لا تسمع نصف القصة

لا تسمع نصف القصة

السبت - 27 شعبان 1442 هـ - 10 أبريل 2021 مـ رقم العدد [15474]

بينما كان النبي داود يتعبد في يومه المعتاد الذي لا يمارس فيه القضاء بين الناس، إذ بشخصين قد «تَسَوَّرُوا المِحْرَابَ» (سورة ص – آية 21)؛ أي قفزا من فوق السور لأن الباب كان مغلقاً، «فَفَزِعَ مِنْهُم...» عليه السلام، «قَالُوا لا تَخَفْ خَصْمَانِ...»؛ يعني نحن خصمان «بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُم بَيْنَنَا بِالْحَقِّ، ولا تُشْطِطْ واهْدِنَا إلى سَواءِ الصِّرَاط». ثم ذكرا القصة: «إنّ هَذَا أخِي لَهُ تِسْعٌ وتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ...». والنعجة؛ الواحدة من الشياه، «فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَاب». أي غلبني في خطابه؛ لقوته وفصاحته وبيانه. فقال له داود: «لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إلى نِعَاجِهِ...». فحكم له داود عليه الصلاة والسلام من دون أن يسمع من خصمه. وطريقة الحكم ألا يحكم الحاكم حتى ينظر ما لدى الخصم؛ حسبما ذكر الشيخ ابن عثيمين في موقعه.
نستفيد من هذه القصة العميقة المغزى أن الإنسان يجب أن يسمع الطرفين حتى تكتمل له القصة أو تفاصيل الحكاية. فما بالنا إذا كنا بصدد الحكم على الآخرين. ولأن الإنسان خطّاء، فنحن نمارس هذا التصرف على مدار الساعة. ولهذا نجد أكثرنا إنصاتاً لجميع وجهات النظر؛ أقربنا لفهم الصورة الكلية للقرار أو المشكلة أو التحدي. ولهذا إذا دخل عنصر الكتابة في الموضوع، فإن غمامة التشويش تنجلي. وهذا ما يفعله القضاء في العصر الحديث بطلب كتابة بعض الترافعات، أو الأدلة، وتوقيع الشهود على شهاداتهم أمام القاضي. وحتى في مقهى «ستاربكس» الشهير يلجأ الموظف إلى تطبيق خطوات الإصغاء للعميل. فبعد الترحيب؛ يعيد على الزبون الطلب شفاهة، ثم يشير بيده إلى حجم الكوب، بعدها يكتب الطلب على الكوب نفسه بتفاصيله. هنا تصبح مهمة صانع القهوة المحترف سهلة؛ لأن الطلب قد سُمع من الطرفين وكُتب. هكذا تقل الأخطاء والتكاليف. فلو افترضنا جدلاً أن المقهى يرمي في سلة المهملات 5 أكواب يومياً لأنه ليست لديه آلية فهم القصة أو الطلب، وكان سعر الكوب 5 دولارات؛ فهذا يعني أنهم يهدرون 25 دولاراً يومياً؛ أي بمعدل 9125 دولاراً سنوياً للفرع الواحد. ولو افترضنا أن عدد فروعه عالمياً 20 ألف فرع؛ فهذا يعني أن خسارة عوائده قد تبلغ قيمة 182.5 مليون دولار سنوياً بسبب غياب آلية الإنصات التي يستفيد منها الطرفان.
‏ولما أدركت الشركات في العصر الحديث خطورة ذلك بدأت بتوسيع نطاق آلية تقليص «دوائر سوء الفهم» عبر لوائح ونظم في علاقاتها الداخلية والخارجية.
‏ولنا في كل ‏ما سبق عبرة وعظة.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة