محادثات مسقط بلا اختراق... وتفاهم أميركي - إيراني على مواصلة المسار

الوسيط العماني تحدث عن مجالات محتملة للتقدم... عراقجي رهنها بمشاورات العاصمتين... ووفد ويتكوف ضم قائد «سنتكوم»

TT

محادثات مسقط بلا اختراق... وتفاهم أميركي - إيراني على مواصلة المسار

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن»، ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي، تبحر في بحر العرب، فيما تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل، في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن»، ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي، تبحر في بحر العرب، فيما تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل، في استعراض للقوة (سنتكوم)

انتهت جولة المحادثات النووية غير المباشرة بين إيران والولايات المتحدة في مسقط، الجمعة، من دون اختراق حاسم، في حين وصفها وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، بأنها «بداية جيدة» مقرونة بتفاهم على مواصلة المسار، لكن بشروط تتصل بمشاورات العواصم.

وفي المقابل، قال وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي، إن المحادثات ساعدت في تحديد مجالات محتملة للتقدم، وأحضرت الولايات المتحدة قائدها العسكري الأعلى في الشرق الأوسط إلى طاولة المفاوضات، في خطوة فُسّرت على أنها رسالة ضغط موازية للمسار الدبلوماسي، وسط تحذيرات متبادلة وحشد عسكري متواصل في المنطقة.

واستضافت سلطنة عمان الجلسات بوساطة وزير خارجيتها، الذي تنقل بين الوفدين ونقل الرسائل، في نموذج حافظ على عدم عقد لقاء علني مباشر بين الإيرانيين والأميركيين.

وكانت هذه المحادثات الأولى بين الخصمين منذ انضمام الولايات المتحدة إلى حرب إسرائيل مع إيران في يونيو (حزيران)، عبر ضربات استهدفت مواقع نووية. كما جاءت بعد أقل من شهر على حملة قمع للاحتجاجات في إيران، قالت منظمات حقوقية إنها أسفرت عن مقتل الآلاف.

وقال البوسعيدي على منصة «إكس»، إن مسقط احتضنت «محادثات جادة للغاية» بين إيران والولايات المتحدة، مضيفاً أنها ساعدت في توضيح تفكير الجانبين وتحديد مجالات محتملة للتقدم، وأن الطرفين يعتزمان استئناف الحوار «في الوقت المناسب».

وأضاف البوسعيدي أن نتائج الجولة ستدرس «بعناية» في طهران وواشنطن، في إشارة إلى أن المحادثات لم تفضِ فوراً إلى اتفاقات نهائية؛ بل رسمت خطوطاً أولية لعملية تفاوضية قد تمتد لاحقاً. وعُقدت المفاوضات في مقر إقامة الوزير العماني.

وشهدت فترتا الصباح وبعد الظهر عدة جلسات، تنقل خلالها الوفدان ذهاباً وإياباً إلى مقر إقامة البوسعيدي، الذي بدا أنه يؤدي دور الوسيط وينقل الرسائل بين الطرفين.

إدارة الوضع الراهن

وقال عراقجي إن المحادثات «عالية المخاطر»، استمرت من العاشرة صباحاً حتى نحو السادسة مساءً، وشملت «عدة جولات» بصورة غير مباشرة، وإن الأجواء كانت «إيجابية وبناءة» بما يسمح بفتح مسار للتفاهم.

ولخّص عراقجي تقييمه بعبارة واحدة: «كان بدءاً جيداً»، موضحاً أن وجهات نظر إيران ومخاوفها ومصالحها و«حقوق الشعب الإيراني القانونية»، طرحت بوضوح بعد فترة انقطاع طويلة عن الحوار، وأنه جرى الاستماع أيضاً لمواقف الطرف الآخر.

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يصل إلى مقر المحادثات في مسقط (الخارجية الإيرانية - أ.ف.ب)

وأكد عراقجي وجود تفاهم على «مبدأ» مواصلة المفاوضات، لكنه شدد على أنها «مشروطة» بإجراء مشاورات في العواصم، وبالقرارات التي ستتخذ بشأن كيفية وآلية المضي قدماً، وأن تفاصيل التوقيت وآلية العمل ومواعيد الجلسات المقبلة ستُحدد لاحقاً عبر الوسيط العماني.

وقال عراقجي للتلفزيون الرسمي، إن «جدار انعدام الثقة» يمثل تحدياً أساسياً ينبغي تجاوزه، وإن التنسيق بشأن «كيفية المضي قدماً» سيُحسم في طهران وواشنطن، في مؤشر إلى أن الخلافات الجوهرية ما زالت قائمة. وأبدى الجانب الإيراني تفاؤلاً حذراً. ونقل التلفزيون الرسمي انطباعاً مفاده أن الأميركيين «جاءوا ليعودوا بمكاسب».

وقبيل انطلاق المحادثات، حذر عراقجي من أن بلاده «جاهزة للدفاع» عن سيادتها وأمنها القومي في مواجهة «أي مطالب مفرطة أو مغامرات» أميركية، داعياً في الوقت نفسه إلى «الاحترام المتبادل»، والوفاء بالتعهدات بوصفه أساساً لاتفاق «دائم».

وقال لوكالة «إرنا» الرسمية: «أي حوار يتطلب الامتناع عن التهديدات والضغوط»، مضيفاً أن طهران «تناقش فقط قضيتها النووية. نحن لا نناقش أي قضية أخرى مع الولايات المتحدة».

وفي بداية الجولة، أفاد الموقع الرسمي للحكومة الإيرانية بأن عراقجي قدم في لقائه الأول مع البوسعيدي «خطة تمهيدية» لإدارة الوضع الراهن بين إيران وأميركا ودفع المفاوضات، وأن الوسيط العُماني نقلها إلى المبعوث الأميركي.

خطوط حمراء

وعكست إشارات إيرانية أخرى تمسك طهران بخطوطها الحمراء؛ فقد نقلت وكالة «إرنا» الرسمية أن إيران تعتبر «حقها القانوني» في تخصيب اليورانيوم داخل أراضيها، «خطاً أحمر» في المفاوضات، وأن أي إجراءات فنية محتملة لا تُبحث إلا ضمن الاعتراف بهذا الحق.

وأشارت «إرنا» أيضاً إلى أن طهران تطالب بـ«ضمانات ملموسة» تضمن الرفع الكامل للعقوبات الاقتصادية والمالية؛ وهي نقطة تضعها إيران في صلب أي تفاهم محتمل، إلى جانب الإصرار على أن الحوار يقتصر على الملف النووي.

وفي الإطار نفسه، قال المتحدث باسم «الخارجية» الإيرانية إسماعيل بقائي، إن أي مبادرة أو «طرح إقليمي» إذا قدم فسيكون موضع بحث «مع دول المنطقة»، في إشارة إلى أن طهران لا تقبل إدراج قضايا إقليمية ضمن محادثات مسقط الثنائية.

وفي الجانب الآخر، ترأس الوفد الأميركي المبعوث الخاص إلى الشرق الأوسط ستيف ويتكوف، يرافقه جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب. وأفاد موقع «أكسيوس» بأن مستشاري الرئيس الأميركي ويتكوف وكوشنر، عقدوا خلال المحادثات اجتماعاً مباشراً مع عراقجي، وفق ما قاله مصدران مطلعان على اللقاء.

كما ضم الوفد، الأدميرال براد كوبر قائد القيادة المركزية الأميركية، بزيه الرسمي العسكري. وجاءت مشاركة كوبر بوصفها إشارة سياسية وأمنية لافتة. وأظهر فيديو نشرته «الخارجية» العمانية، وجوده ضمن وفد بلاده، بينما قالت مصادر أميركية إنه شارك رغم أن انضمام مسؤولي الدفاع لمحادثات دبلوماسية رفيعة ليس نمطاً شائعاً.

وفي استعراضٍ للقوة، نشر حساب القيادة المركزية الأميركية، صوراً تظهر مجموعة حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» وهي تبحر في بحر العرب، ترافقها سفن إمداد عسكري وقطع من خفر السواحل الأميركي، بالتزامن مع تحليق طائرات الجناح الجوي فوق التشكيل البحري.

وعلى الرغم من المحادثات، أعلنت واشنطن اليوم أنها ستفرض عقوبات على 15 كيانا و14 سفينة تابعة لأسطول الظل مرتبطة بالتجارة غير ⁠المشروعة في النفط الإيراني ومشتقاته ومنتجات البتروكيماويات، في أحدث الإجراءات الاقتصادية الأميركية التي تستهدف طهران والتجارة معها.

وترى واشنطن التخصيب داخل إيران «خطاً أحمر» من منظورها، بينما تؤكد طهران أن حق التخصيب غير قابل للتفاوض.

وذكرت «وول ستريت جورنال» في تقريرها الأول بعد ساعة من نهاية المحادثات، أن طهران تمسكت خلال محادثات الجمعة، برفضها إنهاء تخصيب الوقود النووي أو نقله إلى خارج البلاد، وأن أيّاً من الطرفين لم يبتعد كثيراً عن مواقفه الأولية، رغم الإشارة إلى الاستعداد لمواصلة الحوار.

وبحسب الصحيفة، أبلغ عراقجي نظراءه بأن إيران لن توقف التخصيب ولن تنقله إلى الخارج، رافضاً مطلباً أميركياً أساسياً، لكنه اعتبر اليوم «بداية جيدة». كما أشارت إلى أن الطرفين لم يلتقيا وجهاً لوجه؛ بل عبر دبلوماسيين عمانيين.

وأبلغ دبلوماسي إقليمي لوكالة «رويترز» إن طهران خرجت من جولة محادثات مسقط بانطباع مفاده أن المفاوضين الأميركيين أبدوا قدراً من التفهم لمواقفها الأساسية، ولا سيما في ما يتعلق بحق إيران في تخصيب اليورانيوم، مشيراً إلى أن ملف القدرات الصاروخية لم يُطرح خلال النقاشات، وأن الجانب الإيراني استبعد القبول بتصفير التخصيب، لكنه أبدى استعداداً لبحث مستواه ونقائه أو صيغ بديلة مثل تشكيل تحالف إقليمي ⁠لتخصيب اليورانيوم.

وخارج المسار النووي، ظل ملف الصواريخ حاضراً في الخلفية. واعتبرت واشنطن أن توسيع جدول الأعمال ضرورة لمعالجة «جذور» الأزمة.

وقد استبعدت طهران بشكل قاطع، إجراء محادثات حول «قدراتها الدفاعية، بما في ذلك الصواريخ ومداها». وفي هذا السياق، قال «معهد دراسة الحرب» إن تشدد إيران يحدّ من فرص الحل الدبلوماسي.

وفي استعراض للتحدي، قال التلفزيون الإيراني الرسمي قبل ساعات من المحادثات، إن «أحد أكثر الصواريخ الباليستية طويلة المدى تطوراً في البلاد، وهو (خرمشهر-4)»، قد تم نشره في «مدن الصواريخ» الضخمة التابعة لـ«الحرس الثوري» تحت الأرض.

وشبهت إسرائيل خطر الصواريخ الإيرانية ‌بخطر برنامجها النووي. وقال رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في يناير (كانون الثاني) «محاولة إيران بناء أسلحة نووية وامتلاكها 20 ألف صاروخ باليستي أشبه بورمين سرطانيين».

وقال ترمب، الخميس، إن إيران «تتفاوض»، مضيفاً: «لا يريدوننا أن نضربهم، لدينا أسطول كبير يتجه إلى هناك»، في إشارة إلى مجموعة حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن»، التي وصفها مراراً بأنها «أسطول».

وأوضحت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولاين ليفيت، أن الوفد الأميركي يعتزم استكشاف خيار «صفر قدرة نووية» لإيران، محذرة من أن لدى ترمب «خيارات عديدة» إلى جانب الدبلوماسية، بصفته القائد الأعلى للجيش الأميركي.

أما وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، فقال إن المحادثات كي تكون «ذات معنى» ينبغي أن تشمل برنامج الصواريخ الباليستية ودعم إيران لجماعات مسلحة إقليمية، إضافة إلى البرنامج النووي و«طريقة تعاملها مع شعبها»، وهو ما ترفضه طهران علناً.

«تفاوض في ظل تهديد»

وفي قراءة إيرانية داخلية، قالت «نور نيوز» إن حضور قائد «سنتكوم» إلى جانب الفريق الأميركي، بالتزامن مع تحركات عسكرية واقتراب حاملة طائرات ونقل معدات، يعكس مقاربة تمزج التفاوض بالضغط، وتحوّل الحوار إلى «تفاوض في ظل تهديد».

ورأت «نور نيوز» أن تراكم الإشارات العسكرية يهدف للتأثير في حسابات الطرف المقابل وإدارة توقعات الحلفاء وصوغ الرواية الإعلامية، لكنها شككت في جدواه، معتبرة أن تجربة إيران السابقة تُظهر أنها لا تغيّر مواقفها الاستراتيجية تحت الضغط العسكري المباشر.

مقر إقامة وزير الخارجية العماني حيث تجري المحادثات الإيرانية - الأميركية في مسقط (أ.ب)

وفي المقابل، عرضت وكالة «مهر» الحكومية مقاربة متحفظة تجاه محادثات مسقط، قائلة إن موضوعها «واضح ومحدد: الملف النووي فقط»، وإن إدخال قضايا القدرات الدفاعية أو الملفات الإقليمية من شأنه تقويض العملية الدبلوماسية برمتها.

وأضافت «مهر» أنه لا ينبغي التعامل بتفاؤل مفرط أو تشاؤم مسبق، معتبرة أن المحادثات اختبار لمدى واقعية واشنطن وقدرة الطرفين على إدارة الخلاف ضمن توازن القوى، وأن ساحة مسقط تقابل «سياسات الضغط والتهديد».

مقايضات

وعلى خط موازٍ، نقلت صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية عن مصدر مطلع على مفاوضات تمهيدية، أن واشنطن تراجعت عن مطلب إدراج الصواريخ وأنشطة الحلفاء الإقليميين ضمن جدول محادثات الجمعة، وأن الطرفين اتفقا على حصر النقاش بالبرنامج النووي.

وأضافت الصحيفة أن تدخل دول إقليمية أسهم في الوصول إلى هذه الصيغة، وأن طهران أبلغت الوسطاء باستعدادها لمواجهة تصعيد إقليمي إذا رُفض إطار التفاوض الذي تشترطه، فيما لم يصدر بيان أميركي رسمي يؤكد إسقاط الملفات الإضافية.

وبحسب «هآرتس»، فإن دولاً في المنطقة «لا ترغب في جار متنمر»، لكنها تخشى في الوقت نفسه، أن أي هجوم على إيران قد يلحق أضراراً واسعة بالمنطقة. كما نقلت الصحيفة تقديراً بأن مسار المحادثات ونتائجها ما زالا غير محسومين.

أما «نيويورك تايمز» فنقلت عن دبلوماسيين من الشرق الأوسط، أن دولاً في المنطقة دفعت لحصر المحادثات في الملف النووي، خشية مأزق فوري إذا أدرجت الصواريخ ودعم الجماعات المسلحة، واقترحت تقييد التخصيب عند مستوى منخفض لا يتجاوز 3 في المائة.

وبحسب هؤلاء الدبلوماسيين، فإن سقف 3 في المائة قد يسمح لطهران بـ«حفظ ماء الوجه» في مواجهة مطلب أميركي بتصفير التخصيب، دون الاقتراب من نسبة 90 في المائة اللازمة لسلاح نووي، بما يعني عملياً النتيجة نفسها من منظور منع التسليح.

وأضاف الدبلوماسيون أن طهران قد تكون مستعدة لتعليق طويل الأمد لبرنامجها النووي، مقابل رفع العقوبات التي أسهمت في التدهور الاقتصادي، وأن الخلافات سبقت اللقاء، وشملت مكانه وصيغته قبل التوافق على مسقط بوساطة عُمانية.

لافتة دعائية في شارع وسط طهران تحمل عبارة للمرشد علي خامنئي يقول فيها: «نعتبر الرئيس الأميركي مجرماً» (أ.ف.ب)

وجاءت المحادثات اليوم، بعد أقل من شهر على ذروة موجة احتجاجات واسعة لنظام الحكم في إيران، قالت جماعات حقوقية إنها قُمعت بحملة غير مسبوقة أودت بحياة الآلاف.

وكان ترمب قد لوح في البداية بعمل عسكري ضد طهران بسبب قمع الاحتجاجات، بل قال للمتظاهرين إن «المساعدة في الطريق».

وذكرت وكالة أنباء نشطاء حقوق الإنسان (هرانا)، أن أحدث حصيلة لديها تؤكد مقتل 6495 متظاهراً، إضافة إلى 214 من عناصر الأمن و61 من المارة، لكنها ومنظمات أخرى حذّرت من أن العدد النهائي قد يكون أعلى بكثير في ظل التعتيم الناجم عن قطع شامل للإنترنت استمر أسبوعين. وأضافت الوكالة أن نحو 51 ألف شخص أُوقفوا أيضاً.

غير أن خطاب ترمب في الأيام الأخيرة انصب على كبح البرنامج النووي الإيراني، بالتوازي مع تحريك الولايات المتحدة مجموعة بحرية تقودها حاملة الطائرات «يو إس إس أبراهام لينكولن» إلى المنطقة.

ولا تزال القيادة الإيرانية تشعر بقلق بالغ من احتمال تنفيذ ترمب تهديداته بضرب إيران. وتوعدت طهران مراراً بالرد على القواعد الأميركية إذا تعرضت لهجوم. ونقل التلفزيون الرسمي، الخميس، عن المتحدث باسم الجيش الجنرال محمد أكرمي نيا، قوله: «نحن مستعدون للدفاع، وعلى الرئيس الأميركي أن يختار بين التسوية أو الحرب»، محذّراً من أن إيران يمكنها الوصول «بسهولة» إلى القواعد الأميركية في المنطقة.

دعوات لحلول دبلوماسية

وعلى هامش يوم التفاوض، تحركت ملفات ثنائية أخرى تعكس قلقاً إقليمياً من التصعيد؛ فقد توجه وزير الدفاع الإيراني عزيز نصير زاده إلى باكو، حيث استقبله الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف، وفق بيان للرئاسة الأذربيجانية.

وقالت الرئاسة الأذربيجانية إن علييف بحث مع نصير زاده، سبل تطوير العلاقات على أساس الصداقة وحسن الجوار، وتبادل الطرفان الآراء حول آفاق التعاون، لا سيما في المجال الدفاعي، في زيارة تأتي وسط توتر إقليمي متصاعد.

صورة نشرتها الرئاسة الأذربيجانية من استقبال علييف لوزير الدفاع الإيراني عزيز نصير زاده الجمعة

وأضاف البيان أن علييف تطرق إلى استمرار الحروب والنزاعات في مناطق عدة من العالم، مؤكداً أن السلام ترسخ في جنوب القوقاز بمبادرة من أذربيجان، وأن بلاده تدعم خفض التوتر الإقليمي وترغب في تعميم السلام ومنع إراقة الدماء.

وتخشى القوى العالمية والدول الإقليمية من أن يؤدي فشل المفاوضات إلى صراع آخر بين الولايات المتحدة وإيران، قد يمتد إلى بقية المنطقة.

وفي المواقف الدولية، أعرب الكرملين عن أمله في أن تسفر محادثات مسقط عن نتائج إيجابية تفضي إلى التهدئة، داعياً جميع الأطراف إلى ضبط النفس في المرحلة الراهنة، في وقت تتصاعد فيه المخاوف من انزلاق المنطقة إلى مواجهة أوسع.

وقالت الصين إنها تدعم إيران في الدفاع عن مصالحها وحقوقها المشروعة، وتعارض «التنمر أحادي الجانب»، بالتزامن مع انعقاد المحادثات، في موقف يعكس تمسك بكين بالحلول الدبلوماسية ورفض الضغوط المنفردة.

وأكدت مصر دعمها استئناف المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران في مسقط بوساطة عمانية، مشددة على ضرورة التوصل إلى «اتفاق مستدام» يجنب المنطقة التصعيد العسكري. وأوضحت «الخارجية» المصرية أن الحلول السلمية القائمة على الحوار والاحترام المتبادل هي السبيل الوحيد لمعالجة الملف النووي الإيراني. وفي هذا الإطار، أكد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، لنظيرته البريطانية إيفيت كوبر، أهمية تسوية توافقية تحفظ الأمن الإقليمي والاستقرار.


مقالات ذات صلة

إيران تلتف على الحصار الأميركي بصادرات وقود محدودة

شؤون إقليمية تحاول الشركات الآسيوية تنويع مصادر نفطها جراء حرب إيران (رويترز)

إيران تلتف على الحصار الأميركي بصادرات وقود محدودة

تمكنت إيران من تصدير شحنات محدودة من غاز البترول المسال ووقود الطائرات منذ يوليو، رغم الحصار البحري الأميركي المفروض على صادراتها.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان على هامش قمة الأمم المتحدة للتنوع البيولوجي في العاصمة الأرمينية يريفان (أ.ف.ب)

إيران تنفي مجدداً السعي لامتلاك سلاح نووي وتبدي استعدادها للحوار

نفى الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان خلال محادثات مع رئيس وزراء جورجيا، سعي طهران لامتلاك أسلحة نووية، وأعرب عن استعداده للحوار، مديناً العقوبات الأميركية.

«الشرق الأوسط» (تبليسي)
شؤون إقليمية صورة وُزعت دون تحديد تاريخها لـ«أم القنابل» في قاعدة «إيغلين» الجوية بولاية فلوريدا الأميركية (رويترز)

واشنطن تصعّد تهديداتها ضد المنشآت النووية الإيرانية

تتواصل الأزمة بين واشنطن وطهران، في ظل غياب مؤشرات واضحة على قرب التوصل إلى تسوية، مع تصاعد التهديدات العسكرية وتبادل الاتهامات بشأن أمن الملاحة في هرمز.

«الشرق الأوسط» (واشنطن - طهران - لندن)
أوروبا النرويجي يوهانس كونغسنيس ناتلاند المحكوم بالسجن 20 عاماً لتوجّهه إلى إنجلترا لتنفيذ عملية قتل لحساب عصابة دولية مدعومة من إيران في صورة غير مؤرخة وزّعتها شرطة لندن (د.ب.أ)

السجن 20 عاماً لنرويجي خطّط لجريمة قتل مرتبطة بإيران في بريطانيا

قضت محكمة بريطانية بالسجن لمدة 20 عاماً على شاب نرويجي كان يخطط لارتكاب جريمة قتل في بريطانيا بعد تجنيده من قبل جماعة جريمة سويدية مرتبطة بإيران.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية مبنى وزارة الخزانة الأميركية في العاصمة واشنطن يوم 11 يوليو 2026 (رويترز)

وزارة الخزانة الأميركية تصدر عقوبات جديدة مرتبطة بإيران

أفاد إشعار ‌نشر على ‌الموقع ​الإلكتروني ‌لوزارة الخزانة ​الأميركية بأن إدارة ‌الرئيس ‌دونالد ​ترمب ‌أصدرت عقوبات ‌جديدة تتعلق ‌بإيران تستهدف 16 فردا و10 كيانات.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

«الحرس الثوري» يعلن انفجار ناقلة بعد اصطدامها بلغم في مضيق هرمز

أرشيفية لاندلاع حريق بناقلة نفط شرق مضيق هرمز (فارس)
أرشيفية لاندلاع حريق بناقلة نفط شرق مضيق هرمز (فارس)
TT

«الحرس الثوري» يعلن انفجار ناقلة بعد اصطدامها بلغم في مضيق هرمز

أرشيفية لاندلاع حريق بناقلة نفط شرق مضيق هرمز (فارس)
أرشيفية لاندلاع حريق بناقلة نفط شرق مضيق هرمز (فارس)

​نقلت وسائل إعلام إيرانية عن «الحرس الثوري»، اليوم (السبت)، أن ‌ناقلة ‌نفط ​تعرضت لانفجار ‌واندلعت ⁠فيها ​النيران بعد ⁠اصطدامها بلغم بحري في أثناء عبورها مضيق ⁠هرمز.

وأفاد التقرير ‌بأن الناقلة ‌كانت ​تحمل ‌أكثر ‌من مليوني برميل من النفط الخام، وكانت ‌تحاول عبور الممر المائي ⁠الاستراتيجي بشكل ⁠غير قانوني عبر مسار غير مرخص به من إيران.


ترمب يلوّح بضرب «جبل الفأس»

بزشكيان في زيارة لمنشأة أجهزة الطرد المركزي ضمن البرنامج النووي الإيراني (أرشيفية - الرئاسة الإيرانية)
بزشكيان في زيارة لمنشأة أجهزة الطرد المركزي ضمن البرنامج النووي الإيراني (أرشيفية - الرئاسة الإيرانية)
TT

ترمب يلوّح بضرب «جبل الفأس»

بزشكيان في زيارة لمنشأة أجهزة الطرد المركزي ضمن البرنامج النووي الإيراني (أرشيفية - الرئاسة الإيرانية)
بزشكيان في زيارة لمنشأة أجهزة الطرد المركزي ضمن البرنامج النووي الإيراني (أرشيفية - الرئاسة الإيرانية)

تتواصل الأزمة بين الولايات المتحدة وإيران في ظلّ غياب مؤشرات واضحة على قرب التوصل إلى تسوية، وسط تصاعد التهديدات العسكرية وتبادل الاتهامات بشأن أمن الملاحة في مضيق هرمز.

وفي ظلّ هذه الأجواء، لوّح الرئيس الأميركي دونالد ترمب بإمكانية استهداف موقع «جبل الفأس»، في إطار مساعي واشنطن لمنع طهران من امتلاك سلاح نووي. وبرّر ترمب تصعيده قائلاً إن إيران قد تستخدم السلاح النووي «إذا تمكنت من الحصول عليه».

في المقابل، استبعد الرئيس الأميركي استخدام السلاح النووي ضد إيران، مؤكداً أن واشنطن لا تحتاج إلى مثل هذه الأسلحة لتحقيق أهدافها العسكرية. لكنه أشار إلى إمكانية اللجوء إلى أسلحة تقليدية شديدة التدمير، في إشارة إلى قنبلة «جي بي يو 43/ بي» المعروفة أيضاً باسم «أم القنابل»، والتي تُعدّ أقوى سلاح أميركي غير نووي.

من جانبه، أكد الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، أمس، أن بلاده لا تسعى إلى امتلاك سلاح نووي، وأنها مستعدة للحوار، مشدداً على أن طهران لن تخضع للعقوبات.


إيران تلتف على الحصار الأميركي بصادرات وقود محدودة

تحاول الشركات الآسيوية تنويع مصادر نفطها جراء حرب إيران (رويترز)
تحاول الشركات الآسيوية تنويع مصادر نفطها جراء حرب إيران (رويترز)
TT

إيران تلتف على الحصار الأميركي بصادرات وقود محدودة

تحاول الشركات الآسيوية تنويع مصادر نفطها جراء حرب إيران (رويترز)
تحاول الشركات الآسيوية تنويع مصادر نفطها جراء حرب إيران (رويترز)

تمكنت إيران من تصدير شحنات محدودة من غاز البترول المسال ووقود الطائرات منذ يوليو (تموز)، رغم الحصار البحري الأميركي المفروض على صادراتها، مستفيدة من عمليات نقل الشحنات بين السفن في مياه الخليج، وفق معلومات استخباراتية بحرية ومصادر في قطاع الشحن.

وفي حين تؤكد واشنطن أن الحصار يحدّ بصورة كبيرة من صادرات الطاقة الإيرانية، تكشف هذه الشحنات عن محاولات طهران الالتفاف على القيود والحفاظ على منافذ محدودة لتصريف منتجاتها النفطية.

وقالت أربعة مصادر عاملة في مجال الأمن البحري ومتابعة تحركات النفط في الخليج لوكالة «رويترز» إن إيران تمكنت خلال الأسابيع الأخيرة من تمرير شحنات من غاز البترول المسال، عبر إخفائها ضمن عمليات متزايدة لنقل المنتجات النفطية من سفينة إلى أخرى.

ولم تكن هذه الصادرات قد ظهرت في تقارير سابقة بهذه الصورة، وهي، رغم محدودية حجمها مقارنة بصادرات إيران من الطاقة قبل فرض الحصار، تقدم مؤشرات على استمرار تدفق بعض المنتجات النفطية الإيرانية إلى الأسواق الخارجية.

وأظهر تحليل أجرته منظمة «متحدون ضد إيران النووية»، التي تراقب حركة ناقلات النفط المرتبطة بإيران باستخدام بيانات تتبع السفن وصور الأقمار الصناعية، أن ما لا يقل عن 8 ناقلات غاز محملة بغاز البترول المسال الإيراني غادرت خليج عُمان منذ منتصف يوليو.

صور الأقمار الصناعية

بزشكيان يترأس اجتماعاً حكومياً لمناقشة إدارة استهلاك الوقود بحضور وزيرَي الداخلية والنفط وقادة الشرطة الإيرانية الأحد (الرئاسة الإيرانية)

كما أظهرت صور الأقمار الصناعية وتحليلات مجموعة الاستخبارات البحرية «سينماكس» وصول ناقلة أخرى تحمل وقود طائرات إيرانياً إلى ميانمار في سبتمبر (أيلول).

ووفقاً لتحليل «رويترز» لبيانات السفن والعقوبات الأميركية، فإن 6 من ناقلات الغاز الـ8، إلى جانب ناقلة وقود الطائرات، تخضع لعقوبات أميركية بسبب نقل منتجات نفطية وبتروكيماوية إيرانية.

وقالت جميما شيلي، الباحثة في منظمة «متحدون ضد إيران النووية»، إن المنظمة رصدت عدداً محدوداً من الناقلات التي تحمل غاز البترول المسال الإيراني، في حين أعادت القوات الأميركية توجيه الغالبية العظمى من الناقلات المحملة بمنتجات إيرانية.

وأضافت أن بعض ناقلات الغاز نقلت شحناتها بالقرب من مدينتي شناص وصحار الساحليتين في عُمان، بينما انتظرت ناقلات أخرى في خليج عُمان قبل محاولة تجاوز الحصار الأميركي، الذي قالت القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) إنه يمتد عبر الخليج بالقرب من الحدود الإيرانية الباكستانية.

وقدّرت شيلي إجمالي شحنات غاز البترول المسال التي رصدتها المنظمة بنحو 4.1 مليون برميل، مشيرة إلى أن هذه التحركات تبدو مدفوعة بانتهاز فرص محدودة لتصدير المنتجات، أكثر من كونها دليلاً على تحول استراتيجي واسع نحو استخدام سفن أصغر للالتفاف على القيود.

ووفقاً لتحليل المنظمة، اتجهت معظم الشحنات إلى ميناء في ماليزيا، حيث يُرجح إجراء عمليات إضافية لنقلها بين السفن، قبل وصولها إلى وجهات محتملة في الصين.

الجيش الأميركي: الحصار محكم

في المقابل، تؤكد القيادة المركزية الأميركية أن الحصار البحري لا يزال محكماً، وأن مرور بعض السفن لا يعني بالضرورة نجاحها في الإفلات من القيود.

وقال مسؤول عسكري أميركي لـ«رويترز» إن القوات الأميركية تقيّم حركة كل سفينة على حدة، من خلال إجراءات تشمل مراجعة الوثائق، مشيراً إلى أن بعض السفن قد يُسمح لها بالمرور لأسباب إنسانية.

وأوضح المسؤول أن إدراج سفينة على قوائم العقوبات الأميركية ليس العامل الوحيد الذي يحدد خضوعها للحصار، لافتاً إلى أن القوات تراقب بعض السفن عن كثب من دون اتخاذ إجراءات مباشرة ضدها لأسباب عملياتية.

وفي تحديث صدر في 13 أكتوبر (تشرين الأول)، قالت القيادة المركزية الأميركية إن قواتها عطّلت 4 سفن تجارية وأعادت 135 سفينة أخرى خلال الحصار الأخير، الذي استمر ثلاثة أشهر وفق البيان. وكانت القيادة قد ذكرت في تصريحات سابقة أنها أعادت سفناً قادمة من آسيا وصادرت بعض الناقلات.

تشكيك أميركي في البيانات

وزير النفط الإيراني محسن باك نجاد (الرئاسة الإيرانية)

وشكك متحدث باسم وزارة الخزانة الأميركية في دقة بيانات الشحن التي تشير إلى نجاح سفن في تجاوز الحصار، قائلاً إن بعض السفن قد تتلاعب بمواقعها أو تستخدم هويات مزيفة أثناء عمليات التحميل، داعياً إلى التعامل مع هذه البيانات بحذر.

وأضاف أن ما وصفه بـ«الإقصاء الاقتصادي»، إلى جانب الحصار البحري، يفاقم الضغوط على إيران ويحدّ من قدرتها على تحقيق الإيرادات.

وفرضت الولايات المتحدة الحصار للمرة الأولى في 13 أبريل (نيسان)، قبل أن ترفعه في يونيو (حزيران) عقب التوصل إلى مسودة تفاهم مع إيران، ثم تعيد فرضه في 14 يوليو بعد انهيار الاتفاق، وفق المعلومات الواردة في التقرير.

وترافق الحصار مع حملة عقوبات مالية وتجارية تستهدف تقليص الإيرادات الإيرانية وقطع ما تبقى لطهران من روابط مالية خارجية. وفي هذا السياق، فرضت واشنطن الأسبوع الماضي عقوبات جديدة على 17 سفينة قالت إنها شاركت في نقل النفط الخام والبتروكيماويات والمنتجات البترولية الإيرانية.

ضغوط تدفع طهران للمجازفة

وتأتي محاولات تصدير المنتجات النفطية في وقت تواجه فيه إيران ضغوطاً اقتصادية متزايدة، وسط تراجع قدرتها على بيع النفط الخام وتزايد القيود المفروضة على تعاملاتها التجارية والمالية.

وقال توربيورن سولتفيدت، المحلل الكبير لشؤون الشرق الأوسط لدى شركة «فيريسك مابلكروفت» المتخصصة في معلومات المخاطر، إن تدهور الأوضاع الاقتصادية قد يدفع إيران إلى تحمل مخاطر أكبر في محاولة تمرير شحنات محدودة، رغم عدم وجود مؤشرات على احتمال تخفيف الحصار.

وأشار إلى أن وقود الطائرات قد يمثل خياراً مناسباً لإيران في هذه الظروف، نظراً إلى الضغوط المتزايدة التي يتعرض لها قطاع الطيران الإيراني بسبب العقوبات الأميركية، وما قد ينجم عنها من توقف عدد متزايد من الطائرات، الأمر الذي قد يترك فائضاً من وقود الطائرات في المصافي المحلية.

وفي مؤشر على حجم الضغوط التي تواجهها صادرات الطاقة الإيرانية، قالت شركة «كبلر» المتخصصة في تحليل بيانات الشحن والطاقة إن صادرات النفط الخام الإيراني انخفضت إلى الصفر في سبتمبر، في أول شهر لا تُسجل فيه أي شحنة منذ أن بدأت الشركة تتبع أنشطة إيران عام 2013.

من جانبه، قال وزير الخزانة الأميركي، سكوت بيسنت، إن الحصار منع معظم مشتريات الصين من النفط الإيراني، وجعل إيران غير قادرة على توريد النفط الخام إلى عملائها.

وتشير هذه المعطيات إلى أن الحصار الأميركي يفرض قيوداً واسعة على صادرات الطاقة الإيرانية، وإن كانت الشحنات المحدودة من غاز البترول المسال ووقود الطائرات توضح أن طهران لا تزال تحاول استغلال الثغرات المتاحة في حركة الشحن البحري. لكن استمرار هذه العمليات لا يعني بالضرورة نشوء مسار بديل قادر على تعويض خسائر صادرات النفط الخام، خصوصاً في ظل تشديد العقوبات ومراقبة الناقلات وعمليات النقل بين السفن.