لحسن حداد
كاتب مغربي وهو أستاذ جامعي في التدبير والتواصل والعلوم السياسية والجيواستراتيجيا وإدارة الأعمال. خبير دولي في التنمية والاقتصاد والدراسات الاستراتيجية والثقافية والاجتماعية. نائب رئيس «المنظمة الدولية للتنمية». وزير السياحة الأسبق في الحكومة المغربية. عضو في مجلس المستشارين المغربي (الغرفة الثانية في البرلمان). رئيس اللجنة المشتركة للبرلمانين الأوروبي والمغربي.
TT

المغرب... حديث القنب الهندي والسنة الانتخابية

وافقت الحكومة المغربية، في 11 مارس (آذار) 2021، على مشروع قانون يهدف إلى رفع التجريم عن زراعة القنب الهندي، المعروف بـ«الكيف»، الذي يستعمل في استخراج مخدر «الشيرا» أو «الحشيش» الذي يتم تهريبه إلى أوروبا عن طريق شبكات منظمة، وتشجيع استعماله لأغراض طبية وصناعية.
هذا الموضوع مطروح للنقاش منذ أن وضع فريقان برلمانيان، ينتميان لحزب الاستقلال وحزب الأصالة والمعاصرة، قبل ثماني سنوات، مقترحيْن لتقنين زراعة واستعمال «الكيف» لأغراض مشروعة. توالت النداءات منذ ذلك الحين من أجل تجاوز الوضع الحالي، خصوصاً أن آلاف الفلاحين يعانون الأمرَّين لأنهم يعملون خارج القانون، وكثير منهم مبحوث عنهم لدى العدالة، ولا يكسبون الشيء الكثير من زراعة القنب الهندي؛ المستفيد الأكبر هم بارونات المخدرات والمهربون ومافيات الحشيش.
ومعلوم أن لجنة المخدرات التابعة للأمم المتحدة صوتت، في الثالث من ديسمبر (كانون الأول) 2020، لصالح إزالة القنب الهندي من قائمة المخدرات. والواقع أن اتفاقية الأمم المتحدة بشأن المخدرات لعام 1961 أصبحت متجاوزة، إذ إن هناك كثيراً من الدول التي خالفت الاتفاقية، وسنت قوانين داخلية تنظم استخدام القنب الهندي، مثل كندا وأوروغواي على سبيل المثال (دويتشه فيله عربية: «ماذا وراء سحب الأمم المتحدة القنب الهندي من قائمة المخدرات الخطيرة؟»، 5 ديسمبر/ كانون الأول 2020).
وبإزالتها للقنب الهندي من قائمة المخدرات، فإن لجنة المخدرات تأخذ برأي منظمة الصحة العالمية التي أوصت قبل سنتين بإعادة النظر في تصنيف القنب الهندي على قائمة المخدرات (توم أينجل: «منظمة الصحة العالمية توصي بإعادة تصنيف الماريجوانا ضمن الاتفاقيات الدولية»، فوربس، الأول من فبراير/ شباط 2019).
مشروع قانون رفع تجريم زراعة القنب الهندي في المغرب، وتشجيع استعماله لأغراض طبية وصناعية، لم يشر أبداً إلى أي استعمال ترفيهي؛ أي تدخين الحشيش أو «الكيف» الذي يتم خلطه بالتبغ وتدخينه عن طريق أنابيب تقليدية خاصة، بل قال بضرورة تنظيم الزارعة، وحصرها في مناطق معينة، وتشجيع الاستعمالات الصناعية والطبية، وخلق وكالة لإعطاء الرخص وتنظيم سلاسل الإنتاج.
ومع ذلك، فقد خلق مشروع القانون زوبعة داخل حزب العدالة والتنمية ذي التوجه الإسلامي المحافظ، الذي يقود الحكومة المكونة من أحزاب وسطية وليبرالية ويسارية. هكذا، استقال إدريس الأزمي من رئاسة المجلس الوطني للعدالة والتنمية، وأعلن مصطفى الرميد وزير الدولة المكلف حقوق الإنسان والعلاقات مع البرلمان عن استقالته من منصبه الحكومي (قبل أن يتراجع عنها)، بينما هدد عبد الإله ابن كيران، رئيس الحكومة السابق الرجل الأكثر تأثيراً في حزب العدالة والتنمية، بأن يستقيل من الحزب نهائياً إن صوت برلمانيوه لصالح مشروع القانون المذكور. ومباشرة بعد التصويت في المجلس الحكومي، أعلن عن قطع علاقاته مع عدد من وزراء الحزب، وجمّد نشاطه داخل العدالة والتنمية.
المدهش في موقف قياديي حزب العدالة والتنمية هو أنهم لم يناقشوا محتويات ومضامين القانون، ولكنهم رفضوا الفكرة في حد ذاتها، جملة وتفصيلاً؛ يشير القنب الهندي لديهم لشيء واحد، هو المخدرات؛ أو على الأقل هذا ما يبدو من قوة رد فعل بعض منهم.
قد نجد تفسيراً لهذه الردود فيما أعلنت عنه «حركة التوحيد والإصلاح»، الذراع الدعوية للحزب، التي قالت إنه «على عكس ما يتم الترويج له إعلامياً، من أن مشروع التقنين جاء أساساً لتطوير الزراعات المشروعة للقنب الهندي، وأنه كفيل بتحسين دخل المزارعين وحمايتهم من شبكات التهريب الدولي للمخدرات، فإن الحيثيات المقدمة تتحدث أكثر عن السوق العالمية، وضرورة الإسراع للاستحواذ على أكبر الحصص منها، وضرورة استثمار المغرب للفرص التي تتيحها هذه السوق، واستقطاب الشركات العالمية الكبرى المتخصصة، وجلب الاستثمارات العالمية، والاستفادة من مداخيل السوق الدولية لهذه النبتة».
غير أن الحركة لم تشرح لماذا يجب توخي الحذر من الاستثمار ونمو سوق القنب الهندي بالمغرب. على العكس، فتنظيم التصنيع يقتضي جلب الرساميل والخبرات، وعصرنة إنتاج السلاسل، ودعم خلق وحدات للتحويل؛ وكلها أمور كفيلة بتحسين مداخيل الفلاحين، وتحقيق تنمية حقيقية على مستوى جبال الريف.
ليس من المستبعد أن تكون هناك حسابات سياسية كذلك لدى بعضهم، حيث إنهم يخافون من استفادة حزبي الاستقلال و«البام» انتخابياً من دعمهما لفلاحي الريف الذين ينتجون القنب الهندي. هكذا، قد يستفيد عشرات الآلاف منهم من عفو محتمل من المتابعات القضائية، وقد يستفيد كثير منهم من نمو الاستثمار الصناعي في المادة. ومع ذلك، فقد أسرَّ لي أحد قياديي هذين الحزبين على مستوى البرلمان، فضل عدم ذكر اسمه، بأن الفائدة الانتخابية من وراء مساندة مشروع رفع التجريم غير واردة، خصوصاً مع غياب تحديد لهوية هؤلاء وآرائهم ومواقفهم السياسية ومدى تأثير مهربي الحشيش عليهم.
موقف حزب العدالة والتنمية أثار حفيظة كثير ممن يساندون رفع تجريم القنب الهندي. حجج من يساندون تقنين النبتة هو أن الاستعمالات الصناعية واعدة، وقد تُدِرُّ دخلاً مهماً على الفلاحين، وقد تجلب استثمارات مهمة، خصوصاً مع تعدد الاستعمالات الطبية والصناعية، وحتى التجميلية. ويقولون إن ما ينطبق على العنب والتين اللذين يمكن استعمالهما لإنتاج خمور، ينطبق كذلك على القنب الهندي الذي قد يستعمَل لإنتاج مخدر الحشيش، فلماذا يتم منع زراعة القنب الهندي ولا تُمْنَع زراعة التين والعنب وغيرها من الفواكه؟ إضافة إلى هذا، يقول المدافعون عن تقنين استعمال القنب الهندي إن رفع التجريم سيسحب البساط من تحت أقدام المهربين وبارونات الحشيش الذين يستفيدون من حالة المنع، ويستغلون الفلاحين البسطاء للإنتاج غير المقنن، ويستعملون طرقاً غير مشروعة وإجرامية من أجل تهريب الحشيش عبر البحر، وأحياناً عبر الجو كذلك.
صحيح أن مشروع القانون أتى في سنة انتخابية، والاستعمال السياسوي لقضايا مهمة واستراتيجية ذات طبيعة اقتصادية واجتماعية شيء غير غريب عن الساحة السياسية المغربية، ولكن الحكومة كانت ربما تنتظر أن يكون هناك إجماع دولي عبر هيئات الأمم المتحدة قبل المرور إلى رفع التجريم، مع العلم بأن دولاً كثيرة لم تنتظر قرار لجنة المخدرات لاتخاذ قرارات لتقنين الاستعمال الصناعي وتطويره، بل إن هولندا وولايات معينة في أميركا أباحت الاستعمال الترفيهي؛ أي التدخين المحدد المقنن.
لم يعلن المغرب عن نيته إباحة التدخين المُقَنَّن، واكتفى بالإعلان عن نيته رفع التجريم عن الإنتاج في مناطق معينة، وتشجيع الاستغلال الصناعي، ومع ذلك لم يسلم الأمر من استغلال سياسوي بعيد عن النقاش العلمي الهادف المتوخى في مثل هذه الأمور.