عودة اللاجئين والمأزق الروسي

عودة اللاجئين والمأزق الروسي

الاثنين - 16 شهر ربيع الأول 1442 هـ - 02 نوفمبر 2020 مـ رقم العدد [15315]
فايز سارة
كاتب وصحافيّ سوريّ

يقدر عدد اللاجئين السوريين في العالم بنحو عشرة ملايين نسمة. وتضم بلدان الجوار السوري وحدها قرابة ستة ملايين منهم، بينهم أكثر من ثلاثة ملايين ونصف المليون في تركيا وحدها، وفي بلدان الخليج العربي الستة، التي تعتبر السوريين «مقيمين»، ما يقارب مليوناً ونصف المليون نسمة، يقيم القسم الأكبر منهم في المملكة العربية السعودية والإمارات، ويتوزع في بلدان الاتحاد الأوروبي نحو مليون ونصف المليون لاجئ سوري، القسم الرئيسي منهم في ألمانيا، التي قارب عددهم فيها المليون نسمة بمن فيهم الأشخاص المشمولون بلم الشمل.
وتبين الأرقام السابقة الأهمية المتعددة الجوانب في قضية اللاجئين السوريين بالنسبة للأطراف المعنية بالقضية السورية والمتدخلين فيها على السواء. وباستثناء أهمية القضية من الناحية الإنسانية، فكل منهم يراها مهمة من زاوية مصالحه. فعودة اللاجئين السوريين بالنسبة لدول الجوار، تكمن في تخفيف ما تمثله هذه القضية من ضغوطات سياسية واقتصادية واجتماعية وأمنية على أوضاعها المرتبكة بشكل عام، وبالخصوص في تركيا ولبنان والأردن، كما أن عودة اللاجئين، ستخفف من مسؤوليات ومساهمات الدول، التي تقدم مساعدات مادية وعينية دعماً عبر المنظمات الدولية أو مباشرة من أجل تحسين حياة اللاجئين، وتخفيف معاناتهم في بلدان اللجوء، كما أن «عودة اللاجئين»، تعني بالنسبة لدول تشكل نقطة جذب للمهاجرين مثل بلدان غرب وشمال أوروبا، وقف هجرة اللاجئين إليها، وتخفيف أعداد اللاجئين السوريين فيها بـ«إعادة» بعضهم إلى سوريا في إطار عودة اللاجئين، إذا تمت، كما أن «عودة اللاجئين» إلى بلادهم من شأنها التخفيف من خطر الإرهاب في العالم، وهي مقولة أشاعتها وروّجت لها دول وأوساط سياسية واجتماعية في بلدان اللجوء لرغبات وأهداف سياسية، ووظفت في خدمتها الإعلام ومراكز بحث دولية عبر ربط قضية اللاجئين بـ«الإرهاب».
ومما لا شك فيه أن «عودة اللاجئين» تمثل فكرة جيدة وعملية في سياق الحل السوري ومطلوبة من جانب أغلب الأطراف المعنية، وذات أهمية كبيرة في موضوعات القضية السورية، لأنها يمكن أن تكون إحدى بوابات الحل. لكن القضية يمكن أن تتحول في اتجاهات مختلفة عما سبق كله، وهذا هو واقع الحال في الرؤية الروسية لقضية اللاجئين وعودتهم. إذ يطرحها الروس بعيداً عن كل ما سبق، والسبب في ذلك اختلاف سياق موقفهم في الصراع السوري عن غيرهم، حيث إنهم القاطرة، التي تجر جهود الحفاظ على النظام الحالي والإبقاء على بشار الأسد في موقع الرئاسة بخلاف الشائع والمعروف في الموقف الدولي الذي وإنْ أحاطت الالتباسات باجتماعه وتفاعله الجدي والإيجابي مع القضية السورية، فإن موقفه من النظام ورئيسه، والميل إلى تغييرهما، لا جدال فيه بعد كل ما ارتكبه من جرائم، وما مثله من تحديات للعالم وأخطار عليه، يصعب تجاهلها، والتعامل مجدداً مع من قاموا بها.
إن الجوهري في الاختلاف الروسي حول عودة اللاجئين، يظهر في الأهداف المختلفة عن كل الأطراف الإقليمية والدولية المهتمة بالموضوع، حيث تستخدم روسيا وتوظف أهداف تلك الأطراف من أجل تحقيق أهدافها وأهداف حلفائها، وفي المقدمة إعادة تسويق نظام الأسد، وتطبيع علاقاته الدولية، واستعمال عودة اللاجئين مدخلاً في قضية إعادة الإعمار، التي سيكون حلفها مع إيران ونظام الأسد أكبر المستفيدين سياسياً واقتصادياً منها في الظروف الراهنة.
وفي خلال السنوات الأربع الماضية ووسط شكاوى لبنانية وأردنية، مما يضيفه وجود اللاجئين السوريين من أعباء على البلدين، سعت موسكو عبر اتصالات فردية معهما، ومشاورات مع بلدان في الإقليم والعالم للدفع نحو عودة اللاجئين ولو تحت الضغوط، كما حدث في لبنان من جانب «حزب الله» والجيش والأمن العام اللبناني، لكن من دون نتائج جدية، ليس فقط بسبب الظروف المعيشية والمادية المحيطة بكل تردياتها، بل أيضاً نتيجة موقف نظام الأسد من تلك العودة، سواء لجهة فرض الحصول على موافقات مسبقة لكل من يرغب في العودة، ورفض وصول اللاجئين إلى بلداتهم وبيوتهم، بل إلى أماكن يحددها النظام، وفوق ما تقدم إخضاع العائدين لابتزاز وتدخلات الأجهزة الأمنية والميليشيات التابعة للنظام وحلفائه.
غير أن فشل موسكو في تحقيق تقدم في موضوع عودة اللاجئين مع لبنان والأردن، لم يمنعها من الذهاب نحو توسيع جهودها في المحيط الدولي، خصوصاً أنها أجبرت نظام الأسد على إعلان موافقة لانعقاد مؤتمر دولي يبحث في عودة اللاجئين السوريين في دمشق يومي 11 - 12 نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي، رغم ما هو معروف من معارضة النظام لعودتهم، ومعروف أيضاً دوره في عمليات تهجيرهم، خصوصاً وسط استذكار مقولة رأس النظام حول المجتمع المتجانس الذي حققه بعد قتل من تم قتله، وترحيل من جرى ترحيله.
وكما في المرة الماضية، فقد اصطدمت المساعي الروسية برفض دولي وإقليمي واسع للفكرة، لأن جوهرها تهرب روسي من استحقاقات عودة اللاجئين، التي تعني في أولى بديهياتها، إجبار نظام الأسد على تغيير الظروف الدافعة لخروجهم من بلدهم، وهي ظروف سياسية وأمنية، لم تتغير، وإنما زادت تردياً وتدهوراً، خصوصاً في ظل الكارثة الاقتصادية والمعيشية السائدة في البلاد نتيجة سياسات النظام، بالتزامن مع انتشار وباء «كوفيد - 19»، وسط انهيار شامل للنظام الصحي في سوريا.
ولاحظت أغلب الحكومات التي تواصل معها الروس، أن الهدف الرئيسي لجهود موسكو ليس معالجة عودة اللاجئين، وإنما استخدامها مجرد واجهة لفتح بوابة البحث في إعادة إعمار سوريا، وتقديم مساعدات لها تحت سيطرة نظام الأسد، وهي فكرة كررت أغلب الدول المعنية رفضها مجردة عن فكرة الحل السياسي، حيث تم ربط إعادة الإعمار وتقديم المساعدات ببدء خطوات عملية من جانب نظام الأسد الخاضع لموسكو في عملية التسوية السياسية، وأعتقد أن تلك الدول، إن لم تكن قد أخبرت الروس علانية، فإنها فكرت أنها في ظروف «كوفيد - 19» وما يتركه من آثار اقتصادية عليها، لن تقدم أموالاً لإعادة إعمار سوريا تحت سلطة نظام الأسد، خصوصاً أنها تعرف أن تلك الأموال سيتشارك في الاستيلاء عليها النظام والإيرانيون والروس، ولن يستفيد منها السوريون إلا القليل، على نحو ما يحدث في المساعدات التي تقدمها الأمم المتحدة، وينهبها نظام الأسد، ويوزع قسمها الأكبر على مرتزقته ومؤيديه.
إن المأزق الروسي في سوريا، لا يكمن في همجيته ودمويته فحسب، ولا في أكاذيبه التي لا تتوقف، وأيضاً في محاولاته استغباء العالم، لكن المشكلة في أن العالم أو الفاعلين فيه، يقبلون تلك اللعبة الروسية!


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة