بين إخضاع وإقناع

بين إخضاع وإقناع

الأحد - 23 صفر 1442 هـ - 11 أكتوبر 2020 مـ رقم العدد [15293]
فـــؤاد مطـــر
صحافيّ وكاتب ومؤلّف لبنانيّ، خبير بالشّؤون العربيّة ولاسيّما مصر والسّودان والعراق

في موضوع الصراع العربي - الإسرائيلي، من المفترَض أن يكون الطيف المدني في أي دولة من دول الأمة أكثر مرونة من الطيف العسكري إزاء الخيارات المطروحة بين الحين والآخر في مسألة الاتصالات مع إسرائيل، بغرض عقد اتفاقيات سلام أو حُسْن جوار أو تعاملات اقتصادية وتجارية وموانئية ومطارية. ونقول ذلك على أساس أن الثقافة الدبلوماسية والسياسية أكثر مرونة ورحابة من الثقافة العسكرية، حيث لا مجال فيها، عكس دبلوماسية المدنيين، للمناقشة والإكثار من الاقتراحات يؤخذ بنتيجة النقاش حولها بما هو الأفضل أو الأصوب أو في الحد الأقصى، وبالذات في موضوع التفاوض العربي - الإسرائيلي بتقليل نسبة التنازل أو التساهل.
وحده السودان تبدو فيه المعادلة معكوسة، حيث نجد الطيف العسكري أكثر مرونة من شريكه المدني في الموضوع المشار إليه. وهنا تتحمل الإدارة الأميركية مسؤولية التعثر الذي أصاب الخطوة التي خطاها رئيس مجلس السيادة الفريق عبد الفتاح البرهان، الذي من أجْل فتح ثغرة في جدار العقوبات المفروضة على السودان، وعدم حذْف اسمه من قائمة الدول الراعية للإرهاب، التقى رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو (3 فبراير/ شباط 2020) ضمن ترتيب تولاه واستضافه رئيس أوغندا بغرض الجمْع بين الاثنين.
والقول إن الإدارة الأميركية تتحمل مسؤولية التعثر مرده أن طابخي تلك الوجبة السودانية - الإسرائيلية كان يهمهم إنجازها من دون أن يعنيهم أنها منقوصة الاستواء وقليلة المطيبات، واستندوا في ذلك إلى أن في تاريخ الطيف العسكري - السوداني خطوة تمت وكانت عملياً اللبنة الأُولى على طريق التطبيع مستقبلاً، وتتمثل في أن نظام الرئيس جعفر نميري آنذاك الذي كان يشغل مدنيون مراكز فيه لهم دور في صنْع القرار السياسي والسيادي بوجه خاص، يسَّرت أمر ترحيل الفالاشا إلى إسرائيل (يناير/ كانون الثاني 1985)، وأن النظام صمد سنوات بعد ذلك، ولم يسقط بفعل ذلك الفعل الفالاشي، وإنما بفعل الضغط الشعبي والحزبي لدوافع متصلة بالوضع المعيشي والتفرد في السلطة.
لم تقرأ الإدارة الأميركية الوضع السوداني على ما تنبغي أن تكون عليه القراءة. اعتبرت أن الوضع المعيشي الذي من أجْله حدث الحراك الذي أسقط نظام الرئيس عمر البشير هو مفتاح بوابة إضافة السودان إلى التطبيع مع إسرائيل، وأن ما لا يؤخذ بالرضا المباغت يتحقق بالإقناع، ثم بتعلية سقف الشروط. وما دامت الكلمة الحاسمة نسبياً في السودان هي للطيف العسكري، وأن رمز هذا الطيف بالخطوة الأوغندية ارتضى التطبيع من حيث المبدأ، فإن تعلية الشروط، بحيث يسبق التطبيع رفع العقوبات، أو يتلازمان معاً، يمكن أن تثمر ويخطو النظام السوداني الخطوة التالية مكرهاً بسبب الوضع المعيشي المتدهور، الذي زاده تدهوراً كارثة السيول من فيضان نهر النيل غير مسبوق غضبه بهذه الحدة منذ أكثر من نصف قرن، وليس بدافع ثقة بالنفس جرَّاء نصر عسكري مبهر كالذي ارتبط بالرئيس أنور السادات يوم 6 أكتوبر (تشرين الأول) 1973، واعتبره حيثية موضوعية لخوض تجربة السلام مع إسرائيل على خلفية الانتصار الذي تحقق وتمثَّل بتحرير قناة السويس، وباسترجاع سيناء. ويمكن القول هنا إنه لولا انتصار أكتوبر 1973 ما كان للفعل الساداتي أن يحدث، وكان طعم الاحتلال سيبقى على مرارته في الحلق المصري، إلى أن يسترجع الساعد العسكري أرضاً احتُلت وكرامة استُبيحت، وقناة هي أهم الشرايين الاقتصادية لمصر أُقفلت.
ما يحدث في السودان صراع بين قسوة الوضع ومرارة العيش من جهة، وكرامة النفس في المقابل. وفي استطاعة الإدارة الأميركية باستباق رفْع العقوبات تمهيد طريق أكثر سلامة في اتجاه التطبيع من جانب النظام العسكري - المدني. أما اشتراط التطبيع، وبعد ذلك رفْع العقوبات، فإنه محاولة إقناع أقرب إلى الإخضاع. وفي هذه الحال فإن التطبيع حتى إذا حدث سيبقى ندبة ولا فرصة أمامه للتطوير نحو آفاق السلام الدائم.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة