هل ينصب «داوننغ ستريت» فخاً للصحافة؟

هل ينصب «داوننغ ستريت» فخاً للصحافة؟

الأحد - 23 صفر 1442 هـ - 11 أكتوبر 2020 مـ رقم العدد [15293]
عادل درويش
معلّق سياسيّ مصري مراسل في برلمان ويستمنستر وداوننغ ستريت، ومؤرخ متخصص فى السياسة الشرق اوسطية.

تعيين «10 داوننغ ستريت»، مديرة جديدة للاتصالات الصحافية (كبيرة المستشارين الصحافيين) هي الشابة إليغرا إليزابيث سترتون، الصحافية السابقة، ومديرة الاتصالات الاستراتيجية حالياً في وزارة المالية، ليس بجديد. فعادة ما تأتي الخبرات من «المالية»، وهي وزارة أقدم من منصب رئيس الوزراء الذي كان ولا يزال هو اللورد الأول للخزانة.
شغل شابة للمنصب (أم لطفلين، لم تبلغ الأربعين بعد) ليس بجديد. ديفيد كاميرون اختار مديرة صحافية في الثلاثينات من عمرها أثناء رئاسته الحكومة (2010 - 2016)، وكانت سيدة في الأربعينات مديرة المكتب الصحافي في حكومة تريزا ماي (2016 - 2019).
كما أن تعيين صحافي سابق في المنصب ليس بجديد، بل يكاد يكون تقليداً، فما هو الجديد إذن؟
الجديد هو نوعية شاغلة المنصب، والتوصيف الوظيفي والمهام المتوقعة من إعادة هذا التوصيف.
سترتون بدأت من الصحافة اليسارية عندما كانت زميلة في مجموعة المراسلين البرلمانيين كمراسلة لـ«غارديان»، التي ترفع علم الأسطول اليساري في فليت ستريت.
ثم انتقلت إلى سفينة العلم في أسطول اليسار العالمي، الـ«بي بي سي»، كمنتجة فقرات، وإن قدمت تقارير للاستقصاء الصحافي، لبرنامج نيوز نايت، وهو من أكثر منابر اليسار المتلفزة تأثيراً. لكنها وضعت المهنية قبل الآيديولوجية؛ كما أن زوجها هو المحرر البرلماني لمجلة الاسبكتاتور العريقة، التي تعتبر عقل وخزانة تفكير حزب المحافظين ويمين الوسط السياسي؛ وكان رئيس الوزراء بوريس جونسون نفسه محرراً فيها ثم رئيساً لتحريرها (2003 - 2006) وارتفع توزيعها بقيادته ليفوق 60 ألف نسخة أسبوعياً (رغم أنها أكثر المجلات ارتفاعاً في الثمن بما قيمته ستة دولارات ونصف).
كانت سترتون دون السادسة والعشرين عنما أصدرت كتابها الوحيد Muhajababes بتزويج كلمتي «محجبات» و«مدللات»، عما إذا كانت هناك ثورة ثقافية ستجتاح الشرق الأوسط، في التناقض بين افتنان بعض شباب البلدان العربية بتنظيمات كـ«حزب الله»، وفي الوقت نفسه بمغنيات الاستعراض كنانسي عجرم وهيفاء وهبي.
الجديد الآخر في الأمر، وهو ما يدفعني للتحفظ كصحافي كلاسيكي عجوز من المدرسة التقليدية هو التوصيف الوظيفي.
ستيرتون ستقلد المتحدثات من البيت الأبيض، والكرملين، والخارجية الروسية، وتصبح الوجه والصوت اليومي لمكتب رئيس الوزراء. «داوننغ ستريت» قرر أن يصبح اللقاء الصحافي اليومي مبثاً في التلفزيون في غضون بضعة أسابيع ويطل علينا وجه إليغرا الحسن من الشاشة الصغيرة. وقبل أن أستعير الصيحة الشهيرة لعميد المسرح المرحوم يوسف بك وهبي (1898 - 1982) «يا للهول»، سأتريث بضعة أشهر قبل إصدار الحكم، والعبرة بالنتائج، وإن كنت غير متفائل أصلاً. ليس لأن كل الظواهر (تقريباً) السياسية والصحافية المستوردة من أميركا كانت آثارها سلبية، بل أشك في تبرير «داونغ ستريت» للتقليعة الجديدة، «بالشفافية وكشف الحقائق»، بأنه حق يراد به باطل.
فوجود المجموعة الصحافية البرلمانية أصلاً استغرق مرحلة نضال طويل، وحتي مطلع القرن التاسع عشر كان حراس البرلمان يطاردون الصحافيين بالسيوف ويفتشونهم لمنعهم من تهريب ما قد ينشر فيحرج علية القوم. وحتى داخل المجموعة المعروفة بالمنصة الصحافية Press gallery فإن المجموعة الأقل عدداً مراسلي اللوبي Lobby Reporters كانت، حتى عشرين عاماً مضت سراً وينكر وجودها أصلاً. ولا يختلط الأمر على البعض. فكلمة لوبي في وستمنستر تختلف عنها في أميركا وأماكن أخرى. لوبي تعني ردهة. وفي هذا السياق الردهة ما بين مجلسي، العموم واللوردات (الردهة المركزية)، كان عادة ما يقف فيها حاملو العرائض والشكاوي لتقديمها لممثلي دوائرهم أو من يريد إيصال صوته أو شكواه عبر نائبه. ومن هنا جاءت كلمة Lobbyists أي محترفي التأثير على الساسة. أما اللوبي الصحافي، فهم مجموعة منتقاة من الصحافيين البرلمانين يسمح لهم بالمرور في الردهات الداخلية وراء الردهة المركزية للاختلاط بالنواب. وهم ليسوا منتقين لواسطة أو محسوبية، وإنما لأنهم يحملون بطاقة الدخول إلى 10 دواننغ ستريت والسفر في الطائرة نفسها مع رئيس الوزراء، لأن وكالات الأمن والاستخبارات حققت في خلفيتهم ولم تجد أي شكوك في علاقات مريبة أو شوائب أو انتماءات تؤثر على الثقة بهم.
اجتماعاتنا كانت مرتين في اليوم في غرفة صحافيي اللوبي في مبنى البرلمان، ورئيس المجموعة (بالانتخاب السنوي) يتولى رئاسة الجلسة التي تستمر نصف ساعة، والمصدر عند النشر «من داوننغ ستريت» بلا ذكر أسماء.
منذ عشرة أشهر نقل المكتب الصحافي لرئيس الوزراء الاجتماعات اليومية إلى مبنى ملحق برقم 10 داوننغ ستريت. صحيح أن الفورمة (شكل الاجتماع) لم تتغير والأسئلة كما هي، وأيضاً الأجوبة (المراوغة والمتهربة) لم تتغير، لكن نقل المكان كان فيه إشارة رمزية إلى رغبة «داوننغ ستريت» في السيطرة على narrative أو سياق القصة الصحافية المنشورة أو المبثة. الفورمة القديمة لا تسمح بذلك، لأن من يظهر أمام الكاميرا أو يكتب التقرير المنشور هو الصحافي وليس السكرتير الصحافي للحكومة.
فلماذا فجأة هذه الرغبة في مصارحة الشعب بالحقيقة؟
حكومة بوريس جونسون في موقف لا تحسد عليه شعبياً. فآخر استطلاع للرأي بين أن 15 في المائة فقط من البريطانيين يثقون بالحكومة (مؤسسة نات - سين للاستطلاع الاجتماعي الإصدار 37). كما ارتفعت الإصابات الجديدة بـ«كوفيد - 19». بنسبة 56 في المائة في نهاية الأسبوع، والصحافة يميناً ويساراً تشن هجوماً مستمراً على إدارة الحكومة للأزمة، بينما غالبية الشعب (الثلثين) تؤيد إجراءات الحظر.
حكومة جونسون تأمل في بث اللقاء الصحافي من «داوننغ ستريت» في استعادة الشعبية. ربما يظهر الصحافيون كنخبة مثقفة (وأغلبهم من اليسار الليبرالي) في وادٍ، وهموم الشعب في وادٍ آخر، وتقفز الحكومة فوق الفلتر التي تمرر الصحافة الأخبار منه إلى الشعب. الجيل الجديد من الصحافيين يركز على الشكل لا الجوهر في محاولة إحراج المسؤول بالبحث في التصريح عما يناقض ما قاله قبل عامين، وهنا تراهن الحكومة على أن وجود التلفزيون قد يدفع المتفرج إلى التعاطف معها على حساب الصحافة.
الصحافيون ليسوا في موقف أفضل؛ فـ70 في المائة من البريطانيين لا يثقون بهم ولا يصدقون ما يبث أو ينشر.
في أي الاحتمالين أخشى وقوع الجيل الجديد من الصحافيين، بسبب الغرور والخيلاء في الفخ ويفقدون ما بقي لديهم من المصداقية أمام شعب التلفزيون.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة