إيران ومقامرة «هرمز»... من فرصة التسوية إلى خطر العزلة

مقاتلة شبحية أميركية من طراز «إف- 35» أثناء عمليات مراقبة في مضيق هرمز (سنتكوم)
مقاتلة شبحية أميركية من طراز «إف- 35» أثناء عمليات مراقبة في مضيق هرمز (سنتكوم)
TT

إيران ومقامرة «هرمز»... من فرصة التسوية إلى خطر العزلة

مقاتلة شبحية أميركية من طراز «إف- 35» أثناء عمليات مراقبة في مضيق هرمز (سنتكوم)
مقاتلة شبحية أميركية من طراز «إف- 35» أثناء عمليات مراقبة في مضيق هرمز (سنتكوم)

بدت مذكرة التفاهم التي وقّعتها واشنطن وطهران في فرساي منتصف يونيو (حزيران) فرصة نادرة لإيران للخروج من الحرب، واستعادة جزء من علاقاتها الاقتصادية، وحجز موقع في التوازن الإقليمي الذي يتشكّل بعد الضربات القاسية التي تلقّتها. لكن القيادة الإيرانية قرأت بقاء النظام وقدرته على تعطيل الملاحة في مضيق هرمز باعتبارهما دليلاً على امتلاكها ورقة قادرة على انتزاع ما لم تحققه في الميدان. وبدلاً من استخدام المضيق ممراً نحو تسوية، حولته إلى أداة لفرض سيادة أمنية إيرانية على الخليج وإبعاد القوات الأميركية عنه.

هذه المقامرة لم تُسقط النظام، لكنها بدأت تنتج نقيض ما أرادته طهران: تحالفاً دفاعياً إقليمياً جديداً، وتشدداً أميركياً في شروط حرية الملاحة، واستعداداً لحصر أي تفاوض مقبل في ملفات محدودة، من دون منح إيران صفقة كبرى تعيد تأهيلها دولياً.

مذكرة أكبر من قدرتها

لم يكن انهيار مذكرة فرساي نتيجة التعنت الإيراني وحده؛ فقد جمعت الوثيقة ملفات يصعب حلها دفعة واحدة: وقف الحرب، وفتح «هرمز»، ورفع الحصار والعقوبات، ومستقبل البرنامج النووي، وإعادة الإعمار، وتسويات لبنان. كما صيغت بعض بنودها بلغة سمحت لكل طرف بتقديم تفسير مختلف.

يرى ريتشارد نيفيو، النائب السابق للمبعوث الأميركي الخاص إلى إيران، في تحليل لمعهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، أن المذكرة كانت غامضة في تحديد التزامات إيران النووية، في حين جاءت تنازلات العقوبات أكثر وضوحاً وسخاء. وقارَنها بـ«خطة العمل المشتركة» لعام 2015 التي حصرت أهدافها بتجميد أجزاء من البرنامج النووي مقابل إعفاءات محددة ومؤقتة، وتركت أوسع القضايا لمفاوضات لاحقة. غير أن طهران ضاعفت عيوب الوثيقة عندما حاول «الحرس الثوري» تحويل غموضها إلى حق دائم في إدارة المضيق. وهكذا انتقلت المذكرة من صيغة لوقف الحرب إلى صراع حول من يملك تحديد قواعد الدخول إلى الخليج، فضاعت فرصة تطبيقها التدريجي قبل أن تتكون ضد إيران اصطفافات جديدة.

«هرمز»... السلاح الذي ارتدَّ

بحسب صحيفة «وول ستريت جورنال»، تطالب طهران بمنع السفن الحربية الأميركية والإسرائيلية من عبور المضيق، وفرض رسوم أو تسجيل وتأمين على بعض السفن، والتحكم بمسارات الملاحة. وترفض واشنطن أي اتفاق يسمح لإيران بفرض رسوم أو استبعاد سفن من ممر دولي.

عسكرياً، لا تستطيع إيران منع البحرية الأميركية من عبور «هرمز» إذا قررت واشنطن استخدام القوة. لكنها تستطيع جعل العبور التجاري مكلفاً وخطراً بواسطة الألغام والصواريخ والمسيّرات. وهذا هو مصدر نفوذها الحقيقي: ليس إغلاق المضيق بقوة بحرية تقليدية، بل رفع تكلفة التأمين وإخافة الشركات المالكة لناقلات بمليارات الدولارات. لكن استمرار هذا النهج يحول المشكلة من نزاع إيراني - أميركي إلى مواجهة بين طهران والدول التي تعتمد على الممر.

وبينما تشير التقارير إلى أن إيران وعُمان اقتربتا من اتفاق على مسار ملاحي مؤقت، فإن وزير الخارجية عباس عراقجي قال إن ذلك لا يكفي لفتح المضيق، وربطه بشروط إضافية بينها تعويضات أميركية. وجاء ذلك بالتزامن مع اتهام الإمارات لإيران بمهاجمة سفينة مرتبطة بشركة «أدنوك»، التي قالت إن 15 من سفنها تعرضت لهجمات منذ بداية الحرب.

وفي الأيام الأخيرة، بدا لافتاً هدوء الأسواق الأميركية، فضلاً عن تزايد انخراط الأميركيين بمعركة التجديد النصفي. غير أن ذلك لا يعني أن الأزمة بلا تكلفة؛ فقد أغلق مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» عند مستوى قياسي في 7 أغسطس (آب)، في حين بقي خام برنت قرب 83 دولاراً، ما يمنح ترمب هامشاً زمنياً للمناورة. لكنه هدوء مالي أكثر منه تفويضاً سياسياً؛ إذ أظهر استطلاع جامعة ماركيت أن 35 في المائة يعدّون التضخم وتكلفة المعيشة القضية الأولى، وأن 75 في المائة يرون أن حرب إيران لم تكن تستحق تكلفتها. وبالتالي يستطيع ترمب إدارة الوقت حتى الانتخابات النصفية، لكنه لا يستطيع تحمل صدمة نفطية جديدة أو حرب مفتوحة، بعد الجدل الذي دار حول النقص في بعض الذخائر العسكرية.

صفقة أصغر أو عزلة أطول

ترمب وماكرون خلال مراسم توقيع الاتفاق الأميركي- الإيراني في قصر فرساي يونيو الماضي (أ.ف.ب)

قد تختار واشنطن عدم استئناف حملة عسكرية واسعة إذا أصبح أمن المضيق مسؤولية إقليمية ودولية أوسع. لكن انسحابها من المنطقة قضية أعقد بكثير من طموحات طهران؛ فحرية الملاحة، وحماية قواعدها وحلفائها، ومنع ظهور قوة تتحكم بإمدادات الطاقة، تبقى مصالح أميركية مباشرة، حتى لو كانت الولايات المتحدة أقل اعتماداً من آسيا وأوروبا على نفط الخليج. الخيار الأكثر واقعية هو اتفاق محدود: فتح المضيق بلا رسوم أو استثناءات، ورفع الحصار عن الموانئ الإيرانية على مراحل مرتبطة بالتنفيذ، ثم تفاوض منفصل على معرفة الحجم الحقيقي للبرنامج النووي، وإعادة رقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية. أما الصواريخ والمسيّرات والنفوذ الإقليمي، فمحاولة إدخالها جميعاً في صفقة واحدة ستكرر خطأ مذكرة فرساي.

ويبقى قصف منشأة «جبل الفأس» قرب نطنز خياراً تهدد به واشنطن، لكنه ليس حلاً نهائياً؛ فبحسب معهد العلوم والأمن الدولي، فإن المنشأة المحفورة على عمق يقارب مائة متر لم تصبح تشغيلية بعد، وإن كانت قابلة لاستضافة نشاطات تخصيب مستقبلاً. ضربها قد يؤخر البرنامج، لكنه لا يمحو المعرفة النووية، وقد يعيد إشعال الحرب. وإذا رفضت طهران التسوية المحدودة، يمكن أن تجد نفسها أمام نموذج قريب من كوريا الشمالية: نظام باقٍ لكنه معزول، خاضع لعقوبات وحصار، واقتصاده منهك، في حين تبني الدول المحيطة ترتيبات دفاعية ضده. عندها تكون الخسارة الإيرانية الكبرى ليست هزيمة النظام، بل استبدال بفرصة العودة إلى المجتمع الدولي وهْم السيطرة على مضيق لا تستطيع امتلاكه من دون أن توحد معظم المنطقة في مواجهتها.


مقالات ذات صلة

اقتصاد إيران تحت ضغط الحصار والحرب

شؤون إقليمية عناصر من مشاة البحرية الأميركية يزودون طائرة "إم في-22 أوسبري" في الشرق الأوسط أمس (سنتكوم)

اقتصاد إيران تحت ضغط الحصار والحرب

أقر القادة الإيرانيون بالضغوط والخسائر الاقتصادية الناجمة عن الحصار البحري والحرب مع الولايات المتحدة؛ إذ أفاد رئيس الجمهورية مسعود بزشكيان بأن التجارة الخارجية

«الشرق الأوسط» (لندن - واشنطن - طهران)
شؤون إقليمية نسخة من صحيفة «جامع جام» الإيرانية اليومية تحمل رسماً كاريكاتورياً لترمب وعنواناً بالفارسية: «نسخة العقوبات المكررة» (إ.ب.أ)

تساؤلات حول آلية تنفيذ «عزلة عالمية كاملة» على إيران

بعد تراجع ترمب عن التصعيد العسكري، لجأ مؤخراً إلى فرض ضغوط اقتصادية بهدف إخضاع القيادة الإيرانية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن - لندن - طهران)
شؤون إقليمية بحار أميركي يطلق طائرة هجومية من على سطح حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» خلال الصراع الدائر مع إيران في 5 أغسطس 2026 (رويترز)

حرب إيران تثقل كاهل أسر العسكريين الأميركيين

تنشر الولايات المتحدة أكثر من 50 ألف جندي في أنحاء المنطقة، كما أرسلت آلافاً آخرين من مشاة البحرية والبحارة لدعم المجهود الحربي، وقُتل 18 عسكرياً، وأُصيب 750.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ جنود من سلاح المدفعية للدفاع الجوي في الجيش الأميركي يُشغّلون منظومة «باتريوت» في الشرق الأوسط وتُعد «باتريوت» المنظومة الأساسية للجيش الأميركي لاعتراض الصواريخ الباليستية في المرحلة النهائية من مسارها (الجيش الأميركي)

تقرير: استنزاف الذخائر في حرب إيران يثير مخاوف أميركية بشأن ردع الصين وروسيا

قال مسؤولون أميركيون إن إرسال كميات هائلة من الذخائر إلى الشرق الأوسط لمواجهة إيران، قد يُقلص قدرة أميركا على الدفاع ضد تهديدات محتملة من الصين وروسيا.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية متسوقون يتجولون بين المحال في «البازار الكبير» بطهران يوم 24 أغسطس وسط تدهور الوضع الاقتصادي بسبب العقوبات (أ.ف.ب) p-circle

الحصار الأميركي يفاقم أزمات الاقتصاد الإيراني

أقر القادة الإيرانيون بالخسائر الاقتصادية الناجمة عن الحرب مع أميركا، ودعا كل من المرشد مجتبى خامنئي ورئيس الجمهورية مسعود بزشكيان إلى التعامل مع هذه التحديات.

«الشرق الأوسط» (واشنطن - لندن - طهران)

«الشاباك» يؤكد إعادة نجل نتنياهو من أميركا بسبب «تهديد كبير»

بنيامين نتنياهو وإلى جانبه نجله يائير (أرشيفية - أ.ب)
بنيامين نتنياهو وإلى جانبه نجله يائير (أرشيفية - أ.ب)
TT

«الشاباك» يؤكد إعادة نجل نتنياهو من أميركا بسبب «تهديد كبير»

بنيامين نتنياهو وإلى جانبه نجله يائير (أرشيفية - أ.ب)
بنيامين نتنياهو وإلى جانبه نجله يائير (أرشيفية - أ.ب)

عاد نجل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى إسرائيل قادماً من الولايات المتحدة بسبب تهديد، حسبما قال جهاز الأمن الداخلي الإسرائيلي (الشاباك) يوم السبت.

ونقلت «وكالة الأنباء الألمانية» عن جهاز الشاباك قوله إنه كان هناك «تهديد كبير لإلحاق الأذى» بيائير نتنياهو.

وتابع: «في ضوء ذلك وبعد إجراء تقييم، تم اتخاذ قرار بالتعاون مع الفريق الأمني لإجلائه بشكل عاجل وإعادته إلى إسرائيل».

ولم يحدد الجهاز مصدر التهديد.

وذكرت شبكة نيوزماكس التلفزيونية الأميركية في وقت سابق من هذا الأسبوع أن يائير نتنياهو كان هدفاً لمؤامرة اغتيال إيرانية مزعومة أثناء إقامته في ميامي.

وذكرت الشبكة التلفزيونية، نقلاً عن مسؤول في إنفاذ القانون الأميركي، أن الاستخبارات الإسرائيلية علمت بالمؤامرة في ديسمبر (كانون الأول) وأبلغت السلطات الأميركية.

وذكرت «نيوزماكس» أن يائير نتنياهو، الذي كانت ترافقه باستمرار حراسة أمنية إسرائيلية، صدرت له الأوامر بمغادرة المنطقة على الفور. وقد غادر دون أخذ أمتعته الشخصية وعاد مباشرة إلى إسرائيل، حيث يعيش الآن.

وكانت نتنياهو قد صرَّح يوم الاثنين الماضي بأن إيران حاولت اغتيال أحد أبنائه. جاء ذلك بعد أن هاجم مساعدو نتنياهو وأنصاره في «القناة 14» اليمينية خصومهم الذين ينتقدون طلبه فرض حراسة على عائلته طيلة حياته.

وبحسب مؤيدي نتنياهو، فإن رئيس الحكومة وجميع أفراد عائلته مهددون بالقتل من الأعداء في البلاد ومن إيران.

وقال نتنياهو: «هناك أمر لا يُصدق. إيران استهدفت أحد أبنائي، وحاولت اغتيال أحد أبنائي». وربط نتنياهو ذلك بترتيبات الحراسة المفروضة على أفراد عائلته، وقال إن «هذه الحراسة ليست ترفاً، ومن دونها سينجحون»، مضيفاً أنه «يجب التحلي بضبط النفس أيضاً خلال فترة الانتخابات».

بيد أن هذا الكشف لم يُقبل كما هو حتى في إسرائيل نفسها؛ إذ شكّك كثير من الإسرائيليين فيه، وعبّروا عن اعتقادهم بأن هذه طريقة معروفة في الدعاية الانتخابية.

ولنتنياهو ثلاثة أنجال: ابنة متدينة تعيش في حي ديني في القدس بعيداً عن الأضواء، وهي من زوجة نتنياهو الأولى، وهو يقاطعها تقريباً، وولدان آخران، الكبير يائير الذي كان يعيش منذ ثلاث سنوات في ميامي الأميركية، والثاني أفنير الذي يعيش في لندن. وكلاهما، مثل والديهما سارة وبنيامين نتنياهو، يحظى بحراسة دائمة.

وفي أواسط الشهر الماضي، اتخذت المخابرات العامة قراراً أثار جدلاً واسعاً في إسرائيل بسبب كلفته المرتفعة، بمنح الزوجة سارة حماية أمنية تستمر حتى وفاة زوجها. وقد صدر القرار عن اللجنة الوزارية لشؤون الأمن.

وتبين أن القرار اتخذ بطلب مُلِّح من سارة نتنياهو التي تخشى على حياة أفراد العائلة، من أن يؤدي فقدان الحماية الأمنية في حال خسارته الانتخابات المقررة في أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، إلى تعرضهم لمحاولات اغتيال.


اقتصاد إيران تحت ضغط الحصار والحرب

عناصر من مشاة البحرية الأميركية يزودون طائرة "إم في-22 أوسبري" في الشرق الأوسط أمس (سنتكوم)
عناصر من مشاة البحرية الأميركية يزودون طائرة "إم في-22 أوسبري" في الشرق الأوسط أمس (سنتكوم)
TT

اقتصاد إيران تحت ضغط الحصار والحرب

عناصر من مشاة البحرية الأميركية يزودون طائرة "إم في-22 أوسبري" في الشرق الأوسط أمس (سنتكوم)
عناصر من مشاة البحرية الأميركية يزودون طائرة "إم في-22 أوسبري" في الشرق الأوسط أمس (سنتكوم)

أقر القادة الإيرانيون بالضغوط والخسائر الاقتصادية الناجمة عن الحصار البحري والحرب مع الولايات المتحدة؛ إذ أفاد رئيس الجمهورية مسعود بزشكيان بأن التجارة الخارجية تقلّصت بنحو الثلث بسبب العقوبات الأميركية والحصار البحري الذي تفرضه واشنطن على إيران، في حين دعا المرشد مجتبى خامنئي الحكومة إلى التعامل مع هذه التحديات.

وجاءت رسالة خامنئي بعد تصريحات لبزشكيان، ورئيس البنك المركزي عبد الناصر همتي، أقرا فيها بتأثير الحصار البحري، وتحدثا عن توقف مبيعات نفطية وصعوبات في استيراد البنزين.

وأعلن بزشكيان أن الصادرات والواردات الإيرانية تراجعت بنسبة تقارب 35 في المائة بسبب الحصار، قائلاً: «نحن في حالة حرب، ويجب أن نتقبّل الظروف التي تفرضها الحرب»، مضيفاً أن أسعار البنزين ينبغي أن ترتفع لـ«مواكبة تراجع حركة التجارة». وتابع: «يجب أن نرفع سعر الشريحة الثالثة من حصة البنزين، على سبيل المثال، من خمسة آلاف تومان إلى عشرة آلاف».

من جانبه، أقر خامنئي بأن الإجراءات الأميركية «لم تكن بلا تأثير في الأوضاع الراهنة»، ودعا إلى جعل سياسات «الاقتصاد المقاوم» محوراً للسياسة الاقتصادية للدولة، وإلى ما سمّاه «الإسقاط التدريجي للدولار» من مستوى دوره الحالي في الاقتصاد.

وتلقفت الحكومة تصريح خامنئي، وأعلنت، أمس، أن معالجة الضغوط الاقتصادية تمثّل أولوية رئيسية، بما في ذلك تقليص الاعتماد على الدولار تدريجياً.


تساؤلات حول آلية تنفيذ «عزلة عالمية كاملة» على إيران

نسخة من صحيفة «جامع جام» الإيرانية اليومية تحمل رسماً كاريكاتورياً لترمب وعنواناً بالفارسية: «نسخة العقوبات المكررة» (إ.ب.أ)
نسخة من صحيفة «جامع جام» الإيرانية اليومية تحمل رسماً كاريكاتورياً لترمب وعنواناً بالفارسية: «نسخة العقوبات المكررة» (إ.ب.أ)
TT

تساؤلات حول آلية تنفيذ «عزلة عالمية كاملة» على إيران

نسخة من صحيفة «جامع جام» الإيرانية اليومية تحمل رسماً كاريكاتورياً لترمب وعنواناً بالفارسية: «نسخة العقوبات المكررة» (إ.ب.أ)
نسخة من صحيفة «جامع جام» الإيرانية اليومية تحمل رسماً كاريكاتورياً لترمب وعنواناً بالفارسية: «نسخة العقوبات المكررة» (إ.ب.أ)

مع بداية الحرب على إيران في أواخر فبراير (شباط) توقع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن يستمر القتال ما بين «أربعة إلى خمسة أسابيع»، ثم عاد في نهاية مارس (آذار)، وقال إن الأمر سوف يستغرق «ربما أسبوعين، وربما بضعة أيام إضافية لإنجاز المهمة».

ومنذ ذلك الحين، ردد ترمب أن الولايات المتحدة قد انتصرت.

وهدد ترمب، بين الحين والآخر، بشن هجمات أكثر تدميراً على إيران، لكنه تراجع عن ذلك بسبب افتقار الجيش الأميركي إلى الصواريخ الاعتراضية الدفاعية اللازمة لحماية حلفاء واشنطن وقواعدها العسكرية في المنطقة. وبعد تراجع ترمب عن التصعيد العسكري، لجأ مؤخراً إلى فرض ضغوط اقتصادية بهدف إخضاع القيادة الإيرانية، لكن مراقبين تساءلوا حول آلية تنفيذ «عزلة اقتصادية عالمية كاملة» على إيران.

والآن بعد نحو 6 شهور من اندلاع الحرب، يقول جيمس ليندسي، وهو زميل متميز في السياسة الخارجية الأميركية بمجلس العلاقات الخارجية الأمير، إنه لا نهاية لهذا الصراع تلوح في الأفق، وفق ما نقلت «وكالة الأنباء الألمانية». وأضاف ليندسي في تحليل نشره المجلس أن «الواقع مختلف»؛ إذ لم يشهد النظام الإيراني انهياراً، ولم يستسلم، رغم الضربات الجوية الأميركية والإسرائيلية المكثفة التي قتلت عدداً كبيراً من قادة إيران، وألحقت دماراً واسعاً بالبنية التحتية العسكرية.

ولا يزال وقف إطلاق النار الهش، الذي تم الاتفاق عليه في أبريل (نيسان) صامداً «إلا أن حركة ناقلات النفط عبر مضيق هرمز ما زالت أقل كثيراً من مستوياتها قبل الحرب».

وكشف وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت، يوم الاثنين الماضي، عن عملية «المنبوذ الاقتصادي»، لعزل إيران مالياً واقتصادياً. وتعتمد الخطة بشكل كبير على التهديد بمعاقبة الدول التي ترفض طواعية «تضييق الخناق» على إيران، بدلاً من اتخاذ خطوات لإجبارها على ذلك.

وهناك سبب وجيه وراء هذا النهج، حيث إن ما يُعرف «بالعقوبات الثانوية» التي تقترحها واشنطن، قد تؤدي، بحسب تعبير بيسنت، إلى «تفجير النظام المالي العالمي».

وزير الخارجية الصيني وانغ يي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في بكين يوم 6 مايو 2026 (أ.ب)

لكن ليندسي أشار إلى أن الصين تشتري أكثر من 80 في المائة من صادرات النفط الإيرانية، وقد دفعت بالفعل إدارة ترمب إلى التخلي عن فرض رسوم جمركية باهظة على السلع الصينية، من خلال التهديد بمنع وصول الولايات المتحدة إلى المعادن الحيوية النادرة.

ومن المقرر أن يزور الرئيس الصيني شي جين بينغ البيت الأبيض الشهر المقبل. وأكد ليندسي أن احتمال اضطراب الاقتصاد العالمي وإثارة أزمة دبلوماسية مع الصين هما السببان وراء تشكيك كثير من الخبراء في أن تمضي الإدارة الأميركية قدماً في تنفيذ تهديدها بفرض «عزلة عالمية كاملة» على إيران.

وأضاف ليندسي أنه من أجل فهم استراتيجية إدارة ترمب بشكل أفضل، ومعرفة ما إذا كانت تتخلى عن الدور الأميركي الذي كان مهيمنا في الخليج يوماً ما، أجرى حواراً مع زميل له في مجلس العلاقات الخارجية، ستيفن كوك. ويرى المحللان أنه ليس أمام إدارة ترمب سوى «الأمل في أن يؤدي الحصار البحري إلى تعميق تأثير العقوبات الأميركية القائمة، وإجبار القيادة الإيرانية على طلب التفاوض».

وأوضح المحللان أن هذا الطرح يفترض أن يتمكن الشعب الإيراني من ممارسة ضغوط سياسية مؤثرة على قيادته، ولكن «القادة المتشددين في إيران أظهروا بالفعل استعداداً قاسياً لاستخدام القوة المميتة ضد أي إيرانيين يخرجون إلى الشوارع بهدف الاحتجاج».

ورجح ليندسي وزميله كوك أن يتراجع الوجود العسكري الأميركي في الخليج خلال السنوات المقبلة، فيما قال ليندسي إنه على مدار سنوات دعا صناع السياسات والخبراء إلى ضرورة أن تقلص الولايات المتحدة دورها في الشرق الأوسط. وخلال الأشهر الأخيرة، رأى ستيفن كوك وخبراء آخرون في شؤون الشرق الأوسط» أن هذه العملية «بدأت بالفعل، مع إسهام الحرب مع إيران في بلورة نظام إقليمي جديد».