الفيروس الإيراني!

الفيروس الإيراني!

الأربعاء - 5 رجب 1442 هـ - 17 فبراير 2021 مـ رقم العدد [15422]
فايز سارة
كاتب وصحافيّ سوريّ

ربما لا يفوق الخبر الإيراني، وما يتصل به متعلقات في الأخبار العالمية، سوى الأخبار المتصلة بفيروس كورونا. وأساس الشيوع في الأول، لا يختلف كثيراً عن أساس الشيوع في الثاني من حيث أمرين أولهما انشغال عالمي بالاثنين، والثاني الخطر الذي يحمله كل منهما عبر تطورات وأحداث، تجعله محط أنظار العالم، وسط فارق نوعي مهم، أولهما أن إيران وإن كانت لها بعض المزايا، فهي واحدة من نحو مائتي دولة في العالم، بينما فيروس كورونا، حالة فريدة بين فيروسات العالم، وإن كان يحاول توليد سلالات جديدة له في أماكن عدة.
والتدقيق في انتشار الخبر الإيراني، يقودنا إلى حضوره اليومي في الولايات المتحدة والدول الأوروبية، ورغم أن السبب الأساسي لحضوره في هاتين المنطقتين من قلب العالم، يتصل أساساً بملف إيران النووي، فإن ثمة أسباباً أخرى لحضوره، أبرزها فضيحة الدبلوماسية الإيرانية ودورها في إدارة أعمال إرهابية على المستوى الأوروبي، وكان من أحد نتائجها صدور حكم قضائي في بلجيكا بالسجن عشرين عاماً على الدبلوماسي الإيراني أسد الله أسدي بعد إدانته بالتخطيط لهجوم، كان يفترض أن يستهدف تجمعاً لمعارضين إيراني في فرنسا عام 2018.
وبطبيعة الحال، فإن الحضور الإيراني عبر الخبر في الولايات المتحدة وأوروبا لجهة الملف النووي أو غيره، يشكل محور في اهتمامات المسؤولين الأوروبيين وفي أوساط الرأي العام الأوروبي، لكن الاهتمامات تبدو أكثر لدى المسؤولين الأميركيين، فتبدأ من الرئيس إلى دبلوماسيي وزارة الخارجية، وتشمل كبار القادة العسكريين والأمنيين والبرلمانيين وأوساط الرأي العام والإعلام الأميركي، ولعل سر الاهتمام الأميركي الزائد، يستند إلى سجل إيران في دعم وممارسة الإرهاب، وهي بين قضايا الأمن القومي، مما جعل واشنطن، تصنف إيران في مقدمة الدول الراعية للإرهاب في العالم منذ عام 1979. وتضخم سجلها كثيراً في العقود الماضية، ولا شك أنه بين أسباب دفعت واشنطن وشركاءها إلى توقيع الاتفاق النووي عام 2015 باعتباره يخفف طموحات إيران النووية، ويحد من عملياتها الإرهابية، لكن النتائج كانت مخالفة للتوقعات الغربية وفق الوقائع.
وروسيا بين أكثر الدول المشغولة بالخبر الإيراني الذي يشير إلى الروابط والعلاقات المعقدة بين الطرفين، التي تجعل منهما قريبين جداً وبعيدين جداً في آنٍ معاً. كلاهما محكوم بديكتاتورية، دينية في إيران ومافيوية في روسيا، وهذا تعبير عن وجه التشابه والتناقض، وثمة وجه آخر يجسده وجودهما الاحتلالي في سوريا ودعمها نظام الأسد، ولكل منهما عصابة مسلحة تحت اليد، تمارس الإرهاب، حيث «حزب الله» يتبع إيران، ومجموعة فاغنر بمرجعية روسية، وشراكة الطرفين تجعلهما متنافسين على السيطرة والنهب في سوريا، لكنهما شريكان مع تركيا في تحالف آستانة الخاص بسوريا.
ولا يقل الخبر الإيراني في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا شيوعاً عما هو عليه في الغرب الأورو - أميركي. لأن المنطقة ساحة العمل الإيراني الأولى، والحيز الأهم لتحقيق الأهداف الرئيسية لإيران في السيطرة الآيديولوجية عبر نشر التشيع، والتوسع السياسي والعسكري لخلق فضاءات خلفية لإيران، وتأمين وصولها السهل إلى ساحل البحر المتوسط عبر ما تمت تسميته بـ«الهلال الشيعي». وانطلقت توجهات إيران السابقة من فكرة مقاومة إسرائيل، من دون تسجيل أي اشتباك معها، رغم كل التماسات المباشرة والطويلة بين الطرفين وخاصة في لبنان وسوريا، وتجاوزت إيران في تمددها الإقليمي فكرة مقاومة إسرائيل في عمليات مد نشاطاتها في التمدد السياسي والثقافي إلى شمال أفريقيا والسودان واليمن والبحرين، وكلها خارج حدود التماس العربي المباشر مع إسرائيل.
شغلت إيران الحيز الأكبر من فضاءات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا على مدار عقود مضت، رغم أن المنطقة، كانت حاضنة لأحداث وتطورات ذات أهمية كبيرة، لكنها لم تستطع تجاوز ما يتصل بإيران مثل الحرب الإيرانية - العراقية، والتسلل الإيراني إلى الخليج، وأحكام الهيمنة الإيرانية على لبنان عبر «حزب الله»، وعلى الجماعات الفلسطينية المسلحة، فجمعت في سلتها المتناقضين، ودفعت نظام الأسد للوقوف إلى جانبها ضد الأكثرية العربية، مكرساً انقساماً عربياً في قضية، يفترض أنه لا خلاف في مواجهة التوسع الإيراني في الحيز العربي، قبل أن تذهب إيران لاحقاً إلى تدخلات سافرة في أغلب الدول العربية، والمشاركة في صراعات وحروب داخلية في أربع بلدان عربية لحماية سلطات محلية، لا وزن لها سوى الارتهان والتبعية لملالي طهران، مما كرس ضعفاً عربياً، ربما هو الأشد قسوة في تاريخ العرب الحديث.
وفي سياق الانتشار الإيراني في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ثمة أمران لا يمكن تجاوزهما، الأول يجسده كذب ادعاءات إيران في الموقف من إسرائيل، وأقله عدم رغبتها في الدخول بمواجهات ساخنة، ولا الرد على هجمات إسرائيلية على أهداف إيرانية وأخرى تتبع إيران ومنها قواعد «حزب الله» اللبناني، وقد تجاوز عدد الهجمات في عام 2020 الخمسمائة عملية إسرائيلية، والأمر الثاني علاقات إيران مع جماعات التطرف الإسلامي، شاملة العلاقة مع «القاعدة» في أفغانستان، ومتواصلة مع «داعش» في سوريا، وتشمل بينهما جماعات أخرى منها «حماس» و«الجهاد» في فلسطين، وجوهر العلاقات يتجاوز فكرة المساعدات المادية إلى التدريب، وتوفير ملاجئ آمنة لهذه الجماعات وقياداتها كما في حال قيادات «القاعدة»، التي تقيم في إيران، ويتضمن دعم الجماعات المساعدة في تأسيسها والتشارك في بعض مهماتها كما في دعم إيران للميليشيات التي أنشأتها، وثمة تقارير ذات قيمة أشارت إلى دور إيراني وسوري في «داعش»، وربما يساهم ذلك في تفسير استبعاد الوجود الإيراني في قائمة عمليات «داعش»، وهو الاستثناء الظاهر أيضاً في قائمة عمليات جبهة «النصرة» الفرع الرسمي للقاعدة بأسمائها المختلفة في سوريا.
قائمة طويلة من سياسات مورست عبر العالم هدفها تحقيق استراتيجية إيران إقليمياً ودولياً، اتُبعت لتحقيقها طرق وأساليب وخطط مختلفة، بينها حروب مباشرة أو بالوكالة، صراعات مكشوفة ومستورة، وعمليات إرهاب وتخويف، شراء ذمم ورشاوى وعمليات ابتزاز وضغوطات، واستخدام للدين والمخدرات وشبكات الاتجار بالبشر، لقد بدت تلك السياسات فيروساً لإخضاع العالم بأي طريق كان، إن لم يكن من أجل تحقيق «تقدم وإنجاز ما» على طريق استراتيجية إيران فعلى الأقل إثبات وجودها في الزمان والمكان، تمهيداً لجولة أو جولات قادمة في اتجاه أهداف طهران.
وإذا كانت استراتيجية إيران وسياساتها، تمثل أخطاراً على بعض دول العالم، فإن التوقف عند الاستراتيجيات والسياسات المقابلة، يبين ضعف الأخيرة في مواجهة الأولى، وهو ضعف، لا يستند إلى نقص في القدرات والموارد، إنما إلى سوء في السياسات سواء كان عائداً إلى أخطاء في التقديرات والتحليلات، أو مستنداً إلى دوافع مصلحية نفعية محدودة لهذه الدولة أو تلك، أو بالاستناد إلى عوامل أخرى، يمكن أن تساعد في تفسير التساهل الدولي حيال التسلل الإيراني في الواقع العربي، وتشتت العرب في إدراك مخاطره ومواجهته، ويمكن أن تفسر بؤس الموقف الأوروبي في مواجهة إيران، بل وسعي بعض قادتها على نحو ما يفعل الرئيس الفرنسي ماكرون في لعب دور الوسيط بين إيران والولايات المتحدة، والتي يمكن وصف موقفها من إيران بالتساهل، ليس بسبب صيرورة العقوبات الأميركية على طهران بلا جدوى فقط، بل بدلالة سكوت واشنطن عن خروقات إيران لخط التوافقات الدولية في ملفها النووي.
خطر الفيروس الإيراني، يبدو اليوم أكبر بكثير من خطر «كورونا». لأن الأول يقابل بمواقف ضعيفة ومشتتة ومزايدات، لا تساهم في الإبقاء على الفيروس وتطويره في مواجهة أي محاولة للقضاء عليه أو حجره فقط، بل تساعد في نمو بيئته الحاضنة وتقويها، بخلاف ما هو عليه حال «كورونا» الذي أثمر الاتحاد والتعاون الدولي في اكتشاف لقاحات متعددة ضده، جعلت من إمكانيات هزيمته مجرد وقت ليس إلا.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة