استباحة ليبيا وذكرى الاستقلال

استباحة ليبيا وذكرى الاستقلال

الجمعة - 11 جمادى الأولى 1442 هـ - 25 ديسمبر 2020 مـ رقم العدد [15368]
د. جبريل العبيدي
كاتب وباحث ليبي

عشية الاحتفال بذكرى الاستقلال في 24 ديسمبر (كانون الأول)، ليبيا اليوم مستباحة السيادة الوطنية بالتدخل الخارجي والغزو والمرتزقة. فليبيا المستباحة بـ10 قواعد أجنبية، و20 ألف مرتزق ومقاتل أجنبي، كما اعترفت ستيفاني ويليامز، نائبة مبعوث الأمم المتحدة، تستذكر في نهاية ديسمبر (كانون الأول) ذكرى استقلال نالته ليبيا بجهد رجالها، بعد مسيرة كفاح وطني طويل ضد مستعمرين استيطانيين فاشيين حاولوا استبدال شعب إيطالي بالشعب الليبي، وسجنوا شعباً في معتقلات إبادة لم يسبق للتاريخ أن شهد مثلها.
إعلان الاستقلال وميلاد دولة للأمة الليبية الكريمة، كما خاطبها الملك الراحل إدريس السنوسي، أمة ما كان لها أن تقوم إلا بفضل الله ثم عزيمة الأجداد في إصرارهم على منع التقسيم ورفض الوصاية الاستعمارية للدول الثلاث، (بريطانيا وفرنسا وإيطاليا) بقرار أممي، وهو اتفاق سري يتضمن مشروع العودة لاستعمار ليبيا، من نافذة الانتداب والوصاية كوجه استعماري جديد، في ثوب مختلف، ولكن عزيمة الأجداد هزمت مشروع التقسيم «بيفن - سفورزا» وكانت بنغازي وقصر المنار وتحديداً في 24 ديسمبر عام 1951 موعداً لإعلان استقلال ليبيا.
يوم الاستقلال يبقى دائماً تذكيراً للأجيال الجديدة، بمعاناة الآباء والأجداد، لنيل الحرية وبناء وطن مستقل، منذ أن أعلن جامع الليبيين الراحل إدريس الأول استقلال ليبيا بقوله: «نعلن للأمة الليبية الكريمة أن ليبيا أصبحت دولة مستقلة ذات سيادة». فالاستقلال تتمثل معانيه في الغياب التام للتبعية، ولكن ذكرى الاستقلال اليوم تمر وليبيا تغرق في مستنقع التدخلات الأجنبية، بل وتبعية بعض الليبيين للمستعمر والحنين إليه. ولعل الاتفاقية التي أبرمتها حكومة الوفاق غير الدستورية مع تركيا نموذج للتبعية والتفريط في السيادة الوطنية، التي دفع ثمن استقلالها الدماء.
فالتفريط في السيادة الوطنية اليوم بل والثروة الوطنية بترسيم حدود جغرافية زائفة مع تركيا التي لا تربطها بليبيا أي حدود جغرافية يعد في نظر القانون الدولي جريمة تسببت في ضياع ثروات ليبية، وشرعنة نهبها، كما يعتبر جريمة خيانة عظمى لا تسقط بالتقادم ويجب ملاحقة مرتكبيها.
ليبيا الاستقلال التي كتبت أروع دستور في خمسينات القرن الماضي، دستور 1951، هي اليوم أمام مسودة أخونة للدولة الليبية تم تمريرها إلى البرلمان ثم محاولة تقديمها إلى الاستفتاء الشعبي، كُتبت بحبر إخواني واضح المعالم في لغة النص والنصوص، وهو متفق مع التوجه الإخواني العابر للحدود، ومررت تسميات كمجلس الشورى بدلاً عن مجلس الشيوخ، وتلاعبت في آلية اختيار الأعضاء بين الانتخاب والتمثيل، واعتمدت المغالبة السكانية بين الأقاليم، في حين أن قرار تشكيل اللجنة أو الهيئة اعتمد نظام الأقاليم الثلاثة. أيضاً كرست مسودة الدستور الجدلية لمركزية السلطة حتى الخدمية منها (التعليم والصحة)، وهذا من أكبر فصول معاناة المواطن الليبي في دولة يبلغ طول الساحل فيها 2000 كلم.
فمسودة الدستور قد تكون كُتبت بحبر تيار لا يؤمن بالدولة الوطنية بمفهومها الجغرافي المحدد؛ فما نشر من مسودات ومذكرات لا يرقى إلى طموحات الليبيين، بل إنه يمثل صدمة وخيبة أمل كبيرتين، بل وفتح الباب أمام التكهنات، خاصة عندما تسقط الهوية بدءاً من اسم الدولة إلى انتمائها إلى العالم العربي وجعلها مجرد كيان في قارة أفريقيا.
بين ليبيا الاستقلال وليبيا المستباحة اليوم زمن طويل من الكفاح وتاريخ لا يمكن القفز عليه رغم محاولات أخونة ليبيا وصبغها بلون ليس لونها وطمس تاريخها، إلا أن ليبيا اليوم ستذكر الاستقلال، والطريق إليه المدرج بدماء الشهداء زمن الاستعمار القديم والحديث أيضاً، تحت راية ألوانها تنطق وتردد:
ســود وقائعنـا، خضــر مرابعنــا، حمــر مواضينـــا.
فليبيا ستستعيد سيادتها وستبقى واحدة غير منقسمة، لأن عناصر التشابك والارتباط التاريخية أكبر وأقوى من عوامل التقسيم ومحاولات الأخونة والتبعية للمرشد أو غيره.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة