«كورونا» وحدود التحور

«كورونا» وحدود التحور

الخميس - 6 رجب 1442 هـ - 18 فبراير 2021 مـ رقم العدد [15423]

مر عام منذ انطلاق صفارات الإنذار الأولى بخصوص فيروس «كورونا»، ورغم التراجع في أعداد الإصابات ثمة مخاوف جديدة بدأت تطفو على السطح. وكان من شأن ظهور نسخ متحورة من فيروس «كوفيد - 19» إثارة مخاوف في نفوس المتشائمين إزاء إمكانية حدوث موجة أخرى قادمة أكبر.
بالفعل، يتحور الفيروس بصور أكثر عمقاً عما توقعه العلماء البيولوجيون الصيف الماضي، ومع ذلك هناك أبحاث جديدة توحي بأنه ربما تكون هناك حدود لعدد الحيل التي يمكن أن يفاجئنا بها الفيروس - وهذا ربما ييسر على اللقاحات مواكبته.
وإذا كان العلماء قد فوجئوا بعض الشيء بالتحورات التي ظهرت للفيروس، فإن هذا يعود إلى أنهم لم يدركوا بالكامل بعد الأسلوب الذي يميل من خلاله الفيروس نحو التحور - ذلك أن التحور يحدث على نحو مختلف عما يجري مع الإنفلونزا أو فيروس نقص المناعة البشرية «إتش آي في». ويملك هذا الفيروس موهبة تغيير شكله من خلال التخلي عن بعض أجزاء شفرته الجينية.
في وقت مبكر، لاحظ عدد قليل من العلماء حدوث تلك الطفرات التي يطلق عليها طفرات بالحذف، وذلك من خلال دراستهم لعينات من الفيروس من مرضى لديهم أجهزة مناعة ضعيفة. ويمكن أن يتحول هؤلاء المرضى لما يشبه بوتقات لعمليات تطور الفيروس، نظراً لأن الفيروس يبقى داخل خلاياهم لشهور، ويصنع نسخاً من نفسه طوال الوقت.
وتبدو الطفرات التي لاحظها العلماء داخل أفراد مرضى متطابقة بصورة أساسية مع تلك الموجودة اليوم في الطفرات الجديدة. من جانبه، يرى العالم المتخصص في الأحياء الجزيئية كيفين مكارثي من جامعة بيتسبرغ، الذي عكف على تحليل المرضى أصحاب أجهزة المناعة الضعيفة، أن هذا الحدث كاشف للغاية. وقال إن «التطور الذي حدث داخل المرضى الأفراد تنبأ في بعض جوانبه بما سيفعله الفيروس على مستوى العالم بأسره».
ونشر مكارثي والفريق المعاون له النتائج التي توصلوا إليها في وقت سابق من الشهر الحالي في دورية «ساينس». ونشرت مجموعة أخرى من الباحثين مقارنة مشابهة في «نيو إنغلاند جورنال أوف ميديسين» في عددها الصادر في ديسمبر (كانون الأول) الماضي.
في الربيع والصيف الماضيين، ساد اعتقاد بين العلماء بأن فيروس «سارس - كوف - 2» مقاوم للطفرات بصورة ما، نظراً لأنه يحوي آلية تصحيح جزيئية. وعندما يتكاثر فيروس متحول، فإن هذه الآلية تصححه. وجدير بالذكر أن الخلايا البشرية، وكذلك خلايا حيوانات أخرى، تملك العديد من أنظمة التصحيح هذه للسماح بتكرار نسخ الفيروس من دون وقوع الكثير من الأخطاء. إلا أن فيروسات الإنفلونزا ونقص المناعة البشرية لا تفعل ذلك - ما يعتبر أحد الأسباب وراء استمرار هذه الفيروسات في التطور بسرعة كبيرة للغاية تفوق قدرة لقاح واحد.
ومع ذلك، اتضح أن آلية التصحيح الجزيئية لدى فيروس «كورونا» تسمح بنمط واحد من التحور، وذلك من خلال جزء من الشفرة الجينية المفقودة. وعليه، فإن الفيروس قادر على التخلي عن أجزاء من الشفرة ومع هذا يستمر في التكرار، ويستمر أيضاً في الانتقال بين الأفراد.
من جهته، قال مكارثي إنه التفت إلى هذا الأمر في مطلع الخريف عندما واجه سؤالاً عن عمليات الحذف التي حدثت داخل أحد المرضى. وأضاف: «بدأت في البحث عن هذه التسلسلات الجينومية لفيروس «سارس - كوف - 2» التي حدثت في مختلف أرجاء العالم وجرى تسجيلها في قاعدة بيانات عامة. وبدأت في التوصل إلى أمثلة إضافية».
ويمكن أن تسمح عمليات الحذف للبروتينات الفيروسية بتغيير أشكالها بطرق تمكنها من تفادي كل من آلية التصحيح وكذلك جهاز المناعة البشري. وأوضح مكارثي أن هذا تحديداً ما يثير القلق. وتحوي الطفرة الجديدة الأولى التي سيطرت على عناوين الأخبار لبي 7.1.1 والتي انتشرت بسرعة كبيرة داخل المملكة المتحدة، اثنين من هذه المحذوفات.
وعلى ما يبدو، تكمن الميزة الكبرى لبي 7.1.1 في زيادة قدرته على التنقل بين البشر. ومن المبادئ الأساسية للتطور أيضاً أنه كلما زاد إنتاج البشر للأجسام المضادة للفيروس - نظراً لأنهم أصيبوا به من قبل أو لأنه جرى تطعيمهم ضده - زادت قوة أي طفرة جديدة تنجح في تفادي هذه الأجسام المضادة.
وشبه أندرو ريد، العالم المتخصص في علم الأحياء التطورية بجامعة ولاية بنسلفانيا الأميركية، الأمر بإدخال حيوانات مفترسة جديدة على جزيرة ما، ذلك أن الحيوانات الموجودة بالفعل على الجزيرة يصبح لزاماً عليها إما الموت وإما التكيف - عن طريق إطلاق قذائف، أو التسلق أو الحفر، أو اكتساب القدرة على المقاومة.
وإذا ما طور فيروس «كورونا» استراتيجية جديدة مضادة للقاحات، فسيتحتم علينا تطوير استراتيجية مضادة.
وربما يعني ذلك تحديث اللقاحات الموجودة بحيث تتمكن من تحفيز مجموعة أوسع من الأجسام المضادة. وربما يساعد في ذلك أيضاً تطعيم الأفراد بلقاحات مختلفة في الجرعتين الأولى والثانية من التطعيم، وهو النهج الذي يحتاج إلى اختباره عبر تجارب سريرية.
من جانبه، أبدى مكارثي رغبته في الاطلاع على المزيد من البيانات الخاصة بمرضى أصيبوا بفيروس «كوفيد - 19» رغم حصولهم على اللقاح، مثل متى تعرضوا للإصابة وهل لديهم مستويات مرتفعة أو منخفضة من الفيروس في أجسادهم؟ وتتطلب هذه المعركة أن يكون لدى جميع العلماء المعنيين بمواجهة فيروس «كورونا» جميع البيانات التي يحتاجونها.
إلا أنه قياساً على ما خلص إليه العلماء حتى الآن، فإنه لا يبدو أن الطفرات الجديدة تعني أن الوباء لن ينتهي أبداً. من جانبه، يعتقد مكارثي أن «سارس - كوف - 2» ربما لا يكون قادراً على تحوير نفسه بطرق لا نهائية تجعله أفضل في إصابة الأفراد وتجنب الأجسام المضادة. وحتى الآن، يرى العلماء أن عمليات الحذف نفسها تظهر مراراً وتكراراً. وقال مكارثي: «كان الفيروس يخبرنا أنه يتطور على نحو معين لسبب معين».
من ناحية أخرى، فإنه في هذه المرحلة، تظهر تغييرات جديدة على نحو مستقل في أماكن مختلفة - ما يسمى بالتطور التقاربي - ويمكن أن يكون عدد التغييرات المحتملة محدوداً.
قبل عام، اعتقد البعض أن مسار الوباء يمكن التنبؤ به وفق صيغ بسيطة. وعندما أصبحت تعقيدات فيروس «كورونا» واضحة، تراجعت ثقة العلماء في توقعاتهم، لكن هذا يعني أنه ليس هناك سبب لافتراض أن الوباء لن يختفي أبداً.
- بالاتفاق مع «بلومبرغ»


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة