولن نكسب شيئاً إذا كفرنا بها باعتبار أصلها الغربي وهي ليست كذلك وإن يكن الغرب هو الذي حوّلها نظاماً عالمياً بعد الحرب الثانية، التي كانت حرباً غربيةً أيضاً. إنّ شيطنة الغرب لن تكسبنا شيئاً، بينما يظل التشارك القيمي رابطةً إنسانيةً وثيقة هي قوام نظام العيش وليس التنكر والإنكار. نوشك أن نصبح خمس سكان العالم ولا نريد ولا نستطيع مقاتلته، بل نناضل للعيش معه وفيه بالسلم والإنصاف.

قرأت حتى الآن ستة كتب وعشرات المقالات التي تُدينُ ما حصل ويحصل بغزة وفلسطين. بيد أنها بدلاً من لوم الغرب أو إدانة ردة فعله البطيئة، أقبلت على نعي الغرب نفسه، إما لأنه لم يراعِ الحق الإنساني في الحياة والحرية، أو لأنه فاسدٌ ومتآمرٌ من الأصل!

إنّ الذي أخشاه أن كبار مثقفينا الذين ينعون الغرب وينشرون اليأس منه، إنما ينفخون في أبواق المتطرفين للاستمرار في شنّ الحرب على العالم، وهي حرب يموت فيها أطفالنا وأطفال الآخرين، ليظل الدم بيننا وبين العالم مسفوكاً في مستقبلنا كما هو في حاضرنا.