أمن الخليج والشراكة مع الولايات المتحدة في عهد بايدن

أمن الخليج والشراكة مع الولايات المتحدة في عهد بايدن

الأحد - 14 شهر ربيع الثاني 1442 هـ - 29 نوفمبر 2020 مـ رقم العدد [15342]
د. عبد العزيز حمد العويشق
الأمين العام المساعد للشؤون السياسية وشؤون المفاوضات في مجلس التعاون الخليجي.

حينما يتولى الرئيس الأميركي المنتخب جو بايدن منصبه، في 20 يناير (كانون الثاني) المقبل، سيكون أمن الخليج بين أهم القضايا التي يتعين على إدارته التعامل معها. وبايدن ليس غريباً على هذه الملف؛ إذ كان منخرطاً فيه في عهد الرئيس السابق باراك أوباما. وقبل ذلك، قضى بايدن 35 عاماً عضواً في مجلس الشيوخ، عمل خلالها عضواً بارزاً ورئيساً أحياناً للجنة الشؤون الخارجية، إحدى أهم لجان المجلس التي يحتل فيها أمن الخليج موقعاً مهماً على مدى العقود الماضية.

انتخاب بايدن يمثل عودة إلى المسار التقليدي للسياسة الأميركية، في الفحوى والأسلوب، بعد فترة الرئيس ترمب الذي جاء من خارج المؤسسة التقليدية التي تهيمن على واشنطن، ولذا فإن بايدن يمثل الاستمرارية ويتمتع بعلاقات جيدة مع قادة الحزبين الديمقراطي والجمهوري.

حول أمن الخليج خاصة، ثمة توافق كبير داخل المؤسسات الأميركية. فرغم الأسلوب الشخصي المميز للرئيس دونالد ترمب، فإن إدارته بشقيها المدني والعسكري اعتمدت على هندسة الأمن الخليجي التي كانت قائمة قبل توليه الرئاسة في يناير 2017؛ فمنذ قيام الثورة الإيرانية في عام 1979 وبدئها بزعزعة أمن الخليج، تم اعتماد إطار أمني يقوم على ضرورة تأمين الملاحة الدولية، من خلال الوجود الأميركي الرادع. ويؤكد هذا الإطار الأمني مركزية دور دول مجلس التعاون في الحفاظ على أمن الخليج، بالإضافة إلى عدد من الشركاء الذين يساهمون في ذلك، من خلال المؤسسات والآليات التي وُضعت لهذا الغرض. ولم يتغير هذا الإطار كثيراً حتى الآن، وليس من المتوقّع أن يغيره بايدن، ما لم يتغير السلوك الإيراني بشكل جذري.

بعد تأسيس مجلس التعاون، في مايو (أيار) 1981، في خضم الصراع الإيراني - الأميركي العربي، استمرت العلاقة الأمنية الوثيقة بين الولايات المتحدة ودول المجلس منفردة، مع عقد اجتماعات تنسيقية مع منظومة مجلس التعاون بين حين وآخر، وترسخت تلك العلاقات فيما بعد مع المنظومة إبان حرب تحرير الكويت التي لعبت فيها أميركا ومجلس التعاون دوراً محورياً.

ووسط أحداث «الربيع العربي» والاضطرابات الصاخبة التي أدت إلى تزايد التدخلات الإيرانية في المنطقة، اتفق الجانبان على تأسيس «منتدى التعاون الاستراتيجي»، لوضع إطار أوثق للتعاون بينهما. ففي مارس (آذار) 2012، عُقد الاجتماع التأسيسي للمنتدى في مقر مجلس التعاون بالرياض برئاسة الأمير الراحل سعود الفيصل ووزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون، وحضره وزراء الخارجية وكبار المسؤولين من دول المجلس، ومن الجانب الأميركي شارك وفد كبير تمثلت فيه الأجهزة الرئيسية في الإدارة الأميركية. تم الاتفاق على آلية عمل المنتدى، وتشكيل مجموعات عمل لتحقيق أهدافه، وتمكّن المنتدى من تأسيس قنوات قوية للتواصل بين الجانبين، من خلال الأمانة العامة لمجلس التعاون ووزارة الخارجية الأميركية ومجلس الأمن الوطني في البيت الأبيض، وتركز عمله مبدئياً على الأبعاد السياسية والأمنية، معتمداً على هندسة أمن الخليج المتفق عليها مسبقاً، مع الأخذ في الاعتبار الأوضاع المستجدة في الدول العربية التي بدأت أوضاعها في التدهور مع زيادة التمدد الإيراني في المنطقة.

مهّد المنتدى للقمة الأولى بين مجلس التعاون والولايات المتحدة التي عُقدت في كامب ديفيد في مايو 2015، وتم فيها تأسيس «الشراكة الاستراتيجية بين مجلس التعاون والولايات المتحدة»، التي أقرت عدداً من الاتفاقات، بما في ذلك توسعة نطاق التعاون بين الجانبين، والتأكيد على تضامنهما للحفاظ على أمن الخليج.

وعقدت القمة الثانية في الرياض، في أبريل (نيسان) 2016، خلال السنة الأخيرة من فترة رئاسة أوباما، واتفق فيها على مد أفق التعاون ليشمل قضايا، مثل التنوع الاقتصادي وبطالة الشباب.

في مايو 2017، عقدت القمة الخليجية - الأميركية الثالثة، في عهد الرئيس دونالد ترمب، مؤكدةً الالتزام القوى باتفاقات كامب ديفيد، مع توسعة نطاق التعاون بشكل كبير.

هناك إذن اتفاق بين الحزبين الرئيسيين في الولايات المتحدة على ضرورة الشراكة الخليجية - الأميركية، والأهم من ذلك أن ثمة توافقاً كبيراً على النظام الأمني في الخليج الذي أسسه الجانبان منذ أربعين عاماً. ولا يعني ذلك أن هذا النظام الأمني جامد لا تتبدل ملامحه، إذ تغيرت ظروف الجانبين كثيراً خلال الفترة الماضية، ولكن تلك التطورات لم تغير شيئاً في أساسيات الشراكة للحفاظ على أمن الخليج، خاصة أن التهديد الإيراني قد ازدادت حدته خلال السنوات الماضية، بالهجمات المتكررة على المملكة العربية السعودية، على سبيل المثال.

النقاشات الدائرة حول تغير أولويات الولايات المتحدة هي في صلب اهتمامات أطر الشراكة الاستراتيجية الخليجية - الأميركية ومنتدى التعاون الاستراتيجي، بما في ذلك الرغبة الأميركية في توجيه اهتمام أكبر لمناطق أخرى من العالم. وثمة لبس في بعض وسائل الإعلام بين الخلافات الأميركية مع حلفائها الأوروبيين والوضع في الخليج، مع أن الأمرين مختلفان تماماً؛ فدعوة الرئيس ترمب للحلفاء لزيادة الاعتماد على النفس والمساهمة بشكل أكبر في تمويل المظلة الدفاعية لأوروبا، ليست موجهة لدول مجلس التعاون. فمن جهة، فإن مجلس التعاون الخليجي هو في حقيقته منظمة عسكرية - أمنية بالإضافة إلى كونه منظمة سياسية واقتصادية، وأحد أهم أهدافه بناء قوة عسكرية قادرة وفعالة، وقد تحقق ذلك إلى حد كبير حين يقارن الوضع اليوم بما كان عليه لدى تأسيس المجلس. ومع أن وسائل الحرب غير التقليدية أصبحت تشكل تحدياً جديداً، فإن دول المجلس قد وصلت إلى مستويات متقدمة في وسائل الحرب التقليدية وفي التنسيق بينها في قوة عسكرية متماسكة؛ فبعد تأسيس (درع الجزيرة) لتنسيق عمل القوات البرية، والأطر المؤسسية الأخرى التي تنسق بين القوات الجوية والبحرية، تم تشكيل القيادة العسكرية الموحدة في نوفمبر (تشرين الثاني) 2018 للتنسيق بين جميع القوات، في ظل عقيدة الدفاع التكاملي الجماعي الذي نصت عليه اتفاقات التعاون العسكري المشترك.

وبالمثل، بمطالبة الرئيس ترمب حلفاءه الأوروبيين بتحمل نفقات نظم الأسلحة التي توفرها الولايات المتحدة للدفاع عن أوروبا ورفع مستوى إنفاقهم العسكري إلى 2 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، فإن ذلك أيضاً لا ينطبق على دول مجلس التعاون الخليجي التي تنفق أضعاف ذلك، كما أنها تدفع مبالغ طائلة على كل نظام دفاعي تحصل عليه من الولايات المتحدة أو غيرها.

ما يحتم استمرار الشراكة الخليجية - الأميركية هو التوافق في عدد من المصالح المهمة، ويشمل ذلك أمن الخليج واستقرار أسواق الطاقة وتعزيز التبادل التجاري والاستثماري. ولهذا فإن السياسة الأميركية في ظل بايدن لن تختلف كثيراً في جوهرها، وإن كان من المتوقع أن تكون هناك اختلافات في الأسلوب والإخراج.


- الأمين العام المساعد للشؤون السياسية والمفاوضات - مجلس التعاون لدول الخليج العربية


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة