سر اللمسة الساحرة!

سر اللمسة الساحرة!

الاثنين - 7 شهر رمضان 1442 هـ - 19 أبريل 2021 مـ رقم العدد [15483]
طارق الشناوي
ناقد سينمائي مصري

يقولون الفن يكمن في التفاصيل، وأيضاً الشيطان، وأضيف أن (الكاريزما) هي بالضبط تلك اللمحات الدقيقة جداً العصية على التحليل، التي نطلق عليها تفاصيل.
المطرب عبد الحليم حافظ، سبقه للحياة وللغناء شقيقه الذي يكبره بعشر سنوات إسماعيل شبانة، وكان عبد الحليم في البداية يحمل اسم شبانة قبل أن يمنحه الإذاعي حافظ عبد الوهاب اسمه.
وأتصور أن عبد الحليم كانت لديه حساسية من هذا اللقب، وهكذا جاء اسم الشهرة (حافظ) ليضع الأمور في نصابها، فلا يَحدث خلط بين الشقيقين إسماعيل وعبد الحليم.
هل كانت بينهما مشاعر غيرة مكبوتة؟ سألت الموسيقار الكبير الراحل محمد الموجي عن الحقيقة، قال لي: إطلاقاً؛ بل كان إسماعيل يرى أن عبد الحليم صار مشروعه وصوته.
هل من الممكن أن يضحي فنان بحلمه، مكتفياً بأن أقرب الناس إليه قد حققه؟ صار حليم، هو الأسطورة والأيقونة في زمنه، ولا يزال له مريدوه حتى الألفية الثالثة.
شهد عام 1953 بداية ظهور عبد الحليم، وعلى الجانب الآخر أفول، بل نهاية مشروع مطرب اسمه إسماعيل شبانة، كان الأمر قاسياً عليه، ومع الزمن ومع تضاؤل الفرص المتاحة، لم يعد أمامه سوى أن ينسى حلمه، ليصبح واحداً من فريق عبد الحليم، ينقل إليه ما يدور في معهد الموسيقى العربية، وبالتالي يدرك حليم ما هي النغمة السائدة، من خلال أذن شقيقه المدربة. روى لي الموسيقار الكبير الراحل كمال الطويل أنه فوجئ بتليفون من عبد الحليم يعاتبه لأنه منح المطرب اللبناني محمد مرعي لحن (لأ يا حلو لأ/ لأ مالكش حق)، التي صارت هي الأغنية الوحيدة التي اشتهر بها مرعي في مصر نهاية الخمسينات. تعجب الطويل، كيف وصل إليه الخبر، والأغنية لم تكن قد أذيعت، فأخبره أن إسماعيل استمع للبروفة.
إسماعيل كان سر بقاء عبد الحليم على قيد الحياة؛ أنقذه من الموت، وحمله على يديه وهو رضيع ابن أيام، قبل أن يفتك به أهل قريته (الحلوات) بمحافظة الشرقية، بعد أن اعتبروا ولادته نذير شؤم، ماتت أمه وهي تنجبه ومات والده بعدها بأسبوع، إسماعيل أيضاً كان هو المعلم الأول لشقيقه الصغير، وهو الذي أخذ بيد عبد الحليم وأقام عنده في القاهرة بعد أن ترك الملجأ الذي عاش فيه نحو 10 سنوات، وعلمه أصول الغناء وألحقه بمعهد الموسيقى. صوت إسماعيل شبانة من ناحية البناء الفني يعد مقياساً للاكتمال، حتى إن بعض كبار الموسيقيين أمثال الشيخ زكريا أحمد ورياض السنباطي وسيد مكاوي وعبد العظيم عبد الحق وعبد العظيم محمد وغيرهم، وضعوه في مكانة الصوت الأجمل، وفضلوه كخامة عن عبد الحليم، لما يتمتع به من إمكانات نظرية، إلا أن الجمهور لا يعنيه أبداً تلك المقاييس الشكلية.
مفتاح النجاح الاستثنائي هو تلك (الكاريزما)، يجب أن نضيف أنها ليست بالضرورة أبدية، هناك فنانون ومذيعون امتلكوها في مرحلة زمنية، وبعد ذلك غادرتهم، إنها بمعنى ما الحضور الشخصي الطاغي، من الممكن أن تجد توائم متماثلين في الملامح، ولكن أحدهما فقط هو الذي سكنته، لأنها تتجاوز التطابق الشكلي، إنها وهج داخلي، يصنع دائرة تتسع مع الأيام، لتجذب إليها، كل من هم أصبحوا داخل هذا المدار السحري.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة