الوباء وسيطرة الدول على النشاط الاقتصادي

الوباء وسيطرة الدول على النشاط الاقتصادي

الخميس - 6 شهر ربيع الأول 1442 هـ - 22 أكتوبر 2020 مـ رقم العدد [15304]

دفع الوباء الحكومات نحو اتخاذ دور أكثر فاعلية في إدارة اقتصاد بلدانها، حيث عمد السياسيون إلى منح ضمانات قروض سخيَّة، ودعم الأجور، وذلك للحد من خطر ظهور موجة من حالات إشهار الإفلاس والبطالة. الخطوة التالية هي الاستحواذ على الشركات بشكل مباشر. ويبدو أن إيطاليا قد بدأت بالفعل السير في هذا الاتجاه بعد عمليات الاستحواذ الكثيرة التي شهدتها البلاد مؤخراً والتي شملت أنظمة دفع وشركات طيران.
وكانت إيطاليا قد تحولت خلال القسم الأكبر من العقود الثلاثة الماضية بعيداً تماماً عن نموذج الاقتصاد الموجه الذي ساد البلاد بعد السنوات الأخيرة من حقبة الثلاثينات. ودشّنت وزارة المالية الإيطالية خلال فترة تولي ماريو دراغي المنصب واحداً من أكبر برامج الخصخصة في أوروبا الغربية الذي شمل كل أشكال المؤسسات والكيانات من المصارف حتى المرافق العامة. وقد ظل الإنفاق العام الحكومي يمثل 48.7 في المائة من إجمالي الناتج المحلي خلال العام الماضي، لكن حاولت الحكومات، على اختلاف توجهاتها من تيار اليسار إلى تيار اليمين، القيام بإصلاحات هيكلية والانفتاح على الاستثمار الذي يقوم به القطاع الخاص.
مع ذلك أوقفت الحكومة الائتلافية، التي تتكون من الحزب الديمقراطي، الذي ينتمي إلى تيار اليسار الوسط، وحركة «النجوم الخمسة» الشعبوية، كل ذلك؛ حيث كشفت خلال الأسبوع الماضي عن مجلس الإدارة الجديد للخطوط الجوية الإيطالية، التي لا تحقق أرباحاً بشكل مزمن ومستمر؛ وسوف تنفق 3 مليارات يورو (3.5 مليار دولار) من أجل تأميمها وتحويلها إلى شركة حكومية.
على الجانب الآخر، استحوذ مصرف «كاسا ديبوسيتي إي بريستيتي» الحكومي، على 7.3 في المائة من شركة «يورونكست» لإدارة أسواق الأوراق المالية في إطار عملية استحواذ الأخيرة على سوق الأوراق المالية الإيطالية. وبالمثل أصبح المصرف المستثمر الأكبر في شركة «نيكسي» بعد شراء شركة الدفع الرقمي لشركة «إس آي إيه سبا».
كذلك خاض مصرف «كاسا ديبوسيتي إي بريستيتي» المفاوضات الرامية إلى تجريد عائلة بينيتون الثرية من حصتها الحاكمة في رأس مال شركة «أوتوسراتدي بير لإيطاليا»، التي تتولى إدارة وتشغيل الطرق السريعة، بعد انهيار جسر موراندي في مدينة جنوا عام 2018. كذلك يستثمر المصرف في سلسلة من الشركات الأصغر حجماً، ويشرف على الأعمال الخاصة بإنشاء شبكة إيطالية خالصة للإنترنت فائق السرعة.
لا يتعلق هذا التغير الحاد في الاتجاه بجهود الاستجابة إلى الوباء بشكل كبير، فالتي تتولى منصب المستشار الاقتصادي لرئيس الوزراء جوزيبي كونتي، هي الأستاذة الجامعية ماريانا مادزوكاتو، التي لطالما دعمت التدخل الحكومي. كذلك أيدت حركة «النجوم الخمسة» منذ إنشائها عام 2009 عمليات تأميم المصارف، والمرافق العامة، وغيرها من مرافق البنية التحتية العامة. وحذا أعضاء الحزب الديمقراطي حذوها بعد ذلك متخلين عن الرغبات الإصلاحية لماتيو رينزي، الرئيس السابق للحزب. ويعد تاريخ إيطاليا فيما يتعلق بتدخل الدولة هجيناً ومختلطاً في أفضل الأحوال؛ فبعد الكساد الكبير أنشأ النظام الفاشي مؤسسة إعادة الهيكلة الصناعية، التي هيمنت على اقتصاد ما بعد الحرب العالمية. ويرى بعض خبراء الاقتصاد أن ما حققته إيطاليا من تقدم خلال الخمسينات والستينات كان بفضل جهود تلك المؤسسة، في حين يعتقد البعض الآخر أن ذلك كان نتيجة طبيعية لإعادة الهيكلة التي أعقبت الحرب العالمية، وتحول البلاد بعيداً عن الاقتصاد القائم على الزراعة. وأصبحت الكثير من الشركات المملوكة للدولة خلال حقبة الثمانينات معاقل ونماذج للفشل والمحسوبية، مما أدى إلى الخصخصة.
تأمل روما أن تنعش تلك المجموعة الجديدة من عمليات التأميم، إلى جانب المساعدات الجديدة المقدمة من الاتحاد الأوروبي من أجل مكافحة الوباء، الاستثمار الحكومي وتحفزه بعد عقد من الانكماش والتراجع. وتعتقد الحكومة الإيطالية أن وجود مستثمرين يعملون على المدى الطويل، مثل الدولة أو مصرف «كاسا ديبوسيتي إي بريستيتي»، سوف يجبر الشركات على السعي نحو تحقيق أهداف أكبر مثل مكافحة التغير المناخي، عوضاً عن الاهتمام بأرباح المساهمين فحسب. للأسف كثيراً ما يكون من الصعب الجمع بين الكفاءة وبين إرضاء الحكومة؛ فعلى سبيل المثال من المؤكد أن الدولة سوف ترفض الدعوات التي تطالب بخفض الوظائف في شركة «الخطوط الجوية الإيطالية» حتى إذا كان ذلك ضرورياً من أجل إحداث تحول إيجابي في الشركة وتحقيق النجاح. إذا تم تأميم شبكة الطرق السريعة في إيطاليا، سوف تجد الحكومة ومصرف «كاسا ديبوسيتي إي بريستيتي» صعوبة في زيادة رسوم المرور التي تعد مصدراً مهماً للأموال اللازمة لأعمال الصيانة. وبوجه عام ربما يتكون لدى المستثمرين الأجانب انطباع بأنهم مضطرون إلى العمل مع كيان مملوك للدولة إذا أرادوا الاستثمار في إيطاليا؛ وليست لا تعتبر رؤية جذابة.
كذلك لا يعد غياب الاستقلال في طريقة إدارة تلك المشروعات بالأمر الجيد الإيجابي، حيث يجد مصرف «كاسا ديبوسيتي إي بريستيتي» صعوبة في الحفاظ على مسافة كافية بينه وبين السياسيين الإيطاليين الذين يطلبون تدخله في عدد أكبر من الشركات. وكذلك عينت الحكومة موالين لها في مجالس إدارة تلك الشركات المملوكة للدولة مثل مجموعة «ليوناردو سبا» العاملة في مجال الدفاع، وشركة «إي إن آي» (الوكالة الوطنية للمحروقات) العملاقة العاملة في مجال النفط.
ليست إيطاليا هي الدولة الوحيدة، التي تشهد تحولاً نحو الحكومة الضخمة؛ ففرنسا لم تبتعد حقاً عن سياسة سيطرة الدولة على النشاط الاقتصادي والحياة الاجتماعية في البلاد. ويتخلى حتى المحافظون البريطانيون، المدافعون عن الأسواق الحرة، عن نهج وفكر ثاتشر من أجل الحفاظ على دعم الناخبين من الطبقة العاملة المؤيدين لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي في شمال إنجلترا. وسوف تمثل إدارة دولة تتنامى باستمرار، إلى جانب تزايد ديونها، تحدياً هائلاً بعد انتهاء الوباء؛ ويأمل المرء أن يدرك السياسيون عواقب الأمور.
* بالاتفاق مع «بلومبرغ»


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة