التسرع في الحصول على لقاح فكرة مزعجة

التسرع في الحصول على لقاح فكرة مزعجة

الاثنين - 3 شهر ربيع الأول 1442 هـ - 19 أكتوبر 2020 مـ رقم العدد [15301]

قلبت جائحة فيروس «كورونا» الحياة رأساً على عقب، وعطلت الاقتصاد العالمي. وكلَّما أسرعنا في الحصول على اللقاح، كانت الفرصة أفضل للعودة إلى حياتنا الطبيعية؛ لكن هذا لا يعني أنَّه يجب علينا التسرع بلا داعٍ.
عادة ما يستغرق تطوير اللقاح والموافقة عليه عدة سنوات؛ لكن المهلة هذه المرة تقلَّصت لأقل من عام؛ لكن في الولايات المتحدة الآن، فإنَّ هذه المهلة تعتبر طويلة، وهناك طريقة يمكن بها تسريع وتيرة التطوير أكثر من ذلك، إذ يمكن لإدارة «الأغذية والأدوية» الأميركية، بصفتها حارس البوابة لأي دواء جديد قادم إلى السوق، تسريع العملية التنظيمية في حال كانت هناك حاجة ملحة، ومن ثم منح الموافقة قبل اكتمال التجربة، وهو المسار الذي يريد الرئيس ترمب من مطوري لقاح «كوفيد - 19» أن يسلكوه.
تسعى جميع الشركات، مثل «أسترا زنكا بي إل سي»، و«مودرنا إنك»، و«فايزر» التي تتعاون مع «بيونتيك» الأميركية، حثيثاً للحصول على لقاح. ومن المحتمل تقديم شركة «فايزر» طلباً للحصول على موافقة مبكرة، ربما شهر أكتوبر (تشرين الأول) الجاري. ومع ذلك فإن الاختلاف بين السعي للحصول على الموافقة على أساس البيانات المؤقتة والتحليل النهائي، هو مجرد مسألة أسابيع قليلة أو بضعة أشهر على الأكثر. ورغم كل ذلك فإن نجاح اللقاح يعتمد على ما تحققه مجموعة كاملة من النتائج اللاحقة. وهناك أسباب علمية جيدة للقيام بذلك ومخاطر جراء عدم القيام بها. ولنأخذ حالة شركة «فايزر» كمثال لتوضيح السبب:
فاعلية اللقاح: يمكن الإشادة بتجربة «فايزر»، شأن غالبية الأدوية، وحصولها على موافقة مبكرة حال تراجع السعال والحمى لدى الأشخاص الذين يتناولون اللقاح، مقارنة بأولئك الذين يتناولون العقار الوهمي الذي لا يحتاج إلى إثبات قدرته على تقليل شدة المرض من عدمه. لن تحصل شركة «فايزر» على هذا النوع من البيانات إلا من خلال دورة كاملة للتجربة. ففي حين أنه في حال قلت الأعراض الأكثر اعتدالاً، فإن الأعراض الأكثر حدة ستقل كذلك. وسيعني القضاء على المرض مبكراً أن القائمين على التجارب سيؤمنون بنجاعة العقار. قد يكون من المجدي أن نرى على الأقل عدداً قليلاً من الحالات الشديدة التي تظهر في التجربة لتقييم ما إذا كان اللقاح يمنع حقاً مزيداً من الأمراض المقلقة، واستبعاد احتمال حدوث آثار جانبية نادرة.
المجموعة الأساسية: يعتبر كبار السن من بين الفئات الأكثر عرضة للإصابة بـفيروس «كورونا»، وسيتلقون جرعات عديدة من أي لقاح معتمد. وليس من المستغرب أن تكون اللقاحات أقل فاعلية عند كبار السن؛ لأن جهاز المناعة لديهم لا يعمل بشكل جيد. ويعني إيقاف التجربة مبكراً أنه من المحتمل أن تكون هناك بيانات محدودة للغاية حول ما إذا كان لقاح حاسم سيزيل العائق من أمام المجموعة الأساسية. فقط 43 في المائة من متطوعي شركة «فايزر» تبلغ أعمارهم 56 عاماً أو أكثر، ومن المحتمل أن يكون عدد من هم فوق سن الـ 70 عاماً محدوداً، وهي السن التي ترتفع فيها المخاطر بشكل كبير. فمن الملاحظ أن متوسط عمر المصابين قد انخفض بشكل كبير خلال مسار الوباء؛ لأن كبار السن يميلون لأن يكونوا أكثر حرصاً، مما يقلل بشكل أكبر من كمية المعلومات المتاحة بشأن تلك الفئة العمرية. تنطبق المشكلة نفسها على حوالي 10 في المائة من المرضى الأصغر سناً الذين يصابون بمرض أكثر حدة.
التمثيل الناقص المعرض للخطر: هناك قضية مماثلة وأكثر حدة، تتعلق بالأقليات العرقية والأميركيين من أصول أفريقية، والتي تمثل نسبة مئوية أعلى من الحالات الشديدة من «كوفيد - 19». ففي حين وسعت شركة «فايزر» من نطاق تجربتها إلى 44 ألفاً، مقارنة بنحو 30 ألفاً لزيادة عدد المشاركين، فإنها لم تقم بذلك إلا مؤخراً. ومن غير المحتمل أن يكون لدى شركة الأدوية بيانات كافية عن لقاحها لدى هؤلاء المشاركين، إذا قررت التقدم بطلب للحصول على موافقة الجهات التنظيمية قبل اكتمال التجربة الكاملة. يقيم فقط 27 في المائة من المرضى في مراكز الشركة بالولايات المتحدة، والتي تمثل الغالبية العظمى من مواقع التجارب الخاصة بها، وجميعهم من خلفيات متنوعة.
موارد محدودة: إذا تلاشت الحماية من اللقاح الذي تمت الموافقة عليه مبكراً - سواء من إنتاج شركة «فايزر» أو أي جهة أخرى - بمرور الوقت أو ثبت أنه أقل نجاعة من اللقاح التالي، فستكون النتيجة النهائية هي استنفاد المواد الخام القيّمة التي كان من الممكن أن تكون مكرسة لخيارات أفضل. فالموافقة ما هي إلا خطوة واحدة في طريق الحصول على لقاح لجميع الناس في جميع أنحاء الكوكب. يمكن استخدام الموارد الهائلة - من رأس المال البشري والمالي إلى القوارير الزجاجية والسدادات المطاطية – في إنتاج لقاح دون المستوى الأمثل، مما يضر بمساعي إطلاق علاجات أكثر فاعلية، وحتى بجهود التطعيم غير المتعلقة بـفيروس «كوفيد - 19».
ثقة الجمهور: الشكوك حول اللقاحات شائعة بالفعل بين فئات معينة من عامة الناس، بينما يشعر آخرون بالقلق من أن الاستعجال في إنتاج لقاح للفيروس قد ينتهي به الأمر إلى اختصار الطريق على حساب الجودة أو زيادة المخاطر. فإذا تبين أن اللقاح الذي تمت الموافقة عليه مبكراً دون المستوى الأمثل، فيمكن أن تصبح تلك المواقف المتشككة أكثر صلابة. في أسوأ الأحوال، يمكن أن تؤدي النتيجة السيئة إلى زعزعة الثقة باللقاحات كلها، مما يعرض النجاح الذي تحقق بشق الأنفس في القضاء على عديد من الأمراض المعدية أو تقليلها للخطر.
الفرص الضائعة: قد تتسبب الموافقة المبكرة من دون وجود الكثير من البيانات حول السلامة على المدى الطويل والفاعلية الواسعة في إعاقة تطوير لقاحات أخرى، وهو ما يمكن حدوثه؛ حيث من الممكن منح الموافقة المبكرة في ظل الإرشادات التي كشفت عنها إدارة الأغذية والأدوية مؤخراً، والتي تتطلب متوسط شهرين من متابعة المشاركين في التجربة. سيتطلع عدد أقل من الأشخاص إلى الدخول في تجربة يمكن أن تمنحهم علاجاً وهمياً إذا كان هناك إجراء معتمد؛ لكن ذلك يدعو للقلق؛ لأن العديد من اللقاحات الواعدة المحتملة - بما في ذلك اللقاحات «الحديثة»، مثل اللقاحات التي أنتجتها مؤخراً شركات «أرتوروس» و«إمبريال كوليدج لندن»، كذلك الجهود التي تبذلها شركة «نوفافاكس» والشراكة القائمة بين شركتي «غلاكسو سميث كلين»، و«سانوفي» التي تستخدم تقنية مجربة وحقيقية - لم تبدأ في مرحلة التجارب الأخيرة.
شأن أي شخص آخر على هذا الكوكب، أريد العودة إلى طبيعتي في أسرع وقت ممكن، وسيساعدنا اللقاح في الوصول إلى ذلك؛ لكني أريد فقط لقاحاً مر بكل التجارب الكاملة. صحيح أنه يحق للشركات المتسابقة مثل شركة «فايزر» التقدم بطلب للحصول على موافقة مبكرة إذا كانوا مؤهلين للقيام بذلك؛ لكن القليل من الصبر سيساعد في تقديم مزيد من المعلومات، ويعطي الطامحين الآخرين للقاح فرصة لإثبات جدارتهم أيضاً، وحينها سنكون جميعاً أفضل حالاً.
* بالاتفاق مع «بلومبرغ»


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة