أميركا تنقلب على الجنرالات

أميركا تنقلب على الجنرالات

الثلاثاء - 8 شهر رمضان 1442 هـ - 20 أبريل 2021 مـ رقم العدد [15484]

تزايدت الأوضاع المعقدة في أفغانستان بمرور الوقت، وللولايات المتحدة الأميركية علاقات بالغة التعقيد مع الانتقام. وما بين هاتين الحقيقتين... تزدهر المأساة.
لقد غزت الولايات المتحدة أراضي أفغانستان في غمرة هائلة من الغضب والحزن، في أعقاب هجمات سبتمبر المريعة لتعقب فلول أسامة بن لادن، ولمعاقبة «طالبان» على إتاحة المجال أمامه لتحويل جبال وكهوف أفغانستان إلى منصات تنطلق منها الهجمات ضد الولايات المتحدة.
لكن، رغم الدروس القاسية التي تلقاها السوفيات عبر سنوات عشر من الحرب الضروس هناك في قتال المحاربين الأشباح الذين يضربون ثم يلجأون إلى الجبال والكهوف للاختباء، لم يتمكن المسؤولون والجنرالات الأميركيون من استيعاب هذه الحقيقة البسيطة: لقد خسرنا بصورة من الصور رغم المعارك التي انتصرنا فيها هناك. وحالما كنا نحاول الإفاقة من مخاض الانتقام الأعمى، فما الذي حققناه فعلا من مواصلة قصف الجبال والأراضي بقنابل البساط المهلكة وغيرها من القنابل الشديد الأخرى، أو ما النصر الذي فرحنا به من إهلاك عرس أفغاني بسيط بغارة جوية أميركية فائقة الدقة؟ وكم هو عدد الأعداء الذين حصلنا عليهم ونحن نحاول مساعدة أفغانستان بهذه الطريقة؟
يقول زعماء «حركة طالبان» ساخرين إن الولايات المتحدة تملك كل الساعات ولكننا نملك كل الوقت!
كانت إدارة الرئيس بوش تعاني من حالة مزرية من الغطرسة والصلف والجهل بإقدامها على احتلال هذه البلاد القاحلة التي يدين زعماؤها بأفكارهم إلى العصور الوسطى. ظن المسؤولون الأميركيون أنهم يمكنهم قصف كل من يكرهوننا من الناس، حتى لا يفكروا في أذيتنا مرة أخرى. ومن ثم نعتلي قمة القوة العظمى الخارقة على العالم. وحتى باراك أوباما، اندفع وراء جنرالات الجيش في فورة من الهجمات التي لا طائل منها في أفغانستان، حيث تضاعف عدد القوات الأميركية هناك إلى ثلاث مرات تقريبا في عام 2009.
وأذكر جولة قمت بها في أفغانستان والعراق رفقة السيد روبرت غيتس وزير الدفاع في إدارة الرئيس أوباما. وحلقت بنا الطائرة أعلى الجبال التي تغطي قممها الثلوج والتي تجعل من أفغانستان حصنا بحراسة طبيعية ومقبرة للإمبراطوريات الغازية. وسألت السيد غيتس عما إذا كان الجنرالات قد أثروا على آراء السيد الرئيس، فأجاب قائلا: «كلا البتة، هذا تصور سخيف للغاية، إن كل من يقرأ التاريخ يدرك أنه يتعين عليه التعامل مع هذه الأمور بقدر من التواضع، لأننا لا نعرف على الإطلاق كيف سيكون عليه الفصل الأخير من الرواية».
حسناً، يبدو أننا قد بلغنا الفصل الأخير بالفعل، ويبدو أن الأوضاع لا تزال قاتمة تماماً كمثل بقية الفصول الأخرى من نفس مشروع الاحتلال غير المشروع.
وحتى في ذلك الوقت، كان من الواضح تماما أن محاولات الولايات المتحدة الحثيثة لتحويل أفغانستان والعراق إلى نماذج للديمقراطية الأميركية لم تكن تسير على ما يرام. وعبر جولة سريعة في تلك البلدان، لم يكن الوزير غيتس يستطيع مغادرة المناطق المحدودة المؤمنة هناك طيلة فترة وجوده في الدولة على الإطلاق.
وفي مؤتمر صحافي مشترك مع الوزير غيتس، قام الرئيس حامد كرزاي بدغدغة مشاعر الحكومة الأميركية من واقع احتجاجه المسرحي المكشوف بأن الولايات المتحدة سوف تظل عالقة في أفغانستان، نظراً لأن بلاده لن تكون قادرة على إعداد القوات الوطنية المؤهلة للدفاع عنها قبل مرور 15 إلى 20 عاما أخرى على الأقل.
ثم حضرنا جلسة إحاطة أخرى تحدث فيها القادة العسكريون عن الشراكة والتوجيه بالنسبة للقوات الحكومية الأفغانية، غير أنهم أقروا بأنفسهم أنه قبل أن تتمكن القوات الأفغانية من الحصول على ذلك واستيعاب التدريب الأميركي المتقدم، كان لزاما عليهم في بادئ الأمر العناية بتعليم السواد الأعظم من الجنود الأفغان مبادئ القراءة والكتابة!
وقال الوزير غيتس في المؤتمر الصحافي إنه قد أدرك للتو أن «حركة طالبان» تتمكن من استمالة الكثير من المقاتلين إلى صفوفهم؛ نظراً لأنهم يدفعون لهم الكثير من الأموال. في حين أن جنرالات الجيش الأفغاني قالوا إن «حركة طالبان» تدفع للمقاتل الواحد ما بين 250 إلى 300 دولار في الشهر، في حين أن الجيش الأفغاني يدفع نحو 120 دولارا فقط للجنود في الشهر. ومن ثم، استعان الوزير غيتس بنفس الطريقة الأميركية التقليدية بإنفاق المزيد من الأموال لحل أي مشكلة، وقرر زيادة رواتب الجنود الأفغان إلى 240 دولاراً في الشهر.
ثم استمرت حرب العطاءات والرهانات المتبادلة والمثيرة للشفقة لمدة 8 سنوات أخرى.
كان لزاما علينا كأمة أن نحترم سمعة أفغانستان باعتبارها مقبرة الإمبراطوريات الغازية، والسمعة الباكستانية المعروفة في التعامل بأكثر من وجه والكيل بأكثر من مكيال. وتتبدى السخرية واضحة تماما في مقال صحيفة «نيويورك تايمز» في ديسمبر (كانون الأول) من عام 2001 تحت عنوان: «الأيام الأخيرة لـ(طالبان)»!
لقد قضينا 20 عاما كاملة نقاتل في أفغانستان. ولكن بالنظر إلى منحنى الدروس المستفادة لدينا المتسم بالسطحية البالغة، كان كل عام كمثل أول عام سواء بسواء بلا أدنى تغيير. ومن ثم، فإننا نعتبر أنفسنا ما زلنا في العام الأول من الحرب طيلة العشرين عاما المنقضية من عمر الصراع، وما زلنا نواصل ارتكاب نفس الأخطاء مرارا وتكرارا.
وكما حدث تماما مع فيتنام، كان المسؤولون المعنيون بالأمر يدركون منذ فترة كافية من الزمن أن الحرب لا يمكن الانتصار فيها بحال، غير أنهم تعمدوا إخفاء الأدلة المؤكدة لذلك، وتقدموا بتوقعات وتنبؤات وردية حالمة في نفس الوقت الذي يحرقون فيه 2.2 تريليون دولار من أموال الشعب الأميركي الذي فقد مئات الآلاف من الأرواح في هذه الحرب البغيض.
كان الجنرال دوغلاس لوت، جنرال الجيش الأميركي رفيع المستوى والملقب بقيصر الحرب الأفغانية المتوج إبان إدارتي بوش ثم أوباما، قد أبلغ المحاورين الحكوميين في عام 2015 بإفادته لصالح مشروع «وثائق أفغانستان» المعني بكيفية إدارة الصراع: «ما الذي نحاول فعله بالتحديد هناك؟ ليست لدينا أدنى فكرة عما كنا نقوم به بالفعل».
كان العديد من مسؤولي إدارة بوش السابقة قد طالبوا خلال الأسبوع الماضي بعدم انسحاب الرئيس بايدن من أفغانستان. إنهم يعيشون حياة مرفهة للغاية، في حين أن الجنود يواجهون المهانة الشديدة في حرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل عبر سياسات واستراتيجيات معيبة ومنقوصة وغير هادفة.
كان يتعين علينا قراءة ودراسة التاريخ جيدا، وأن ندرك دروسه ومراميه قبل أن نُقدم على إلقاء شبابنا في أتون حرب لا ينالهم منها سوى الموت جراء الاندفاع وراء مشاعر الانتقام المحمومة لزمرة من القيادة السياسية لا تعبأ بشيء البتة.
وهكذا، انتهى بنا الأمر بالاستمرار في حرب أبدية بلا نهاية.
*بالاتفاق مع «بلومبرغ»


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة