خيارات ترمب

خيارات ترمب

الأحد - 4 جمادى الآخرة 1442 هـ - 17 يناير 2021 مـ رقم العدد [15391]

المتابعة القريبة لتطورات الأحداث في واشنطن، منذ بدء الانتخابات الرئاسية في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، سواء عبر وسائل الإعلام الأميركية أو الدولية، تشير إلى حقيقة أن التنبؤات والتكهنات والتوقعات السياسية فشلت جميعها في التنبؤ بما حدث يوم الأربعاء 6 يناير (كانون الثاني) 2021، من اقتحام أنصار الرئيس ترمب لمبنى الكونغرس، وما أدى إليه من فوضى وتحطيم لمحتويات المبنى، ومقتل خمسة أشخاص من بينهم شرطي.
التكهنات في جملتها، قبل الاقتحام، ركزت على احتمال تحول قاعات المحاكم، والشوارع في مختلف الولايات الأميركية، إلى ميادين لمعارك قانونية وشوارعية قادمة، ناجمة عن رفض الرئيس ترمب الاعتراف بنتيجة الانتخابات الرئاسية. ما حدث، واقعياً، كان خارج مدار شبكات رادارات المحللين. وشكَّل سابقة خطيرة هددت وجود الديمقراطية الأميركية. ورغم أن تلك الفوضى، والهرج والمرج، لم تستغرق سوى ساعات قليلة، بعد تمكن الأجهزة الأمنية من التغلب عليها، وإعادة سيطرتها على الأمور، وتمكين أعضاء الكونغرس من عقد جلسة أخرى، والمصادقة على قرار انتخاب الرئيس الجديد جوزيف بايدن، وتلاها ملاحقة واعتقال عديد ممن شاركوا في الاقتحام، واضطرار الرئيس ترمب إلى توجيه خطاب يعبر فيه عن استيائه مما حدث، ويهدد بمعاقبة مرتكبي الفوضى، فإن الواقعة أبانت بما لا يقبل شكاً، أن الانقسام الأميركي على مستوى أكبر مما هو متوقع، وأن الصدع الذي أحدثه الرئيس ترمب، خلال السنوات الأربع الماضية، ليس سهل الجبر، أو التجاهل، وأنه سيكون شديد الإرباك للإدارة الجديدة تحت الرئيس بايدن، والتي ستجد أن عليها ضرورة العمل على إزالة ما علق بمصداقيتها من شكوك وشوائب، ألصقها بها الرئيس ترمب، والسعي إلى البدء في تبني سياسات داخلية تساعد على التقليل مما أحدثه الانقسام من توترات على مستوى القواعد الشعبية. وهذا الأخير، قد يستغرق تحقيقه كل السنوات الأربع القادمة، وما بعدها.
الجدير بالذكر أن الانقسام المجتمعي طالت تداعياته، أيضاً، الحزبين الرئيسيين. الحزب الجمهوري كان المتضرر الأكبر. ولم يعد خافياً انقسامه الحاد، بين داعين إلى العودة إلى الجذور ممثلين في القيادات التقليدية المعروفة، ويطالبون بالتخلص من ترمب والترمبية، وخصومهم ممثلين في الشعبويين اليمينيين، ويصرون على مواصلة السير في الطريق الذي مهده وعبده الرئيس دونالد ترمب. الحزب، خلال السنتين الأخيرتين، خسر مقاليد البيت الأبيض، وفقد أغلبيته في غرفتي الكونغرس.
الأسئلة في الحقيقة تتمحور أكثر حول مستقبل الرئيس ترمب سياسياً، وما لديه من خيارات. ذلك أن الانتخابات الرئاسية الأخيرة، رغم خسارته، أبانت انتشار شعبيته في أوساط فئات اجتماعية كثيرة لم تكن في الماضي تصنف تحت خانة أنصار الحزب الجمهوري، وخصوصاً ما بين الأقليات. 75 مليون ناخب صوتوا للرئيس ترمب، ونسبة كبيرة منهم ما زالوا حريصين على إبداء دعمهم له ومناصرة سياساته. لكن الرئيس ترمب مؤخراً، وتحديداً بعد ما حدث يوم 6 يناير الجاري، تعرضت شعبيته إلى هزة كبيرة، وبدا وكأن الأرض تحترق تحت قدميه، عقب نجاح الديمقراطيين في مجلس النواب في الحصول على أغلبية أصوات، في العملية الداعية لاتهامه مرة ثانية. وبذلك، عُد أول رئيس أميركي يتهم مرتين خلال فترة رئاسية واحدة. لا أحد يعرف، على وجه التأكيد، المصير الذي ستؤول إليه العملية، وما إن كانت ستحظى بدعم عدد كافٍ من الجمهوريين في الغرفة العليا للكونغرس، وتنجح في إدانة الرئيس ترمب، وبالتالي سد كل الطرق والأبواب أمامه للعودة مستقبلاً للمسرح السياسي. أضف إلى ذلك، أن عديداً من القيادات السياسية من الحزبين تطالب بتقديم الرئيس ترمب للعدالة بتهمة التحريض على الانتفاضة والتمرد، وتهديد النظام الدستوري الأميركي. الرئيس ترمب من جانبه أدان عملية اتهامه في الكونغرس، ونفى ما وُجه إليه من اتهام جنائي بخصوص اقتحام مبنى الكونغرس. السؤال حول إمكانية نجاته من الوقوع في شراك الفخين المنصوبين له، جوابه متروك لما ستسفر عنه الأيام القادمة. لكن عدداً من المعلقين السياسيين المعروفين في واشنطن يلمحون إلى إمكانية إفلاته من العقاب، وبالتالي، سرعة عودته إلى المسرح السياسي، من دون أن يحددوا بوابة العودة. وفي الواقع، فإن الرئيس ترمب، في حالة نجاته وبراءته من التهم الموجهة له، سيجد أن العودة تلزمه باختيار واحدة من بوابتين؛ واحدة تعيده إلى أروقة الحزب الجمهوري، ما يعني استعداده للدخول في صراع سياسي، على مستوى كسر العظم، بينه وبين خصومه من القيادة التقليدية الكبيرة، بغرض الاستحواذ والسيطرة على الحزب تحت قيادته، وإعداده للدخول في معمعة حرب الانتخابات الرئاسية القادمة لعام 2024. البوابة الثانية مختلفة؛ لأن طريقها شُق قصداً لتتفادى أروقة الحزب الجمهوري، وتقود مباشرة إلى فكرة تأسيس حزب ثالث، شعبوي التوجه، ويحمل سمات ومواصفات وطابع الرئيس ترمب، ويدين أتباعه له شخصياً. هناك خيار ثالث، يقوم على ترك الساحة السياسية كلية طوعاً. لكن من خلال متابعتنا لسيرة الرئيس ترمب في السنوات الأربع الماضية، وشغفه بالتمدد تحت الأضواء، فإن احتمالات هذا الخيار في التحقق ضعيفة؛ لكنها تبقى ضمن الحسابات الأخرى.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة