تركيا... آن أوان المحاسبة

تركيا... آن أوان المحاسبة

الأربعاء - 16 جمادى الأولى 1442 هـ - 30 ديسمبر 2020 مـ رقم العدد [15373]
إميل أمين
- كاتب مصري

قبل أسبوع تقريباً، رأى العالم صاحب تركيا يتغير، من خلال مطالبته بفتح صفحة جديدة في علاقات بلاده مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.
مشكلة الرجل في زيفه الواضح، ذلك أنه وفيما يتناول الحديث الأجوف عن الصفحة الجديدة، نراه يتهم الاتحاد الأوروبي بـ«العمى الاستراتيجي»، وعلى جانب الولايات المتحدة يظهر تعامياً مقصوداً تجاه إدارة الرئيس المنتخب جو بايدن التي لا تحمل له خيراً، ويعيش في أوهام تؤكد له أن بايدن سيظهر الأهمية الضرورية للعلاقات التركية - الأميركية.
في بداية سطور الصفحة الإردوغانية الجديدة الشائهة، وقبل أن ينصرم العام، نراه يرسل «وزير حربه» خلوصي أكار، إلى ليبيا ليهدد الليبيين ويصفهم بالمجرمين، وبخاصة قائد الجيش الوطني المشير خليفة حفتر، ومتوعداً من يساندونه، في إشارة لا تخطئها العين لمصر الكنانة بصورة خاصة، مع الأخذ في عين الاعتبار أنه خشي الهبوط في قاعدة الوطية خوفاً من أن تطاله أيادي الشجعان، ومضى إلى طرابلس مذعوراً تفضحه كلماته التي تحمل لغة الكراهية والموت.
ضمن سطور الصفحة الجديدة المرائية لإردوغان تعميق الخلاف بين الليبيين، من خلال التمركز في غرب ليبيا، بل احتلالها، ما يؤدي إلى عرقلة الجهود السلمية للأمم المتحدة وللقوى الداعية لجمع شمل الليبيين كافة، بعد أن تفرقوا لأكثر من عقد، والخاسر الرئيسي ليبيا الموحدة.
نسي الرئيس التركي ومن خلفه أكار أن الوجود التركي على الأراضي الليبية وجود غير شرعي، وتناسى أن الليبيين أحفاد مجاهدين مقاتلين أحرار، دفعوا ثمناً باهظاً لتخليص بلادهم من شر المحتل الإيطالي فيما قبل، وعليه يضحى من السذاجة أن يقبلوا بإبدال قوة غازية، تتستر وراء مزاعم إنثروبولوجية مغشوشة، أو مذهبية منحولة، بأخرى استعمارية.
حين تحدث المشير حفتر عن حتمية رحيل الإرهاب عن ليبيا، فإنه حكماً كان يشير إلى المرتزقة الأتراك، ومن جلبهم إلى الأراضي الليبية، إذ لا يمكن لأي شريف ليبي مدني أو عسكري، أن يقبل احتلال أنقرة للقطاع الغربي من البلاد.
أفضل من كشف قبل أيام المناورة التركية الخبيثة في ليبيا، اللواء خالد المحجوب، مدير إدارة التوجيه المعنوي في الجيش الوطني الليبي، والذي أشار إلى أن تركيا تسعى إلى رفع الفاتورة على الشعب الليبي من خلال إشعال الحرب، ذلك لأنه في حال نشوبها فإنها ستكون إقليمية، فالأمر يتجاوز الحدود الليبية، لأن هناك عاملاً مشتركاً للآخرين، وهو البحر الأبيض المتوسط، وهناك دول ترفض ما تقوم به تركيا، الداعم الخارجي لحكومة الوفاق، التي بدأ جناح عاقل فيها يتفهم أبعاد المأساة، ويفرق بين الصالح والطالح للبلاد والعباد.
هل حان أوان محاسبة إردوغان؟
هذا ما طالب به وزير الدفاع الأميركي الأسبق روبرت غيتس، في مقال له قبل أيام في صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية، والذي أعرب عن تأييده للعقوبات التي فرضتها واشنطن قبل أيام على تركيا، والأكثر هولاً بالنسبة للرئيس التركي قول غيتس... إنها ليست أكثر من بداية جيدة، ما يعني أن زمن إدارة بايدن حكماً سيأتي بالأسوأ لمن فقدوا رشدهم.
غيتس، بوصفه مسؤولاً أميركياً كبيراً نافذاً ولو سابقاً، يدرك أبعاد الخسائر التي يحاول إردوغان وأكار إثارة الغبار عليها في عيون الأتراك الذين سئموا من المغامرات الدونكيشوتية خارج البلاد، ومنها أن فرض عقوبات شخصية على إسماعيل دمير، رئيس إدارة الصناعات الدفاعية التركية و3 مسؤولين آخرين على خلفية شراء أنظمة الدفاع الجوي الروسية «إس 400»، أمر يصيب المجمع العسكري الصناعي في تركيا في مقتل، وهو الكيان الذي استثمر إردوغان شخصياً في تطويره كثيراً من الجهود، ويعتمد بشكل حاسم على التعاون مع الغرب، في قضايا الترخيص وتوريد المكونات.
وزير الدفاع الأميركي الأسبق لم يذكر المشهد الليبي صراحة ضمن مبررات محاسبة إردوغان، فقد أشار بالنص إلى ضرورة محاسبة تركيا على الأعمال التي تقوم بها في ليبيا وشرق البحر المتوسط وسوريا، لأنها تتعارض مع مصالح الحلفاء الآخرين في الناتو، وتعقد جهود تحقيق السلام، ومؤكداً أن القضية لا تكمن فقط في محتوى التناقضات القائمة، ولكن أيضاً في الشكل الذي تعلن فيه أنقرة موقفها، وفي الغالب يكون مهيناً، إذا لم نقل إنه وقح بالنسبة للأطراف المقابلة.
زيارة أكار صرخة طائر ذبيح، ولا سيما أن أنقرة ترى كيف تم استقبال الوفد الأمني المصري في طرابلس، والبيانات التي صدرت عقب الاجتماعات مع الأجهزة الليبية المختلفة في طرابلس، وجميعها إيجابية إلى أبعد حد ومد، وتبشر بتعزيز التعاون المشترك بين البلدين الشقيقين.
فارق كبير بين فريقين، أحدهما سبب رئيسي في الإشكال، والآخر يسعى إلى الحل، وبين خطاب الموت والانتقام، ولغة تحمل حديث المصالحة، وتسعى لتفريغ مربعات نفوذ المحتل.
أوان محاسبة إردوغان على الأبواب... لكنه له عينان ولا يبصر، وأذنان ولا يسمع... حتى القارعة.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة