في الجيش...

في الجيش...

الأحد - 4 جمادى الآخرة 1442 هـ - 17 يناير 2021 مـ رقم العدد [15391]
إنعام كجه جي
صحافيّة وروائيّة عراقيّة.

الطقس صقيع، والإعلان الضوئي الكبير يلفت النظر. إنه صورة لجنرال سوفياتي سابق يتقلد كامل أوسمته. صفوف وصفوف من أعلى الصدر حتى الخصر. لكن من يتمعَّن في الصورة يجد أن تلك الأوسمة ليست سوى فردات من جوارب صوفية ملونة زاهية. لقد ضربت مصانع الجوارب الفرنسية الشهيرة ضربتها، ونزلت بإعلان من النوع العبقري، إنما اللئيم.
لا أحد يحب إهانة جيش بلاده، ولا السخرية منه. وبعد انهيار الاتحاد السوفياتي، بيعت قبعات الجيش الأحمر على الأرصفة. لكنْ روسيا وفرنسا ودول كثيرة تواصل تقاليد استعراض قوتها العسكرية في أعيادها الوطنية. تكفي نظرة واحدة على بزة الضابط، ليعرف المرء إلى أي جيش ينتمي. وهي أزياء تتفنن فيها الدول، وساهمت السينما في تعريف الجمهور الواسع بها. وهناك قطع منها لعبت أدوار البطولة في الروايات.
نشر الأديب العراقي عائد خصباك قصة يتخيل فيها المسار العجيب لسدارة الزعيم عبد الكريم بعد مصرعه. وأذكر أنه كان قد كتب قصة ثانية عن «بيريه» غيفارا التي انتهى بها الزمن في سوق الثياب المستعملة في بغداد.
يحتفل الجيش العراقي هذا العام بالعيد المائة لتأسيسه. جيش ذو صيت طيب، شاءت له السياسة أن يشارك في حروب على جبهات بلاده الأربع: شمالاً ضد الأكراد، وغرباً ضد إسرائيل، وشرقاً ضد إيران، وجنوباً ضد الكويت. ليست هناك عائلة عراقية من دون ضباط أو جنود من بين أفرادها، سابقاً ولاحقاً. وتحفظ سواعد الأمهات والشقيقات ذكريات طشوت الغسيل لإزالة طين متجمد وبقع دماء على ثياب العائدين من وعثاء الجبهات. تحرص العائلات على نجمات وأوسمة لآباء مضوا من هذه الدنيا بكامل عزتهم. منهم من مات ميتة ربه وخرج بجنازة عسكرية، ومنهم مَن ثقب الرصاص صدره بتهمة التآمر والانقلاب. إن لقب بطل يمكن أن يتحول بين ليلة وضحاها إلى خائن، ثم يتحول من خائن إلى شهيد، حسب الظروف والتقلبات. بلاد حيث مصائر الرجال وجهات نظر.
من مآثر الجيش العراقي أنه اقتحم فلسطين في حرب 1948، ودخل مدينة جنين وحرر قلعتها وطرد العصابات الصهيونية. كان ذلك بقيادة ضابطين: التركماني عمر علي، والآشوري شليمون ميخائيل. وما زالت مقبرة الشهداء العراقيين شاهدة في تلك المدينة الفلسطينية.
وصفوه بالجيش المليوني، وبرابع أقوى جيش في العالم. كتبت فيه القصائد والأغنيات، وعرف منتسبوه سنوات من الضيم كانت مثل ليالي الشمال الحزينة، تبدو وكأن لا نهايات لها. وفي 2003، جاء أميركي نكرة يقال له پول پريمر وقرر أن يحل الجيش العراقي. والبقية معروفة. عيد بأي حال جئت يا عيد؟!


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة