حسين شبكشي
رجل أعمال سعودي، ومستشار اقتصادي لعدد من الشركات الخليجية الكبرى، وعضو مجلس إدارة ورئيس مجلس إدارة في عدد من الشركات السعودية والأجنبية. نشر العديد من المقالات في مجالات مختصة، وفي صحف ومجلات عامة في العالم العربي. اختير عام 1995 «أحد قادة الغد» من قبل «المنتدى الاقتصادي العالمي» في دافوس. أول رجل أعمال سعودي وخليجي ينضم إلى «منتدى أمير ويلز لقادة الأعمال».
TT

وداعًا عابد خزندار!

منذ إعلان خبر رحيل الكاتب والأديب والناقد السعودي الاستثنائي عابد خزندار ووكالات الأنباء الإخبارية ومواقع التواصل الاجتماعي بمختلف أشكالها بديباجات وشعارات وعبارات وكلمات النعي والتعزية والتأبين وتذكار سيرة الراحل الثرية، كنوع من التخفيف من فاجعة موته.
عابد خزندار كان نموذجا حقيقيا للمثقف ذاتي الصنع. انفتح بثقة وشجاعة ومثابرة على ثقافات الآخر وتعلم لغته، فأجاد بطلاقة الإنجليزية والفرنسية، وهو يقف على أرض صلبة وفخر بعربيته وثقافته.
العم عابد، كما كان محبوه ينادونه، أطلق لخياله ولقلمه العنان، فدخل بعمق في فكر الحداثة والفلسفة، وترجم الكثير من الأعمال المهمة، وعكس ذلك في إصداراته المكتوبة، ولعل من أهمها «الإبداع» و«حديث الحداثة» و«قراءة في كتاب الحب» و«رواية ما بعد الحداثة»، وغيرها من الكتب القيمة.
كان لابن حي الشامية في مكة المكرمة، الذي غادر الدنيا عن عمر يناهز الثمانين عاما، عموده الصحافي الأنيق والبالغ التأثير، الذي كان دوما ما يتناول الشأن المحلي بشكل رئيسي، ويدعم كلماته بالجانب الإحصائي والمعلوماتي الموثق، وتحول عموده إلى مادة قراءة رئيسية ومقررة لكل من كان يهتم بالشأن المحلي السعودي. وتمكن عبر مسيرته الثرية والمهمة والمؤثرة والطويلة أن يجمع مجالات قلما تجتمع في شخص واحد، فكان يعكس ذلك في إنتاجه، فجمع هو وحده النقد والترجمة والإبداع وبشكل أنيق جدا يعكس مرآة شخصيته ونفسيته الراقية والرايقة، وعكس أيضا توجهه الثقافي الفريد والسابق لبيئته ووقته ومحيطه واهتمامه التجاري الذي نتج عن تأسيس أهم مكتب ترجمة وأهم مكتبة تجارية وفرت جميع الصحف والمجلات والكتب باللغات الإنجليزية والفرنسية والألمانية بشكل مميز وجذاب. ولعل أجمل ما وُصف به الراحل الجميل كلمات قالها عنه القاص والروائي السعودي عمرو العامري: «لقد كان آخر النبلاء الذين يكتبون في كامل أناقتهم»، ولعل التهمة التي كانت دوما ما تطال المثقفين في المجتمعات العربية تحديدا هي انفصالهم عن الشارع والمجتمع وسكنهم بشكل غريب في أبراج عاجية وعالية، وهذه التهمة لم تكن لتنطبق على الراحل عابد خزندار، لأنه فضل وأصر على التواصل مع العامة، والعيش مع هواجسهم والتعرف على مشاكلهم وشجونهم وتحدياتهم وأحلامهم وآمالهم ومخاوفهم.
تحول عابد خزندار مع الوقت إلى مدرسة بحد ذاته لا يُذكر في أي وسط إلا وينال الاحترام والتقدير والتبجيل والثناء على مسيرة مهمة لم تعكرها أي شائبة، لأنه ارتفع وترفع عن أي تصنيف أو تحزب أو فريق، واختار الشأن العام والإنسانية والثقافة العالمية المنفتحة على الكل، فعاش ومات وهو في سلام عميق مع النفس أكسبه الاحترام والمحبة من كل الناس الذين عرفوه. وفي تغريدة له على «تويتر» وهو يستشعر دنو الرحيل كتب متذكرا زوجته الراحلة: «وقد نكون وما يخشى تفرقنا.. فاليوم نحن وما يرجى تلاقينا».
اللهم ارحم عابد خزندار رحمة واسعة، وأسكنه جناتك، وألهم أهله وذويه الصبر والسلوان.