من المعروف عالمياً أن لقاحات فيروس «كورونا المستجد» موجودة حالياً، ولقد بدأت عملية التوزيع بالفعل، ولكن ماذا لو وقع خطأ ما؟
سواء كان الأمر يتعلق بفقدان الدخل، أو الفواتير الطبية الباهظة، أو الآثار الجانبية الخطيرة الناجمة عن تلقي جرعة اللقاح، لا بد أن يسدد أحدهم تلك الفاتورة، سواء كان ذلك من جانب الشركات المصنعة أو الحكومات المعنية. وفي الماضي، كان ما يُعرف بـ«موانع المساءلة» يمنح الشركات الغطاء الكافي لإنتاج العلاجات الفعالة بسرعة عالية من دون التعرض للاحتكاكات القانونية. ولكنه مسعى مكلل بالمخاطر الجمة بالنسبة إلى البلدان من زاوية استيعاب المسؤولية الكاملة عن المنتجات الجديدة تماماً، تلك التي جرى تطويرها ومنحها التراخيص بسرعة فائقة. لا سيما عندما يكون كل رجل، وامرأة، وطفل في حاجة إلى جرعات اللقاح في خاتمة المطاف.
يرغب أدار بوناوالا، الرئيس التنفيذي لمعهد الأمصال الهندية المحدودة، أكبر جهة مصنعة للقاحات من حيث الحجم على مستوى العالم، في الحصول على تعويض مناسب؛ إذ تواصل الجهات المنافسة تعطيل بعضها من خلال التحريض على رفع الدعاوى المدنية العبثية، ولكن ذلك ليس مبعث القلق لدى السيد بوناوالا، الذي يعمل على تصنيع اللقاح المطور من قبل شركة «أسترا زينيكا» وجامعة أكسفورد. إنما يمكن للأمر أن يصير أكثر فوضوية مما هو عليه، نظراً لأن بعض الأنظمة الصحية قد تحاول تجربة كميات الجرعات والفترات الزمنية الفاصلة من أجل التعامل مع الطفرات الفيروسية. فمن سيتحمل المسؤولية إن كانت هناك وقائع للآثار السلبية الخطيرة بعد ذلك؟ لن تجرؤ أي شركة من شركات التأمين على التكفل بتلك المخاطر، ولسوف تقع أعباء التعويضات المالية على عاتق الدول، أو في حالة البلدان الفقيرة، سوف تتحمل «مبادرة كوفاكس» - وهي المبادرة العالمية لضمان التوزيع المنصف للقاحات - المسؤولية برمتها.
وفقاً للتقديرات الراهنة، من شأن «مبادرة كوفاكس» أن تغطي مقدار الخُمس من الطلب العالمي فقط بحلول نهاية العام الجاري. لذلك، لا يزال يتعيَّن على البلدان التي قامت بإبرام الاتفاقيات المباشرة مع الجهات المنتجة أن يساورها القلق بشأن دعاوى الأضرار المحتملة من جرعات اللقاحات، التي تسعى في مجملها إلى الحصول على تعويضات مدنية مناسبة - وليس فقط للعام أو العامين المقبلين؛ إذ ربما يستمر وجود الفيروس وانتشاره حتى بعد مرحلة التطعيم الشامل، حيث تفرض سلالات الفيروس المتحورة استمرار السوق الدائمة لجرعات «الفيوري» بعد فترة طويلة من انتهاء حالة الطوارئ الصحية العامة التي فرضها فيروس «كورونا المستجد» أول الأمر.
ومن المرجح - وفقاً لباحثي مؤسسة راند - أن تجد الجهات المصنعة، والموزعون، والكيانات الأخرى ذات الصلة في الولايات المتحدة، المنتجات والخدمات الخاصة بفيروس «كورونا المستجد» تنتقل عبر الحدود. وبالتالي، فإن الانكشاف القانوني في المحاكم الأجنبية من الأمور غير المؤكدة، لا سيما مع النظر إلى الوتيرة السريعة للغاية لتطوير اللقاح، والبيانات المحدودة للغاية بشأن الآثار الجانبية والتبعات طويلة الأجل لجرعات اللقاح.
مع إلقاء نظرة على الأوبئة في الماضي، فإن هذا النوع من البيانات لن يبدأ في الظهور حتى مرور فترة معتبرة من الزمن. وعند ظهورها، ستختلف كثيراً باختلاف كل دولة من الدول، الأمر الذي يؤثر في كيفية التعامل مع المسؤولية المترتبة عليها. في عام 2013، أي بعد مرور 4 سنوات على انتشار مرض إنفلونزا الخنازير في العالم، أقدمت حكومة المملكة المتحدة على عكس موقفها بشأن سلامة لقاح «بانديمريكس» من تطوير وإنتاج شركة «غلاكسو سميث كلاين»، وذلك بعد أن أظهرت دراسة بارزة أن اللقاح مرتبط بداء التغفيق (النوم القهري).
وفي تلك الأثناء، أشارت وزارة الصحة البريطانية إلى أن «قرار التوصية بحصول الأطفال على هذا اللقاح أثناء جائحة إنفلونزا الخنازير كان يستند إلى الأدلة المتاحة في وقت صدور القرار، جنباً إلى جنب مع نصيحة وكالة الأدوية الأوروبية التي كانت قد وافقت على استخدام اللقاح المذكور». ثم قالت الوزارة إن كل الأدلة الناشئة تبقى قيد المراجعة، وهذا هو سبب توقف الاستخدام في عام 2011 لمن هم دون سن العشرين. وتواصل البيانات التطور، الأمر الذي يؤدي إلى التشويش على قضايا تبعات المسؤولية المحتملة.
ويصير الأمر أكثر تعقيداً؛ إذ تبتاع البلدان الغنية جرعات كبيرة من اللقاحات الفعالة من شركات «فايزر»، و«بيو إن تك»، و«موديرنا».
ويدرس العديد من الشركات حالياً تسليم الكميات التي تمكنوا من تأمينها من اللقاح إلى البلدان منخفضة أو المتوسطة الدخل التي تواجه تأخيرات بسبب أن «مبادرة كوفاكس» لم تعمل على النحو المخطط لها. وذكرت وكالة «رويترز» الإخبارية أن الاتحاد الأوروبي، على سبيل المثال، ينظر في أمر التبرع بنسبة 5 في المائة من إجمالي اللقاحات المتوفرة لديه. وحتى مع هذا النوع من الهدايا الإيثارية، فمن العسير للغاية إلقاء تبعة المسؤولية على الجهات المعنية.
أثناء جائحة فيروس الإنفلونزا سلالة «H1N1» في عام 2009، استحدثت منظمة الصحة العالمية درعاً متعددة من البلدان ضد المساءلة، تماماً كما يصفها الباحثون من مؤسسة راند، أو ما يُعرف بالإطار القانوني العالمي.
وكان لزاماً على البلدان المستفيدة التوقيع على خطاب موافقة يسمح بصورة أساسية للجهات المانحة عدم تحمل المسؤولية، أو تعويض الجهات المانحة، ما دام أنهم يتبعون المعايير المحددة من قبل منظمة الصحة العالمية. وكانت القضايا تتسم بالتعقيد، وبعض البلدان لم تكن تتوفر لديها الموارد الكافية لتفسيرها. وفي خاتمة المطاف، من بين 94 دولة كانت مهتمة بمنح التبرعات، وقعت 87 دولة منها فقط على الاتفاقية، واستكملت 78 دولة فقط الشروط المسبقة المنصوص عليها في اتفاقية توريد اللقاحات.
يعني تعقيد الوضع الراهن مع حجم الإنتاج العالمي الهائل أنه سوف يتعين إبرام اتفاقية جديدة من هذا النوع. وسوف تحتاج الحكومات الوطنية إلى التفاوض، والنظر في الأمر، والموافقة على مختلف المتطلبات - وكلها من العمليات الممتدة التي تستغرق فترة طويلة من الزمن.
وإذا ظهرت الفوارق بين البلدان، فستواجه الجهات المصنعة مختلف العوائق على سبيل الإنتاج والتوزيع. وسيكون البديل هو صناديق التعويض المالي الوطنية، التي تتولى الوفاء بمطالبات أولئك الذين عانوا من الآثار السلبية السيئة الناجمة عن اللقاحات. وهناك العديد من البلدان التي لا تستطيع بكل بساطة تحمل هذه التبعات، الأمر الذي يزيد من تفاقم عدم التوازن بين الموارد والاستثمار لديها.
كما تعكس الأمراض المنتشرة السابقة مثل الجدري، وسلالات الإنفلونزا المختلفة الأخرى أن قضايا تحمل المسؤولية يمكن أن تكون سبباً في إعاقة تطوير اللقاحات الجديدة، حتى على الصعيد المحلي.
وفي عام 1976، عندما اعتمدت إدارة الرئيس الأميركي الأسبق جيرالد فورد برنامجاً طموحاً لتطعيم الملايين من المواطنين ضد الانتشار المتوقع لمرض إنفلونزا الخنازير، أحجمت مختلف شركات التأمين والشركات المصنعة عن المشاركة.
لقد أسفرت مخاوفهم من الانكشاف القانوني عن تدخل الكونغرس وإصدار قانون بشأن التنازل عن المسؤولية. ومن خلال التشريع المذكور، جرى استبدال حكومة الولايات المتحدة الأميركية كمدعٍ عليه في الدعاوى القضائية ضد أي جهة مُصنعة أو موزعة للقاح الجديد، أو أي كيان أميركي آخر يوفر التطعيم المجاني.
وعلى الرغم من أن الخوف من مرض الإنفلونزا لم يتطور إلى مستوى الجائحة الشاملة في تلك الأثناء، فإن الشركات في الولايات المتحدة تحظى راهناً بالحماية الفعالة. ومثل هذا الإطار القانوني لا يمكن اعتباره قياسياً في أغلب الحالات والظروف الأخرى.
- بالاتفاق مع «بلومبرغ»
