ولاية ثالثة لأوباما أم أولى لبايدن؟

ولاية ثالثة لأوباما أم أولى لبايدن؟

الاثنين - 15 شهر ربيع الثاني 1442 هـ - 30 نوفمبر 2020 مـ رقم العدد [15343]

انجلت الالتباسات التي رافقت الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة لتحسم نتائجها فوز جو بايدن، وعكس ما توقع الكثيرون، مضت المرحلة الصعبة والمعقدة بسلام من دون مشكلات أمنية أو أعمال عنف تُذكر في بلد أقرب إلى قارة ويزيد عدد سكانه على 300 مليون نسمة. وبدأت المرحلة الانتقالية مع إعلان الرئيس المنتخب جو بايدن أسماء أبرز وجوه إدارته والتي يمكن من اختيارها استشفاف قراءة أولية لسياسة الإدارة الجديدة في هذه المرحلة لا سيما تجاه منطقة الشرق الأوسط.

لعل أهم مؤشر تُظهره هذه التعيينات هو ما أكده الرئيس بايدن نفسه الأسبوع الماضي في مقابلة تلفزيونية وبالفم الملآن أن ولايته لن تكون ولاية ثالثة لباراك أوباما، محاولاً تبديد مخاوف مبررة على أكثر من صعيد لدى الكثيرين في الداخل والخارج. ووضع إطاراً لسياسته تحت عنوان عريض هو «التفكير المبتكر وغير التقليدي» (Fresh Thinking) المبنيّ على إعادة التوازن بأبعاد ثلاثة:

الأول، هو التوازن ضمن الفريق الواحد أي ضمن الإدارة نفسها. والثاني، التوازن في إدارة شؤون السياسة الداخلية بعد المشكلات التي عانى ويُعاني منها المجتمع الأميركي والتي برزت بحدة إبّان الحملة الانتخابية وعمليات التصويت وإعلان النتائج. والثالث، إعادة التوازن إلى السياسة الخارجية الأميركية وعلاقات الولايات المتحدة مع الخارج.

وأصدق من عبّر عما تحتاج إليه الإدارة الجديدة في تعاملها مع الداخل هو رئيس مجلس العلاقات الخارجية الأميركية ريتشارد هاس، عندما تحدث عن الإصلاح ثم البناء. والمقصود بذلك أن على الرئيس الأميركي البدء بإصلاح التشظي والتعطيل المؤسساتي الذي أحدثته السنوات الأربع من ولاية ترمب، وما خلفه من تداعيات سلبية على سياسة البلاد الداخلية والخارجية معاً ومن ثم البدء بعملية البناء. إن عملية الإصلاح شاقة وطويلة ومعقدة وقد تأخذ فترة غير قصيرة من ولاية الرئيس المُنتخب وهي ذات شقين:

الإصلاح الداخلي الذي يبدأ بإعادة الثقة إلى المؤسسات والنظام والمصداقية إلى القيم الأميركية ومعالجة الانقسام في المجتمع الأميركي، بدءاً بمشكلة العنصرية وإصلاح الشرطة، مروراً بالرعاية الصحية وعلى رأسها مواجهة جائحة «كورونا»، وصولاً إلى سياسة الهجرة والأمن القومي. والإصلاح الخارجي الذي يبدأ بإعادة فرز واضح للحلفاء والخصوم وإصلاح العلاقات مع الحلفاء لا سيما عبر ضفة الأطلسي والعودة إلى الاتفاقات الدولية التي خرج منها الرئيس ترمب وعلى رأسها اتفاقية باريس المتعلقة بالمناخ، والعودة أيضاً إلى المنظمات الدولية وأولاها منظمة الصحة العالمية وسط الحاجة إلى تعاون دولي ظهّرته مواجهة جائحة «كورونا».

عملية الإصلاح الداخلي قد تأخذ فترة طويلة من ولاية الرئيس بايدن حتى يتمكن من البدء في الإصلاح الخارجي ناهيك بمرحلة البناء. لكن بقدر ما يرتبط نفوذ أميركا الخارجي بتماسكها الداخلي، فهو يرتبط أيضاً بتوازن سياستها الخارجية واتزانها. إلا أن إدارة بايدن تواجه غياباً للتوافق الداخلي على دور أميركا في العالم. فشعار «أميركا أولاً» الذي رفعته إدارة ترمب جعل الولايات المتحدة وحيدة وشبه معزولة، متباينة مع حلفائها ومتراجعة عن مواجهة ممارسات الخصوم التي لا تأخذ بالحسبان المعايير الدولية والمعايير الإنسانية، كأداء الصين تجاه هونغ كونغ وسعيها إلى ضم تايوان وموقفها القمعي من أقلية الإيغور المسلمة التي أنشأت لها مخيمات إعادة تأهيل في الصين. يضاف إلى ذلك أداء روسيا المتفلت من أوكرانيا إلى سوريا إلى ليبيا والابتعاد التركي عن حلف الأطلسي مع الفورة الإردوغانية المتوجهة شرقاً وجنوباً في استعادة مشوهة لدور تركيا العثمانية، حتى بات يختلط على المراقب تصنيف ممارسات أنقرة وهل هي ممارسات حليف أو دولة مارقة، كما قال السفير دنيس روس.

والأهم من كل ما سبق هو الموقف المستقبلي من إيران، وهو مصدر مخاوف منطقتنا من الإدارة الجديدة. ربما النجاح الوحيد لإدارة ترمب هو سياسة العقوبات القصوى التي مارستها ضد طهران والتي أوهنتها كما أوهنت أذرعها في الخارج. في ظل مواصلة إيران، وإن بوهن «صحوة الموت»، خرق الاتفاق النووي الذي لا تزال الدول الأوروبية ملتزمة به، أو إنتاج الصواريخ الباليستية أو تدخلها في شؤون دول المنطقة ورعايتها للإرهاب، يبقى السؤال: من أين سيبدأ بايدن برسم سياسته تجاه طهران.. من حيث انتهى أوباما أم من حيث انتهى ترمب؟

الصوت الخارجي الذي كان يتهم أميركا بالهيمنة وبأنها سبب الاضطراب في النظام الدولي بات له صدى في الداخل الأميركي عند اليسار كما عند اليمين، كأن المطلوب عزل الولايات المتحدة لنفسها كما لو أن ممارسات الدول الأخرى لا تؤثر على أمنها القومي أو تدخل ضمن المجال الحيوي لسياساتها. وأصدق تعبير عن هذه الحال هو ما قاله وزير الخارجية الأميركي السابق هنري كيسنجر من أن أميركا باتت اليوم غير قادرة على البقاء في العالم، وفي الوقت عينه غير قادرة على الانسحاب منه ولا السيطرة عليه.

في عالم يشهد طفرة في الفوضى وتغييرات سريعة وغير منطقية في المصالح والتحالفات، وتسوده الشعبوية وتقلص سيادة مؤسسات الحكم لصالح الحكّام الأفراد، وبعد الفراغ الذي تركه انسحاب أميركا التدرّجي منه وسده من قوى ظلامية خلّفت حروباً واضطرابات وعداوات، أصبحت قيادة أميركا التي نعرف للعالم حاجة ملحّة أكثر من أي وقت مضى. ولعل هذا ما عبّر عنه بايدن عندما تحدث عن الحاجة إلى «تفكير مبتكر وغير تقليدي»، ولن يكون كذلك ما لم يبدأ برسم إطار جديد لدور أميركا في العالم يأخذ بعين الاعتبار المتغيّرات الحاصلة خلال العقد الأخير على أكثر من صعيد.

يرى دنيس روس أن المدخل إلى ذلك هو استعمال الولايات المتحدة للقوتين الناعمة والخشنة معاً، لأن سياسة القوة الناعمة بمفردها والركون إلى الدبلوماسية وحدها التي اعتمدتها إدارة أوباما خلال ولايتين لم تكن صالحة، كما أن اعتماد ترمب للقوة الخشنة الانتقائية ورذل الدبلوماسية لم يأتِ بالنتائج المرجوة. فلا بد تالياً من دمج القوتين والتحلي بالحكمة لمعرفة متى يصح استخدام واحدة منهما أو الاثنتين معاً.

وحسب روس، لن تنجح هذه السياسة من دون تحالف أميركا مع الدول التي تؤمن بنفس مبادئها وقيمها لقيام نظام دولي ليبرالي يمزج بين القوّة الناعمة والقوّة الخشنة والدبلوماسية والقوّة، فتكون القوّة لدعم الدبلوماسية عندما لا تنجح هذه الأخيرة.

فقدت أميركا في السنوات الأربع الماضية الكثير من جاذبيتها، ومهمة بايدن هي تجديد هذه الجاذبية كركن أساس من عملية إعادة البناء، كما كتبت سامنثا باور، المندوبة الأميركية السابقة لدى الأمم المتحدة. وجاذبية الولايات المتحدة هي وراء كون 40% من الشخصيات التي نالت جوائز نوبل في معظم الحقول من السياسة إلى العلوم إلى الطب إلى الفنون تخرجوا في الجامعات الأميركية، كما هي أكبر نسبة من رؤساء دول العالم. ما قد يصيب أميركا في مقتل هو تبني الداخل الأميركي مقولة الخارج من أن أميركا تتراجع. صحيح أن المشكلات كثيرة لكن الأساس صلب ولن تحيد أكبر ديمقراطية في العالم عن مسار الديمقراطيات: إصلاح الذات والمضي قدماً.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة