الانطلاقة الثانية

الانطلاقة الثانية

الأحد - 26 جمادى الأولى 1442 هـ - 10 يناير 2021 مـ رقم العدد [15384]
علي المزيد
كاتب في الشؤون الاقتصادية

حين يكون هناك تجمع بشري فتوقع كل شيء، فقد تسير الأمور على خير ما يرام، وقد تتأزم تأزماً بسيطاً تعود معه الأمور إلى مجراها الطبيعي. مجلس التعاون الخليجي تجمع بشري ينطبق عليه ما ينطبق على غيره من التجمعات، فقد تستقيم أموره، وقد يختلف مؤسسوه؛ لأن دوام الحال من المحال.
ونحن كعرب عاطفيون ولا نقبل بالاختلاف، فما بالك بالخلاف. وإذا نظرنا للتجمعات السياسية فإننا نجد بريطانيا تخرج من الاتحاد الأوروبي وتتفاوض على طريقة الخروج.
لقد استمر مجلس التعاون في العمل لأكثر من ثلاثة عقود، وحفظ ودّاً بين الشعوب وحدّاً أدنى من التفاهم السياسي، رغم مرور التجمع بأكثر من أزمة، ولكنه تجاوزها.
نقول إن هناك طرفاً كانت مساحة ربحه أكثر من الطرف الثاني في الأزمة الأخيرة، ولكن الكل خاسر، ولا أحد يقبل أن يُغذى معارضوه من أي طرف، فما بالك من شريك! الأزمة الأخيرة درس للجميع بأن اتحادنا تفرضه الجغرافيا، وستكون المصالحة على محك الاختبار ومختبر الالتزام الذي أتوقع أن يكون كبيراً.
للأسف نضطر كمراقبين اقتصاديين إلى أن نتحدث عن السياسة، فالسياسة ترسم وتحدد أطر الاقتصاد. أنا أتوق إلى أن أرى سكة قطار الخليج المقرة في قمة الكويت 2010 على أرض الواقع، وأتوق إلى أن أرى اتحاداً جمركياً متكاملاً يكسر جميع القيود، فمتى ما خفت القيود نشطت التجارة في الإقليم. وأتمنى اندماج بعض الشركات الخليجية المتماثلة في النشاط لخلق كيانات اقتصادية عالمية، فمثلاً: ما الذي يمنع اندماج بعض البنوك الخليجية لخلق بنوك عالمية تنافس عالمياً، ومثلها اندماج بعض شركات البتروكيماويات التي تعتبر منافسة على مستوى العالم؟
إذا تكاملنا اقتصادياً فإن ذلك سيغري بعض العرب بالتعاون مع المجلس، وخلق شراكات استراتيجية معه، وسيجعل جيران المجلس كالعراق، واليمن، والأردن، وبقية الدول العربية تسعى لشراكات مع المجلس تفيد أوطاننا العربية.
الأمور ليست بالأمنيات، وإلا لتمنيت تركيز المجلس على العمل الاقتصادي لخلق مناخ اقتصادي مربح ومريح في دول المجلس، يغري الأقطار العربية بالشراكة مع دول المجلس، ولكن في الواقع الاقتصاد مربوط بالسياسة.
وحقيقة الأمر أن دول المجلس لم يبقَ عليها سوى بعض الرتوش لخلق هذا النموذج الاقتصادي الناجح، ولكن هذه الرتوش الاقتصادية تحتاج بعض التنازلات من كل طرف، ليقوم هذا النموذج الذي يخدم الشعوب ويصب في مصلحتها.
الشعوب في الخليج تتطلع لعمل اقتصادي جريء يسبق السياسة، ويطبق على الأرض، ويربط مصالح الدول والشعوب، ليقود زمام السياسة إلى بر الأمان. فتداخل المصالح الاقتصادية يمنع التهور في اتخاذ القرار السياسي.
كانت انطلاقة مجلس التعاون الخليجي الأولى قبل أربعين عاماً من أبوظبي، وأتيح للمجلس أن ينطلق مرة ثانية من العلا، والانطلاقة الثانية جاءت مصحوبة بتجربة طويلة أرجو أن يتم تقييمها والاستفادة من إيجابياتها واستبعاد سلبياتها. ودمتم.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة