الطفيلي لا يبقى!

الطفيلي لا يبقى!

الخميس - 29 جمادى الآخرة 1442 هـ - 11 فبراير 2021 مـ رقم العدد [15416]
حسين شبكشي
اعلاميّ ورجل اعمال سعوديّ وعضو مجلس ادارة شركة شبكشي للتّنميّة والتّجارة وعضو مجلس ادارة مؤسّسة عُكاظ للصّحافة والنّشر

تابعت بكل حزن وأسى سقوط مثقف حر وطني شريف آخر في البلد الحزين لبنان على أيدي عصابة تنظيم «حزب الله» الإرهابي. قتل المفكر اللبناني الكبير لقمان سليم، والمعروف بمواقفه المعارضة الجريئة والحادة والفاضحة لجرائم تنظيم «حزب الله». وكانت مواقف لقمان سليم وتصريحاته تسببان إحراجاً شديداً للمنظومة الحاكمة للحزب نظراً لما يتمتع به لقمان سليم من مصداقية عريضة جداً وسمعة محترمة وتاريخ مشرف وأصيل داخل الطائفة الشيعية، التي هو ابنها أباً عن جد، ولعائلته جميعاً إرث اجتماعي وسياسي هو محل تقدير واعتزاز واحترام كبير جداً.
انضم لقمان سليم إلى قائمة شهداء المجد الذين سقطوا على أيدي مجرمي الغدر ومرتزقة «حزب الله». قائمة لم يكن لديها سلاح تواجه به طغيان وأكاذيب «حزب الله» وإجرامه إلا الكلمة الحرة والقلم الشريف والحبر العنيد. ولكني لم أفاجأ بمقتل لقمان سليم قط، بل ومع شديد الأسف أتوقع اغتيال المزيد ممن يتبنون مواقف الفقيد المغدور نفسها، فـ«حزب الله» لا يعرف إلا لغة الغدر والجبن. فعلها سابقاً مع «حلفائه» كتنظيم «أمل» والمقاومة الفلسطينية على سبيل المثال طبعاً لا الحصر.
بات من المضحك والسذاجة استمرار ترديد أن سلاح «حزب الله» هو سلاح مقاومة موجه ضد إسرائيل، فهذه الكذبة باتت لا أحد يصدقها ولا أنصار ومرتزقة عصابة الحزب نفسه. واقع الأمر أن سلاح «حزب الله» تحول بالفعل إلى سلاح مقاومة، ولكنها مقاومة موجهة للداخل بشكل حصري. مقاومة الكلمة والرأي الحر والتعايش والدولة المدنية الوطنية، وحماية الطائفية والظلامية والتبعية للخارج، وهي مسألة فضح أمرها تماماً وخصوصاً داخل أوساط النخبة المثقفة الشيعية، وهي أول من يدفع ثمنها كما حصل مع لقمان سليم.
لم يعد غريبا أن يردد المتظاهرون وبكل جرأة وثقة ويقين شعار «حزب الله إرهابي»، أو أن يتصدر وسم بالكلمات نفسها وسائل التواصل الاجتماعي، وأن تضيع كل الهيبة والمكانة التي بناها زعيم تنظيم «حزب الله» الإرهابي حسن نصر الله عبر سنوات طويلة جداً من التلميع الإعلامي ليصبح مادة سوقية للتندر والسخرية، ليُذكر في السياق نفسه مع شخصيتي أبو العبد وأبو طنوس المعروفتين في عالم النكتة اللبنانية.
لم يقدم تنظيم «حزب الله» أي مشروع حضاري مدني للبنان، ولكنه كان عبارة عن منتج إرهابي بامتياز وبندقية للإيجار لتصفية المخالفين معه وتنفيذ مشاريع الغير في لبنان وخارج لبنان، ولذلك فهو بعمره لن يكون قادراً على تحمل فكرة حضارية لمناقشتها والتحاور عليها، ومن ثم قبولها بعد ذلك. فليعذرني الشاعر العربي الكبير أبو تمام الذي قال «السيف أصدق أنباء من الكتب» فأنا لا أوافقه على ذلك... السيف حل مؤقت لأن الأفكار تبقى خالدة وحية بعد رحيل أصحابها عن دنيانا. لم يكشف عن أي جريمة تسبب فيها «حزب الله» ومجرموه حتى عندما أدانت أعلى جهة قضائية في العالم، المحكمة الدولية، أحد كبار عناصر الحزب العسكرية باغتيال رئيس الوزراء الراحل رفيق الحريري، يرفض الحزب تسليم المتهم، بل ويقوم بتوفير الحماية الكاملة له بشكل فج ووقح لا يخشى فيه الدولة ولا أجهزة الأمن فيها.
لقمان سليم هو كائن عضوي وأصيل من أرض لبنان، أما حسن نصر الله وحزبه الإرهابي فهما كيانات طفيلية وغريبة عنه، ولكنها انتشرت كالسرطان الخبيث فيه. منذ سنوات طويلة كتبت لورا زيتراين إيزنبرغ كتاباً مثيراً جداً للجدل عنوانه «عدو عدوي: لبنان في التصورات الصهيونية المبكرة 1900 - 1948» وهي عن محاولات بناء علاقات بين دولتين مستحدثتين في الشرق الأوسط، والاتصالات التي حصلت بين الزعامات المارونية ويهود إسرائيل، ولم تسفر عن اعتراف بينهما وتم اتهام الموارنة وقتها بالخيانة (الشيء نفسه تكرر مع الرئيس اللبناني الأسبق أمين الجميل واتفاق أيار الشهير في عهده الذي سرعان ما تم إلغاؤه). اليوم يقود تحالف سياسي جديد الوضع في لبنان، تحالف بقيادة تنظيم «حزب الله» الإرهابي والذي بدأ في مباحثات ترسيم الحدود مع إسرائيل منهياً عملياً حالة الحرب معها والدخول في مرحلة النفع الاقتصادي المشترك بينهما.
يراهن «حزب الله» على لبنان جديد لا تعددية فيه ولا حرية فيه حتى يكون شبيهاً به. ولكن الجسم الطفيلي لا يبقى. الرحمة للقمان سليم والمجد لكلماته.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة