الحيرة الأميركية في الشرق الأوسط

الحيرة الأميركية في الشرق الأوسط

الأربعاء - 19 شهر ربيع الأول 1442 هـ - 04 نوفمبر 2020 مـ رقم العدد [15317]
عبد المنعم سعيد
رئيس مجلس إدارة صحيفة المصري اليوم بالقاهرة، ورئيس مجلس إدارة ومدير المركز الإقليمي للدراسات الإستراتيجية بالقاهرة

حينما يكون هذا المقال أمام القارئ الكريم سوف تكون الانتخابات الرئاسية الأميركية قد وصلت إلى منتهاها. ذهب الأميركيون إلى صناديق الاقتراع وأدلوا بأصواتهم سواء كان ذلك في الصناديق أو عن طريق البريد. المرجح أن المشاركة الأميركية سوف تكون عالية، فلم يحدث منذ زمن بعيد أن كانت الدعوة عالية للتصويت كما هو الحال هذه المرة.

وفي العموم فإن تلك هي النتيجة الطبيعية لحالة الاستقطاب الكبيرة في الولايات المتحدة الذي بدا أنه يهدد الوحدة الوطنية الأميركية. المرشح الديمقراطي للرئاسة جو بايدن جعل من عودة الولايات المتحدة إلى اتحادها الأولوية الأولى لسياساته إذا ما فاز في الانتخابات وذلك من منظور مشابه لذلك الذي جرى قبل قرن ونصف عندما جرت الحرب الأهلية الأميركية. الحالة هكذا ليست وليدة فترة الرئاسة الأخيرة التي تولاها دونالد ترمب، ولكن سابقه باراك أوباما كان مدركاً خلال عامه الأخير في البيت الأبيض أن أبرز إخفاقاته كانت العجز عن عبور الفجوة العميقة بين الجمهوريين والديمقراطيين في الكونغرس، وكانت سبباً في اعتماده على القرارات التنفيذية التي تتطلب ثلثي أعضاء الكونغرس لتجاوزها.

الخلاف إذن كان عميقاً وسابقاً على وصول ترمب للبيت الأبيض، ولكن عمقه الآن ربما سوف يتحدد بمجرد إعلان نتيجة الانتخابات التي إذا حدثت فور فرز الأصوات في الصناديق أو تأخرت قليلاً حتى يتم فرز أكثر من 60 مليون صوت جاءوا بالبريد، فإن المرجح أنه سوف يكون لدينا نتيجة متنازَع عليها، وأن الانقسام الأميركي قد وصل إلى أعماق جديدة. أيٌّ من ذلك سوف تكون له نتائج عالمية، وما يهمنا هنا هو: كيف ستؤثر نتيجة الانتخابات الأميركية على الشرق الأوسط والإقليم العربي في قلبه؟

والحقيقة أنه رغم كل الانقسامات الجارية في الولايات المتحدة بين اليمين واليسار، والجمهوريين والديمقراطيين، فإن السلوك الأميركي العام يشير إلى رغبة في الانسحاب من الشرق الأوسط. هكذا كان الحال في الفترة الثانية لأوباما حينما انهارت سياساته الخاصة بما سماه «الربيع العربي» وتأييد «المعتدلين» الإخوان المسلمين لكي يقودوا العالمين العربي والإسلامي إلى الجنة الديمقراطية السعيدة! ما حدث فعلياً كان خيبة أمل كبيرة ليس كما كانت في النظم السياسية القائمة فقط وإنما فيما تلا الربيع من رمال ساخنة إلى حروب أهلية وفشل سياسي واسع النطاق لنخب ما بعد الثورة والفورة. انتهت السياسة كلها إلى سلسلة من الحروب الأهلية والدماء النازفة والمدن المدمَّرة والدول المنقسمة والممهَّدة للاستغلال الإرهابي والتطرف الديني. دونالد ترمب في فترته الأولى كان يريد الخروج من «الحروب التي ليس لها نهاية»، والابتعاد عن حلفاء يكلفون أميركا الكثير دونما عائد تستحقه أميركا خصوصاً أن مصالحها القريبة من القلب مثل النفط وإسرائيل لم يعد منها تهديد يُذكر.

فأميركا باتت مكتفية بترولياً، بل إنها عادت قوة عظمى منتجة بما يكفيها، ولم تعد مشكلتها ارتفاع أسعار النفط وإنما انخفاضه. وإسرائيل باتت دولة غنية وقادرة تكنولوجياً ومتفوقة عسكرياً؛ وعلى أي حال فقد تولى تأمينها خلال سنواته الأولى بصفقة أعطتها فرصاً أفضل للسلام مع دول المنطقة. ربما اختلفت الآيديولوجيات ولكن النتيجة واحدة وهي أن الرئيس الأميركي، ديمقراطياً كان أو جمهورياً، لا يريد البقاء في الشرق الأوسط.

ولكن الحقيقة هي أن أميركا لا تزال باقية، ولا يعلم أحد ماذا سوف يفعل الرئيس القادم سواء كان ترمب لأربع سنوات أخرى، أو بايدن لأربع سنوات أولى لأن الفكر الاستراتيجي الأميركي في عمومه يعيش حالة من الحيرة الكبرى تجاه المنطقة.

المقالات والدراسات المنشورة عما يجب أن تكون عليه السياسة الأميركية في الشرق الأوسط في عمومه أو تجاه قضايا محددة فيه أو دول معينة داخله، كلها متضاربة ومتناقضة. العناوين تعكس ذلك بوضوح شديد حينما نجد كينيث بولاك يضع المسألة في خيار حاد بين «القتال أو الهروب: خيار أميركا في الشرق الأوسط». مارا كارلين وتمارا كوفمان ويتس تنظران إلى الموضوع من زاوية التكلفة والتناسب بينه وبين العائد في المقال «كيفية القيام بالمزيد بأقل تكلفة: السياسة الأميركية في أعقاب الوباء».

مارتن إنديك يكتفي بنظرة سلبية لما جرى، فيكتب «كارثة في الصحراء: لماذا خطة ترمب للشرق الأوسط لا يمكن أن تنجح؟». ستيفن كوك يبدو مستسلماً لأقدار مجهولة حيث «لا يوجد مخرج: لماذا لا يزال الشرق الأوسط مهماً لأميركا؟». وجهات النظر هكذا تتوالى عاكسة قدراً أكبر من قلة الحيلة بين التورط والانسحاب لأنها في كل الأحوال تتحرك ضمن أطر آيديولوجية غالباً ما تكون فارغة من المضمون الإقليمي والتوازن الدولي.

مثل ذلك لا نجده على الأغلب بين العسكريين الأميركيين الذين ينظرون إلى الإقليم من زاوية منافذه البحرية ومدى النفوذ فيه من قوى عالمية منافسة سواء كانت الصين أو روسيا أو حتى أوروبا حسب المكان والزمان. المؤكد أن هناك وجهات نظر أخرى تنظر إلى المنطقة بوصفها جزءاً من كون لا مهرب لأميركا فيه وراء محيطات بعد أن وصل إرهابيون إلى برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك، وإلى جدار البنتاغون في واشنطن. جائحة «كورونا» ربما كانت أولى المصائب الكونية التي لا توجد بينها وبين الشرق الأوسط صلة، وإنما جاءت احتمالاتها منسوبةً إلى الصين الآسيوية التي كانت حتى وقت قريب هي الجهة التي ظن أوباما وترمب أنها الجهة التي ينبغي أن تتوجه إليها الولايات المتحدة.

ولكنّ معضلة الشرق الأوسط ربما لا تكون الحيرة الأميركية في النظر إلى الإقليم وإنما في نظرة الإقليم إلى نفسه. وفي وقت من الأوقات كانت النظرة نابعة من صراع طال جداً، هو الصراع العربي الإسرائيلي. وفي أوقات أخرى كانت النظرة القومية العربية هي الفيصل ما بين أصالة الإقليم وزيفه. وفي أوقات ثالثة جرت مطابقة ما بين الإقليم وبقية العالم الإسلامي سواء كان ذلك تحت مظلة الثورة أو غطاء الاعتدال. المرحلة الراهنة تعكس حالة جديدة ربما تبدد الحيرة الأميركية، وتعطي لأصالة الإقليم دفعة جديدة متمثلة في «الدولة الوطنية» أو «الدولة القومية» بالتعبيرات الغربية التي هي من ناحية تعبر عن حقيقة «جيوسياسية» بما لها من حدود، وهوية خاصة بها تميزها عن غيرها، ومصالح متميزة يصبح فيها الأعداء والحلفاء أكثر تحديداً من أي وقت مضى. ببساطة في هذه الحالة يصبح «الأمن الإقليمي» قائماً على ما يتحقق من أمن لدول الإقليم الذي يعني غياب التهديد والعدوان، ويكون ذلك بحزمة من سياسات تعزيز القوة الذاتية للدولة، والتحالفات الإقليمية ذات التأثير في حماية الدولة ورفع التهديد عنها. هذا التشكيل للدولة يفسر إلى حد كبير الحالة فائقة المرونة للصفقات الجارية في المنطقة ليس فقط مع الولايات المتحدة ولكن أيضاً مع الصين وروسيا وأوروبا، كلٌّ حسب موقعه من المصالح، ويظهر ذلك في الحصول على السلاح، بقدر ما هو وارد في التجارة وتحديد أسعار النفط واستقبال السياحة.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة