ما هو الوعي؟ العلماء يتسابقون لاكتشاف الإجابة

ما هو الوعي؟ العلماء يتسابقون لاكتشاف الإجابة

الأربعاء - 14 جمادى الآخرة 1442 هـ - 27 يناير 2021 مـ رقم العدد [15401]

في عالم العلم، هناك الكثير من الأمور المثيرة في الوقت الراهن، لكن يخالجني اهتمام خاص تجاه مجموعة من التجارب التي ربما تثمر نهاية الأمر عن رفع مستوى الوعي البشري.
وأعني ذلك حرفياً: فالهدف من وراء هذا البحث فهم ما يعنيه «الوعي» على وجه التحديد؟ وكيف يعمل؟ وما الحيوانات التي تملك وعياً؟ ولماذا يفقد الناس الوعي بعض الأحيان؟ وهل يمكن أن ينجح الذكاء الصناعي في جعل آلاتنا أكثر وعياً بذواتها؟
إلا أنني أتحدث هنا أيضاً عن رفع الوعي على مستوى آخر، ذلك أنَّ الأسلوب الذي تجري به هذه الدراسات يمكن أن يقودنا إلى توجه أفضل لإجراء الأبحاث والدراسات بمجال العلوم ومجالات أخرى. وفي ظل عالمنا الراهن الذي يبدو أن الحقيقة تغيب عنه، يمكن أن يساعدنا هذا التوجه في تسوية بعض الصراعات الأخرى بنزاهة فكرية.
ويطلق على هذا الأسلوب «التعاون العدائي». تجدر الإشارة في هذا الصدد إلى أنه في مجال العلم مثلما في الحياة، عادة ما تكون لدى الأفراد كثير من النظريات. من الناحية المنطقية، لا يمكن أن تكون جميعها صحيحة في الوقت ذاته. ومع ذلك، تستمر الكثير من النظريات في البقاء إلى الأبد داخل صومعتها الفكرية.
وعليه، فإن الحل يكمن في دعوة أنصار النظريات المتضاربة لتحديد نقاط التعارض فيما بينهم التي يمكن إخضاعها للاختبار. ومن شأن ذلك أن يعيننا على دحض النظريات الخاطئة، مما يمثل في حد ذاته تقدماً طيباً.
في الواقع، لا تعتبر هذه الفكرة جديدة تماماً، ففي عام 1919 استغل آرثر إدينغتون، عالم فلك بريطاني، حدث كسوف شمسي لاختبار نظريتين متعارضتين ـ أفكار إسحق نيوتن عن الجاذبية وأفكار ألبرت أينشتاين عن النسبية العامة. وانتهت التجربة بفوز أينشتاين. ومع هذا، لم يجر تنفيذ بحث علمي من هذا النمط على نطاق واسع بمشاركة نشطة من جانب علماء ينتمون إلى معسكرات متعارضة.
اليوم، تسعى «مؤسسة تمبلتون وورلد تشاريتي» في تغيير هذا الوضع. تتولى المؤسسة غير الهادفة للربح تمويل الأبحاث المعنية ببعض أكبر التساؤلات التي تواجه البشرية، خاصة في النطاقات التي يتداخل فيها العلم مع الجانب الروحاني، ويتضمن ذلك الوعي.
الحقيقة أن البشر لطالما شعروا بالانبهار والحيرة إزاء مفهوم الوعي. وكان أشهر التعريفات التي جرى طرحها في هذا الشأن قول الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت إنَّ الوعي يمكن إيجازه في عبارة «أنا أفكر إذن أنا موجود». ورغم أنني أكن التقدير لهذا الذكاء المعرفي، فإنني دائماً ما شعرت أن هذا يشبه إلى حد ما قول: «سأعرفه عندما أراه».
والآن: لماذا عادة ما يكون لدى البشر وعي؟ وماذا يحدث عندما يفقدونه، مثلما يحدث في حالات الإغماء أو النوم من دون أحلام أو نوبات الصرع أو التخدير؟ لماذا لا تسبب الإصابة في منطقة المخيخ، التي تضم 69 من إجمالي 86 مليار خلية عصبية في المخ، في فقدان الوعي، بينما يؤدي تضرر مناطق أخرى إلى فقدانه؟
علاوة على ذلك، تحمل هذه التساؤلات دلالات أخلاقية ـ هل لدى الأطفال حديثي الولادة وعي؟ هل لدى الأجنة وعي؟ يكاد يكون في حكم المؤكد أن القردة العليا والرئيسيات الأخرى لديها وعي، لكن ماذا عن الأخطبوطات؟ النحل؟ ذباب الفاكهة؟
أما الأمر الذي يثير القلق فهو هل سيصبح لدى آلاتنا وأنظمة اللوغاريتمات التي صنعناها - التي تهزم البشر بالفعل في مباريات الشطرنج، وربما تصبح قريباً أفضل منا في قيادة سياراتنا - وعي؟
من جانبه، أخبرني داويد بوتغيتر، جنوب الأفريقي الذي يتولى إدارة مشروع «تمبلتون»، إن الفريق المعاون له حدد قرابة 12 نظرية منطقية حول الوعي. وبعد ذلك، تولى الفريق تقسيم النظريات إلى أزواج على نحو يجعل بإمكان التجارب دحض نظرية واحدة في كل زوج. وفي النهاية، يرغب في وتغيتر في عقد خمسة أو ستة تصفيات نهائية.
وتجري التصفية الأولى في الوقت الراهن، مع تولي ستة معامل منتشرة عبر الولايات المتحدة وأوروبا والصين، فحص والاستعانة بالمشاركين - ويتولى الجميع تكرار عمل بعضهم البعض لتجنب حدوث أي تحيز. وتتناول هذه التجارب ما يطلق عليه نظرية «مساحة العمل العالمية»، التي يدافع عنها ستانيسلاس ديهيني بكولاج دي فرانس في باريس، في مواجهة نظرية «المعلومات المتكاملة» التي يتزعمها غيليو تونوني في جامعة ويسكونسن بماديسون.
وتتسم النظريتان بقدر كبير من التعقيد لدرجة أنني في خضم محاولاتي لاستيعابهما أوشكت على فقدان الوعي. ولذلك طلبت من لوتشيا ميلوني، من «معهد ماكس بلانك» في فرانكفورت، شرحهما لي من خلال بعض الصيغ الموجزة. جدير بالذكر أن ميلوني تمثل المنظم (المحايد والمستقل) لهذا التعاون العدائي.
ومن أجل استيعاب نظرية «مساحة العمل العالمية» لديهيني، نصحتني ميلوني بالتفكير في الجهاز العصبي داخل جسمي باعتباره مسرحاً هائلاً. في بداية الأمر، تجلس جميع الخلايا العصبية في الظلام، تتهامس وتدفع بعضها بعضاً برفق - بمعنى أنها تتبادل المعلومات - لكنها ليست بعد واعية بأي شيء. إلا أنه بعد ذلك، يصعد شخص ما، «مساحة العمل»، على خشبة المسرح. الآن، جميع الأضواء مسلطة عليه، ويتركز اهتمام جميع الخلايا العصبية بين الجماهير عليه. وتبث مساحة العمل هذه رسالة واحدة تقصي جميع الدردشات الأخرى الجارية، وما نسميه الوعي هو ببساطة ما نشعر به عند استقبال هذا البث.
في المقابل، نجد أنه في إطار نظرية «المعلومات المتكاملة»، لا يشكل الوعي رسالة، وإنما بنية سببية تتسم بالتعقيد. وتبعاً للتشبيه المجازي الذي اختاره تونوني في شرحه لي، تعتمد هذه البنية على شبكة من الخلايا العصبية التي، مثل خريطة ثنائية الأبعاد لمانهاتن، تدعم المدينة ثلاثية الأبعاد التي ترتفع منها. إلا أنه يجب دمج جميع الخلايا العصبية داخل البنية كي أحصل على تجربة إدراك هذه المدينة - من أين تبدأ وأين تنتهي وما إلى غير ذلك - وبالتالي يجب أن تكون جميع الخلايا العصبية قادرة على التأثير في بعضها البعض.
وبذلك نجد أن النظريتين تنتميان إلى إطارين مختلفين تماماً، لكن وكما اتفق ديهيني وتونوني، فإنهما يطرحان توقعات معينة تتعارض مع بعضها بعضاً. من بين هذه التعارضات، أنه تبعاً لنظرية «مساحة العمل العالمية»، يجب أن تظهر قشرة الفص الجبهي النشاط الأكبر، بينما تبعاً لنظرية «المعلومات المتكاملة» يجب أن يضيء الجزء الخلفي من الدماغ خلال التجارب ذاتها. وعليه، لا بد أن إحدى النظريتين على خطأ.
في الواقع، يتطلب الأمر قدراً كبيراً من الشجاعة والنزاهة للدخول في مثل هذه المنافسة. والمؤكد أن أحداً لا يستمتع مطلقاً بمعرفة أن مسيرته البحثية ذهبت سدى، لكن الشيء الوحيد الأسوأ البقاء على خطأ لفترة أطول. لذلك يبدو «التعاون العدائي» طريقة رائعة لتركيز الاهتمام على السبيل الصائب.
كما أن هذا الأسلوب يخلق تجارب رائعة وملهمة، مثلما تجلى في وصف ميلوني لي كيف أن كلا الفريقين حاولا بجد استيعاب النظرية التي يطرحها الجانب المقابل وتحديد نقاط الالتقاء والتداخل. وقالت لي إنه في إطار هذا النمط من التعاون «يجب أن تتحلى بالصدق الكامل إزاء ما يقوله الآخر. ولا يمكنك البقاء فحسب داخل فقاعتك، وإنما يتحتم عليك أن تنصت بانتباه شديد لما يقوله الآخر». ويجب أن تكون الرغبة الأولى لديك الوصول إلى الحقيقة، وأن تذعن لها في النهاية. الحقيقة أن هذا الأسلوب يبدو جديراً لاتباعه في جميع مجالات الحياة الأخرى - حتى السياسة.
*بالاتفاق مع «بلومبرغ»


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة