إيران مصنع لإنتاج دول فاشلة

إيران مصنع لإنتاج دول فاشلة

الثلاثاء - 11 شهر ربيع الأول 1442 هـ - 27 أكتوبر 2020 مـ رقم العدد [15309]
داود الفرحان
كاتب عراقي

تردد كثيراً في السنوات الأخيرة مصطلح «الدولة الفاشلة» لتمييزها عن الدولة المستقرة أو الناجحة. وأنا لن أعيد اختراع العجلة، لذلك أحصر اهتمامي بـ«صندوق دعم السلام»، وهو مؤسسة بحثية مستقلة تعمل مع مجلة «فورين بولسي»، والذي توصل إلى وضع بعض الخصائص التوصيفية منها: ضعف السيطرة على أراضي الدولة، أو فقدان الدولة لاحتكار استخدام السلاح أو «العنف القانوني». كذلك عدم قدرة الدولة على تقديم قدر معقول من الخدمات العامة، وضعف السلطات الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية، وانهيار الاقتصاد والعملة الوطنية.
ووفقاً لأحد تقارير البنك الدولي، فإن هناك 30 دولة فاشلة. إلا أن «الإدارة البريطانية للتنمية الدولية» كانت أكثر تشاؤماً وحددت 46 دولة ضعيفة إلى حد الفشل. وفي كل الجداول خلال العقد الأخير من القرن الحالي نجد 4 دول عربية هي العراق وسوريا واليمن ولبنان. والدول الأربع فيها نفوذ إيراني واضح إلى حد يقترب من الاحتلال وصنع الحكومات. ويصل مؤشر الفشل في هذه الدول الأربع إلى قائمة «الإنذار»، وتضم حسب نسبة الفشل جنوب السودان والصومال وأفريقيا الوسطى والكونغو الديمقراطية وتشاد وأفغانستان وغينيا وهايتي وباكستان ونيجيريا وساحل العاج وزيمبابوي، وهي متخلفة في كل شيء. وجميع هذه الدول تحتل المراكز الـ16 الأسوأ. أما الدول الـ16 المتقدمة في كل شيء فهي فنلندا والسويد والنرويج والدنمارك ولوكسمبورغ وسويسرا ونيوزيلندا وآيسلندا وأستراليا وآيرلندا وكندا والنمسا وهولندا وألمانيا والبرتغال وبلجيكا.
والآن... ما مفهوم مصطلح «الدولة الفاشلة»؟ هذه بعض خصائص توصيف الدولة الفاشلة بالإضافة إلى ما ذكرناه: فقدان السيطرة على أراضيها أو فقدان الدولة لاحتكار استخدام العنف القانوني مع ضعف السلطة الشرعية في البلاد، وعدم القدرة على تقديم قدر معقول من الخدمات العامة، فضلاً عن عجز الدولة عن التفاعل مع دول مستقرة وناجحة كعضو فعال في المجتمع الدولي. مع الأخذ في الاعتبار أن الخدمات البلدية والصحية والتعليمية تندرج ضمن قائمة الخدمات الأساسية والبنى التحتية، وإيلاء اهتمام كامل بمستوى إقامة وإدامة أسس التوافق الوطني والشعبي على شرعية الدولة كراعية لمصالح جميع سكان البلاد وليس مصالح فئة أو فئات معدودة منهم. وبهذا التوصيف تزداد التزامات أي دولة للإيفاء بمستلزمات الاعتراف الدولي. لذلك على الأمم المتحدة أن تُفَعِّل صلاحياتها لضبط الدولة الفاشلة أو المنفلتة عن طريق تجميد عضوية أي دولة تفقد أحد شروط العضوية الدولية أو تفتقد صفة الدولة المؤهلة للانضمام إلى الأمم المتحدة. فهل المنظمة الدولية على استعداد لتفعيل هذا الشرط، وهناك خمسة أصوات تستطيع التلويح بـ«الفيتو»؟
ويهمنا في هذا الشأن أن نلقي بعض الضوء على فشل الدول العربية الأربع التي تصدرت قائمة الإنذار، لنشير إلى أن أنظمتها تحاول الاختباء خلف مرض الطائفية المزمن لتسويغ الفشل في كل المجالات. ولأنها لا تستطيع المواجهة الفكرية في ترويج شعاراتها الهزيلة، فهي تلجأ إلى شخوص خرافية للاحتماء بها وخداع القطيع الجاهل علمياً والجائع اكتفاءً والجانح قانوناً، الذي لا يجد له موقعاً في السلطة إلا بالانضمام إلى الميليشيات المسلحة أو الأجهزة القمعية أو عصابات الفساد.
بدأت المقال بالحديث عن الدولة الفاشلة، وأريد أن ينتهي المقال على خير بالحديث عن الدولة الناجحة: اليابان. ولن أتحدث هنا عن الدولة كنظام سياسي لكني أركز على كيفية إدارة مؤسساتها.
من مميزات المدير الياباني، أو رئيس الشركة، أنه إذا أدت سياسته إلى فشل الشركة أو خسارتها، أو إذا ألحق أضراراً بها بسبب فضيحة مالية أو شخصية، فإنه يمتلك الشجاعة الكافية التي تؤهله لأن يقف أمام منتسبي الشركة ويعترف بتقصيره علناً. وهو لا يطلب العفو والمغفرة ونسيان الماضي، ولا يبحث عن أعذار لتسويغ الفشل، ولا يفتش عن شماعة أو كبش فداء، ولا يردد كلمات زئبقية مبهمة من نوع الظروف والمستجدات! لكنه يحترم نفسه والآخرين فيتحمل المسؤولية كاملة ويقدم استقالته على الفور... أو تصعد الغيرة لديه فتدفعه إلى الانتحار!
واليابانيون في هذا لا يشبهون مجتمعات أخرى، يفشل فيها المدير أو رئيس الدائرة وتكثر فضائحه ويزداد اللغط حول تصرفاته وسوء استغلاله للسلطة، فيتصور الناس أنه سيُطرد من وظيفته، إلا أنهم يفاجأون بصدور أمر بترقيته إلى منصب وكيل الوزارة - مثلاً - أو بتعيينه مديراً عاماً لدائرة أخرى بالوكالة، إضافة إلى منصبه - مثلاً - أو نقله إلى منصب سفير! ليس هذا فقط، ولكنه يكافأ أيضاً بمكافآت سخية على خدماته «الجليلة» التي أدت إلى ضياع الفلوس وتراجع الإنتاج وتذمر الموظفين والناس واستشراء الفساد!
والمدير الياباني ليس مديراً من وراء الكواليس أو الكوابيس، لكنه جزء من النشاط المقرر للدائرة أو الشركة، فالسيد توياما، وهو مدير أحد مصانع السيارات اليابانية، يبدأ يومه بقراءة التقارير الإدارية والفنية من النوبة الليلية عن أي مشاكل في السيطرة النوعية على الإنتاج، ثم يعقد اجتماعاً مع مساعديه من فريق السيطرة لمناقشة التقارير واقتراح الحلول وإبداء الملاحظات. وهذا النوع من الاجتماعات يتميز بالديمقراطية الحقيقية وحرية الرأي والرأي الآخر وحق الاعتراض من دون أي ضغوط أو هراوات أو مارشات عسكرية أو اغتيالات.
والسيد توياما يقضي كثيراً من يوم عمله على أرض المصنع يتابع ويراقب ويرشد ويسأل ويشكر، ويبتسم طوال الوقت لأنه يعد الابتسام دليلاً على الثقة بالنفس. وهو ليس رئيساً فقط لمنتسبيه، لكنه صديق لكل منهم ويتعاملون معه كأنه أب أو أخ كبير، ويطلبون توجيهاته في العمل مثلما يطلبون مشورته في قضاياهم الشخصية وعلاقاتهم العاطفية. وهو لا يمانع في أن يكون وسيطاً لترتيب إجراءات زواج أحد منتسبيه من زميلة له في المصنع أو خارج المصنع. ويجد نفسه ضيف الشرف في حفلة الزواج، وأول من يسمع عن أي خلاف عائلي بين الزوجين بعد انتهاء شهر العسل!
وحين تعلن مذيعة الإذاعة الداخلية في الشركة عن موعد تناول وجبة الغداء، فإن توياما لا يتوجه إلى قاعة خاصة بالمديرين، لكنه يذهب إلى القاعة الكبرى، حيث يجلس جنباً إلى جنب مع منتسبيه يأكل مما يأكلون ويشرب مما يشربون، ويشاركهم الضحك من النكتة التي تقول إن أجنبياً زار اليابان وأدهشه كثيراً أن أطفال اليابان يعرفون القراءة والكتابة باللغة اليابانية! أما في غير اليابان فإن الموظفين يأكلون مع الموظفين، والعمال يلفطون مع العمال، والمديرين يضربون بالعشرة مع المديرين!
وبعد العمل تستمر العلاقات الشخصية في الحانات والمطاعم الشعبية أو حتى في منزل توياما، حيث تجري مناقشة أحدث وسائل السيطرة النوعية على مائدة يابانية تقليدية يتصدرها الرز والسمك وشوربة الأعشاب البحرية.
وبالنسبة لليابانيين، فإن لعلاقة أي فرد منهم مع الجماعة أهمية قصوى في حياته الخاصة والعائلية. وعلى أرضية الحقل أو المصنع أو المؤسسة يترجم هذا الشعور الشخصي إلى رغبة شديدة في أداء أعلى مستويات الإنتاج والجودة الممكنة لرفع اسم بلاده عالياً أولاً، ولإرضاء رئيسه وزملائه في العمل ثانياً، ولإرضاء نفسه وأسرته ثالثاً. فالبيت والعمل والوطن كيان واحد لا يعرف الازدواجية أو الباطنية أو الوجهين في المجتمعات الصادقة الجادة المنسجمة مع نفسها.
إذا كنتَ تعيش في دولة فاشلة فاطمئن؛ إذ إن هناك نحو مليارين من سكان الأرض يعيشون، مثلك، في دول فاشلة بمستويات مختلفة، ويرددون أناشيد وطنية كل صباح.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة