حمزة المزيني والمسألة الغلادستونية عند الإسلاميين

حمزة المزيني والمسألة الغلادستونية عند الإسلاميين

الأحد - 14 شهر ربيع الثاني 1442 هـ - 29 نوفمبر 2020 مـ رقم العدد [15342]
علي العميم
كاتب وصحافي سعودي

يقول الدكتور حمزة بن قبلان المزيني – متماً قوله الذي فندته في المقال السابق تفنيداً تفصيلياً -: «كما تتبعتها، بعد توقفي عن الكتابة الصحافية سنة 2014، عند الأتراك وعلماء الدين العرب والإيرانيين، والسياسيين والمثقفين العرب، وفيما كتبتْه الصحف والمجلات العربية، حتى وصلت بذلك التتبع إلى ورودها في إحدى المجلات العربية المشهورة سنة 1898، أي سنة وفاة غلادستون، وربما أزعم أني وضعت يدي على مصدرها الأول (وسوف أنشر ذلك كله في كتاب أحرره الآن بعنوان: أكاذيب عشنا بها)».
إن ما قرأته – يا دكتور حمزة – هو مقالاتك الأربعة في جريدة «الشرق» السعودية؛ حين نشرها فيها في شهر يونيو (حزيران) سنة 2014، والتي أعدتَ نشرها في موقعك الإلكتروني. وهي المقالات التي أشرتُ إليها، وقدمتُ عرضاً للمقال الأول فيها، ثم تناولته بالنقد والاستدراك على معلوماته. أما ما هو مطوي في صدرك، أو هو عندك قيد الإعداد أو قيد التحرير، فأعترف لك بأنه ليس بمقدوري أن أقرأه؛ لأن مقدرتي محدودة على قراءة ما هو منشور بين الناس. فالذين يدَّعون قراءة ما هو في طي الغيب هم السحرة والممخرقون والمشعوذون. ولا أتذكر أني في يوم من الأيام، زعمت لنفسي، سراً أو علناً، أني من هذه الفئة من الناس.
ومع أني لا أزعم لنفسي أنني من هذه الفئة من الناس؛ فإنني أشكك في أنك وصلت بـ«نفسك» في تتبعك للعبارة المنسوبة إلى غلادستون إلى ورودها في إحدى المجلات العربية المشهورة سنة 1898، وأنك – كما قلت – ربما وضعت يدك على مصدرها الأول. أشكك في هذه المعلومة استناداً إلى بيِّنات ملموسة، وليس اعتماداً على رجم بالغيب، أو استعانة بعرافة من بعض البلدان العربية، تضرب الودع، وتدَّعي الكشف عن المخبوء في أوراق الدكتور حمزة المزيني.
هذه البيِّنات الملموسة، هي كما يلي:
الأولى: يفصل بين آخر مقال من مقالاتك الأربعة حول العبارة المنسوبة إلى غلادستون، وهو مقال «وأدلة أخرى» الذي توقفت بعد نشره عن الكتابة الصحافية، وبين صدور سيرتك الذاتية «واستقرت بها النوى» خمس سنوات وسبعة أشهر، أو أزيد قليلاً. وفي الموضع الذي لخصت فيه تلك المقالات، ببضع صفحات، قد قلت في آخر التلخيص: «وقوبلت مقالاتي عن الاستفتاء المكذوب، والمقولة المكذوبة على غلادستون بمزيج من التأييد والهجوم، كما هي العادة. ولم أتوقف، بعد أن توقفت عن الكتابة في جريدة (الشرق) عن البحث عن مصدر تلك المقولة».
ووضعت هامشاً في أسفل الصفحة، قلت فيه: «تناولت هذه الكذبة والكذبة السابقة، وعدداً من الأكاذيب الرائجة من غير سند في كتاب لم ينشر بعد، عنوانه (أكاذيب عشنا بها)».
في المعلومة التي أنبأتنا بها في المتن بأنك لسنوات طويلة لم تتوقف عن البحث عن مصدر تلك المقولة، لم تذكر أنك وصلت إلى جديد في المسألة الغلادستونية عند الإسلاميين. وكذلك المعلومة التي تضمنها الهامش لم تشر إلى أن ثمة جديداً في بحثك عن مصدر المقولة المنسوبة إلى غلادستون في كتابك الذي سينشر: «أكاذيب عشنا بها»، مع أن المتن أو الهامش هما مكانا الإخبار عن الجديد في بحثك في المسألة الغلادستونية عند الإسلاميين؛ لأن هذا الإخبار - على الأقل - سيغري قارئك باقتناء كتابك الذي سينشر، إذ إنه لن يتحمس لاقتناء كتاب قرأ مقالاته في جريدة «الشرق» حين نشرها، وبمستطاعه أن يقرأها في أي وقت في موقعك الإلكتروني.
ولا يفوتني هنا أن ألفت نظرك إلى تضارب في معلومة قلتها في سيرتك الذاتية «واستقرت بها النوى» الصادرة قبل عشرة أشهر، وقلتها مرة أخرى في ردك عليَّ في جريدة «الشرق الأوسط» المنشور بتاريخ 29 أكتوبر (تشرين الأول) 2020.
في سيرتك الذاتية - وبحسب الهامش الذي أوردت نصه كاملاً - كتابك «أكاذيب عشنا بها» معد ومحرر؛ لكنه لم ينشر بعد. وفي ردك عليَّ، هذا الكتاب تحرره الآن!
إني لا أنكر أنني المتسبب في تضارب معلومتك هذه. فالكتاب – فعلاً – كان معداً ومحرراً وجاهزاً للنشر - كما قلت - في سيرتك الذاتية، وبسبب مقالاتي عن مقالك الأول «هل قالها غلادستون؟!» اضطررت إلى أن تعمل على إعداد وتحرير مقالاتك الأربعة من جديد؛ لكنك تتشامخ على الاعتراف بما أُصارحك به الآن.
وأصارحك بأن إخبارك القارئ في متن سيرتك الذاتية، بأنك لم تتوقف عن البحث عن مصدر العبارة المنسوبة لغلادستون، كان مجرد تباهٍ، فيه خلط بين ما تتمناه وبين ما لم تعمل عليه فعلاً. وسبب هذه الحالة أنك قلت في خاتمة مقالك الثالث «هكذا تكلم غلادستون»: «وسأتناول في المقال التالي المصدر المحتمل الذي أشاع هذه العبارة، والأغراض التي كانت وراء افتئاتها على غلادستون». وفي المقال التالي والأخير «وأدلة أخرى» لم تفِ بهذا الوعد. لهذا قلت في خاتمته: «لا يتسع المجال هنا للوفاء بما وعدتُ به في المقال السابق من تبيين المصدر المحتمل لتلك العبارة، فعذراً! وهو ما سأتناوله في المقال التالي!». والتفسير السيكولوجي لذلك التباهي الزائف، ولذلك الخلط، أنهما كانا تعويضاً عن فشل، وتغطية عليه، في آن. وأستميحك عذراً؛ لأني سأوضح للقارئ في خاتمة مقالي، كيف فتحتُ لك طريقاً كان مسدوداً أمامك.
الثانية: في اليوم الذي نُشر فيه مقالي الأول عنك «حمزة المزيني وهجومه الضاري على عمر فروخ»، قلت في تغريدتك الثانية في حسابك في «تويتر»: «ما زلت أفتش عن مصادر محتملة أقدم لها علاقة بتلك المقولة. وقد وجدت بعضاً منها. ولعل تقصي الصديق العميم يوفق إلى بعضها الآخر».
في هذه التغريدة لم تعلمنا بأنك وصلت في تتبعك للمقولة إلى ورودها في إحدى المجلات العربية المشهورة سنة 1898، ولم تعلمنا بزعمك أنك بهذا ربما وضعت يدك على مصدرها الأول، مع أن الكشف عن هذا الإنجاز كان موضع الإعلان عنه هو هذه التغريدة.
ولي على هذه التغريدة ملحوظة، مفادها التشكيك بما جاء فيها. وسأمهد للقول بها بواسطة هذا الشرح:
في تتبعك الزمني لورود العبارة في كتابات الإسلاميين، عثرت على أقدم مصدرين لورودها، وهما ترجمة عمر فروخ لكتاب «الإسلام على مفترق الطرق»، وكتاب محمد قطب «هل نحن مسلمون؟». وكنتَ قد لاحظت أن محمد قطب أوردها بصيغة يخص بها مصر. وإكمالاً لهذا التتبع ذكرت مقال محمود شيت خطاب «التربية العسكرية» المنشور في مجلة «البحوث الإسلامية» الصادرة عن الرئاسة العامة للبحوث العلمية والإفتاء بالسعودية. وذكرت كتاب نبيه زكريا عبد ربه «كيف نحيا بالقرآن». وكنتَ قد لاحظت أن كتابه هذا هو أشهر الكتب التي يحيل إليها بعض كتب الإسلاميين، وبعض مقالاتهم في إيرادها لإحدى صيغ العبارة. وهذا الكتاب – كما أخبرتنا – لما أحال في إيراد العبارة إلى كتاب «الإسلام على مفترق الطرق»، هو الذي دلك عليه. كما أنك في هذا التتبع أشرت إلى كتاب سفر الحوالي «شرح الطحاوية». وفي مقالي الأول عنك، رأيتُ أنك لم تكن موفقاً في هذا المثال لأكثر من سبب. ذكرتُ واحداً منها، وسأذكر بقيتها في مقال قادم وعدت بكتابته في مقالي «محمد أسد ومحمد أسعد النمساوي» والذي سيكون موضوعه تفنيد ما ذهبت إليه من أن الإسلاميين كانوا ضحايا عمى آيديولوجي وغفلة آيديولوجية، في الترويج للعبارة المنسوبة لغلادستون.
في تتبعك الزمني لورود العبارة في كتابات الإسلاميين، كنت حريصاً على ذكر تواريخ صدورها؛ لأن ذلك من متطلبات التتبع الزمني. ومع هذا الحرص فإنك لم تذكر تاريخ صدور كتاب محمد أسد «الإسلام على مفترق الطرق» بلغته الأصلية، وهي الإنجليزية، ولم تذكر تاريخ ترجمته إلى العربية؛ لأنك – أيضاً – تجهل تاريخها. وكنت تعتقد أن تفاسير وتعاليق مترجمه عمر فروخ التي ضمها إلى متن الكتاب موجودة فيه منذ أن ترجمه. وقد أخطأت في تحديد سنة صدور كتاب محمد قطب «هل نحن مسلمون؟»، فأنت تعتقد أنه صادر في سنة 1967، مع أنه في هذه السنة كان لا يزال مسجوناً في قضية تنظيم 1965 الإرهابي. والصحيح أن كتابه صادر في سنة 1959. وأهمية تحديد سنة صدوره على نحو دقيق أنه ثاني كتاب باللغة العربية أورد العبارة بصيغتها الشائعة. وهذا ما فاتك النص عليه. فمحمد قطب أورد العبارة بعد إيراد عمر فروخ لها في الطبعة الثالثة (1951) لترجمته لكتاب محمد أسد، بحوالي ثماني سنوات.
وفاتك – أيضاً – وأنت تذكر ملحوظة ظاهرة، وهي أن محمد قطب أورد العبارة بصيغة يخص بها مصر، أن تذكر ملحوظة غير ظاهرة، وهي أن الإسلاميين أهملوا نقل العبارة عنه، رغم أنه ثاني مصدر أوردها، ورغم علو منزلته ومنزلة كتبه عندهم. وقد أهملوا النقل عنه؛ لأنهم - وهذا تعليل سيفيدك - لم يكونوا راضين عن أقلمته للعبارة، وقصرها على مصر.
بعد هذا الشرح، سأسألك: كيف ستتمكن وأنت تفتش عن مصادر محتملة، من تحديد الأقدم فيها، مع أنك لا تعرف تاريخ ترجمة عمر فروخ لكتاب «الإسلام على مفترق الطرق» ولا تعرف تاريخ صدور طبعة ترجمته الثالثة، وتخطئ في تحديد سنة صدور كتاب «هل نحن مسلمون؟»، والطبعة الثالثة وهذا الكتاب، هما المصدران الأقدمان في ورود العبارة فيهما بصيغتها الشائعة؟!
الثالثة: تذكر أنك تتبعت العبارة المنسوبة لغلادستون بعد توقفك عن الكتابة الصحافية سنة 2014، وموقعك الإلكتروني الذي نشرت فيه مقالاتك الأربعة حول هذه العبارة، أنشأته منذ سنتين أو ربما ثلاث سنوات، كان مكاناً مناسباً لنشر حصيلة تتبعك المضني! فلماذا – إن كان ما قلته صحيحاً – لم تنشرها فيه؟!
إنك إن نشرتها فيه فسيشتد الإقبال على قراءتها؛ لأنك ستنوه بأنه لم يسبق نشرها.
الرابعة: إنك لو فعلت ما زعمته في تغريدتك وفي ردك عليَّ، من البحث لسنوات طويلة في المسألة الغلادستونية عند الإسلاميين؛ لكنت صححت بعض المعلومات الخاطئة الواردة في مقالك الأول «هل قالها غلادستون؟!» ولسددت النقص الفادح فيها، أو أنك حذفت مقالاتك الأربعة من موقعك الإلكتروني، والتي ستنشرها بعد التنقيح والتعديل والزيادة في كتابك الذي تحرره الآن! وهو كتاب «أكاذيب عشنا بها».
لكن ما أراه ويراه غيري، أن لديك اهتماماً غير عادي بمقاليك: الأول «هل قالها غلادستون؟!»، والثاني «لم يقلها غلادستون»، فأنت ثبَّتهما بكل الروابط في موقعك الإلكتروني، من الصفحة الرئيسية وما بعدها؛ بل هما مثبتان في هذه الصفحة وفي جميع الروابط في موقعك. وهذا يعني أنك تعتقد أنه يصح فيهما المثل القائل: «لا عطر بعد عروس»!
إن الدكتور حمزة وصل في تتبعه للعبارة المنسوبة لغلادستون الذي بدأه بعد نشر مقالي الأول ومقالي الثاني «لو أن حمزة المزيني تمعن قليلاً فيما قرأ»، إلى ورودها في إحدى المجلات العربية المشهورة سنة 1898 بفضلي أنا، فأنا الذي في المقال الأول عنه وفي المقال الذي قبله «العظمة ورضا» أتيت بنصها عند أحمد أمين في كتابه «يوم الإسلام» الذي لم يكن يعرفه. وهو كان قد نقلها عن مقال لرشيد رضا كتبه في مجلة «المنار»، ولم يذكر كعادة أبناء جيله المصدر الذي نقلها عنه.
ببساطة، الدكتور حمزة – بلا تتبع يقتضي جهداً - كتب نصها، وهو: «وجوب إعدام القرآن، وتطهير أوروبا من المسلمين» في أداة البحث في الإنترنت «غوغل»، فظهر له المصدر الأول للعبارة بصيغتها المختلفة عند رشيد رضا عن الصيغة الواردة عند الإسلاميين.
وبمحض الصدفة بعد نشر رده عليَّ «دراما العميم» بثلاثة أيام، نُشر مقالي «الخالدي وتلحوق وحمادة» الذي كنت قد كتبته قبل أن يُنشر رده عليَّ، وفيه تفصيل عن المعلومة التي موَّه على مصدرها، وهي مجلة «المنار»، وأخفى اسم كاتبها، وهو رشيد رضا. وكنت أعلم بها قبل أن أكتب عنه مقالي الأول. وللحديث بقية.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة